<
حوار مع الفنان الكرديّ حكمت داوود  «»   حكمت داوود – فنان تشكيلي سوري معاصر  «»   حكمت داوود.. الأنامل الساحرة في أزياء الدراما  «»   الجسر المعلق  «»   نوروز  «»   تل حدّاد  «»   ألوان..  «»   حالة  «»   هنا دمشق  «»   ” بسيط كالماء .. واضح كطلقة مسدس ” سنوية الشهيد مشعل التمو  «»   دهب حلب  «»   حكمت داوود: الأزياء فلسفة وفن وخطاب موجه للجمهور  «»   داريّا .. الموت الجماعي  «»   الفن التشكيلي  «»   أنثى بطعم النار  «»   رسالة إلى جلجامش  «»   دير سيدة صيدنايا .. لمحة تاريخية  «»   زيتية قياس 30 × 50  «»   زيتية 50 × 70  «»   الطربوش 1949 ومنع الموظفين من ارتدائه  «»   زيتية على قماش 50 × 70  «»   متى ذهب السوريون إلى المدارس؟  «»   مثل هندي : …. اللاءات الثلاثة!  «»   زيتي 60 ×70  «»   حكمت داوود : أكتب الشعر ولست بشاعر  «»   الرسم على القماش وأدواته  «»   محاولة جديدة زيتي على قماش 50 × 60  «»   محاولة 50 × 60  «»   محاولات زيتية على قماش  «»   محاولات .. زيتي على قماش قياس 80 × 80  «»  
نوفمبر
17
7,284 زيارة

دمشق فترة السلطان عبد الحميد الثاني

1293هـ – 1325هـ / 1876م – 1908م

تأليف

الدكتورة ماري دكران سركو

منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب

وزارة الثقافة – دمشق


الإهـداء

إلى ياسمين دمشق الذي قاوم المحن

إلى رجال المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق . .

إلى الشهداء الذين سـقطوا دفاعاً عن الحريـة . .

ودفعــاً للظـلم والعـــدوان الصهيونـي . .

إلى كل طفل سقط في فلسطين ولبنان والعراق . .

أقدم عملي المتواضع هذا..


مقدمة

كتب كثير من المؤرخين العرب والمستشرقين الأجانب عن مدينة دمشق، أبحاثاً تاريخية سياسية، واعترف كثير منهم بأن تاريخها القديم يجعلها أم المدن العالمية وأقدمها التي ما تزال مأهولة حتى اليوم. وهي القلب من المشرق العربي في كل العصور التي تتالت عليها. وعلى الرغم من أن مدينة دمشق منارة الشرق ولؤلؤته، فإن دراسة أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية لم تتناول، في تلك الفترة من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين 1876-1908م، فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني. وتُعدُّ دراسة أوضاع مدينة دمشق دراسة مصغرة لأوضاع المشرق العربي خاصة، والوطن العربي عامة، خلال فترة الحكم العثماني.

إن تغير الظروف والأحداث التي توالت على المشرق العربي، نتيجة التغيرات العالمية والإقليمية بدّلت كثيراً من المفاهيم في أوروبا والعالم، وبالتالي المشرق العربي، ومنه مدينة دمشق، حيث أخذت تظهر بوادر تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وقومية مهمة.

فقد كان التوجه الاستعماري على أشده نحو المنطقة، فترة الدراسة. وقد تسارع منذ الثورة الصناعية الأوروبية، فأخذ الطلب يتزايد على المواد الأولية اللازمة لصناعة الغرب الأوروبي, وكان المشرق العربي الأقرب للحصول على تلك المواد بالأسعار المناسبة.

هذا التوجه الاستعماري أدى في النتيجة إلى إضعاف المنطقة العربية وخضوعها للاستعمار الحديث الإمبريالي التوسعي بداية القرن العشرين.

انطلاقاً من ذلك، وضعنا مجموعة من الأسئلة والأهداف التي حاول البحث الوصول إليها والإجابة عنها، بدقة وموضوعية، اعتماداً على طريقة التحليل والاستنتاج الوثائقي التي رسمت صورة للوضع بكل أبعاده، وذلك من خلال قراءة الوثائق وتحليلها.

من هذه الأسئلة:

§  ما التغيرات الاجتماعية لمدينة دمشق، في تلك المرحلة من نهاية الحكم العثماني ؟

§  ما أثر الاحتكاك مع الغرب، على البنية الاجتماعية لمدينة دمشق؟

§  ما نتائج التدمير المبرمج للزراعة والصناعة والتجارة، على الواقع في مدينة دمشق؟

§ ما أسباب توسع مدينة دمشق في تلك الفترة, فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، إلى خارج السور (ظاهر دمشق) وخاصة نحو الغرب؟

§  كيف تم إعمار الجامع الأموي، بعد الحريق الكبير الذي حدث في الفترة المدروسة؟

إن الأهداف التي حاولنا التوصل إلى الإجابة عليها بالدرجة الأولى، شكلت العمود الفقري للوصول إلى النتائج . ومن قراءة تلك الوثائق، وجدنا أنفسنا أمام استحضار للواقع الاجتماعي والاقتصادي والعمراني بشكل موضوعي دقيق، حيث أبرز البحث انطلاقاً من الوثائق، وبجهد ومثابرة حثيثين، وصبر و أناة استغرقا عامين من مطالعة تلك الوثائق وتحليلها وجمعها، النتائج المهمة التي أردنا الوصول إليها.

لقد أظهرت الوثائق أوضاع المجتمع الدمشقي المحافظ على عاداته وتقاليده المتوارثة والمتعارف عليها, إضافة إلى المستجدات التي حصلت في الواقع الاجتماعي، نتيجة الاحتكاك بالغرب، مما أدى إلى ظهور فئات اجتماعية جديدة. وكذلك، فقد أظهر البحث العلاقة مع هذه الفئات الخاصة من أصحاب الأملاك والأجانب والصرافين والتجار والزراع والصناع. وأهم ما لفت الانتباه، هذه الطبقة من المستأمنين (حاملي البراءة السلطانية) التي كانت مصالحها مرتبطة في الأغلب، مع الغرب.

بالإضافة إلى دراسة الأوضاع الاقتصادية والتوجه الأوروبي بشدة، لخنق الصناعة الوطنية، واستثمار الزراعة والمواد الأولية لمصلحته، وجعل التجارة في المدينة والمنطقة مرتبطة بوكلائه وسماسرته, فقد ذكرت الوثائق الكثير من الشركات الأجنبية التي قامت بالاستثمار مباشرة في مدينة دمشق.

كما عثرنا على وثائق مهمة جداً توضح توسع المدينة وتطورها العمراني، حيث أظهرت تطور المدينة في تلك الفترة، من مدينة من مدن العصور الوسطى إلى مدينة من العصر الحديث, إذْ بيَّنَ البحث التوسع العمراني، نتيجة تزايد عدد السكان والهجرة إليها. ومما ركز عليه البحث هو عبقرية المعمار الدمشقي، إذْ إنّ بعض البيوت الدمشقية لا يزال قائماً حتى اليوم ( وقد أوردنا وصفاً لبعضها من خلال الوثائق)، وكذلك طريقة إعادة إعمار المسجد الأموي الكبير في المدينة التاريخية .

جاء البحث مؤلفاً من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة وملاحق.

الفصل الأول:

تم في هذا الفصل، معالجة عناصر السكان في مدينة دمشق، في تلك المرحلة، من حيث فئة الحكام، والموظفين والعلماء ورجال الدين والأشراف، والحديث عن طبقة الأعيان التي أدت دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية للمدينة، ثم فئة العامة من فلاحين وحرفيين وتجار، وأهل الذمة (النصارى واليهود). ثم أبرز الفصل فئة المستأمنين من أهل دمشق (البرجوازية الوسيطة)، ثم المهن العلمية والفنية التي وُجدت في المدينة. وأخيراً عناصر السكان الأخرى .

والأهم هو بروز ظاهرة الرعاية الاجتماعية في المدينة، في فترة الدراسة، والتي تمثلت بصندوق مال الأيتام، وذلك بالاعتماد على وثائق جديدة غير منشورة.

الفصل الثاني:

تضمن الفصل دراسة المجتمع الدمشقي ومظاهره، من حيث العادات والتقاليد الدمشقية الأسرية (الزواج والطلاق) وأوضاع المرأة والأزياء وتطورها. وأبرز الفصل أهم المواسم والأعياد الدمشقية، ثم أوضح أهمية قافلة الحج الشامي وأثرها، ووسائل التسلية واللهو التي كانت في المجتمع الدمشقي، خلال تلك المرحلة.

الفصل الثالث:

أبرز الفصـل الثالث أوضاع الزراعـة والصناعـة في المدينة، من خلال الوثائق، حيث شمل أنواع العملات الأجنبية والعثمانية المتداولة في المدينة.

وشمل أيضاً شرحاً مفصلاً للمحاصيل الزراعية، وعلاقة الأجانب بالريف الدمشقي من الفترة المدروسة، ثم أبرز التطورات الصناعية من حيث الواقع الصناعي وعراقة الصناعة الدمشقية وأهميتها، ثم أهم الصناعات وأحوال الصناعة من خلال الوثائق، حيث أعطى البحث صورة واضحة معبرة عن واقع الصناعة الدمشقية التي حاول الغرب خنقها وإضعافها.

تناولنا في هذا الفصل موضوع تجارة دمشق من خلال الوثائق العثمانية والميزان التجاري في فترة الدراسة. ثم أعطيت فكرة عن المحاكم التجارية وتطورها في المدينة، نتيجة كثرة الشركات الأجنبية والتجار الأجانب، وبالتالي، كثرة المشكلات التي احتاجت إلى الحل. ثم التحولات التجارية الدمشقية وقيام شركات وطنية.

وأبرز الفصل أهم الأسواق والخانات الدمشقية، وأهميتها التجارية في تلك المرحلة، وقدّم دراسة موثقة للأسعار ومقدار الفائدة، وتطور المواصلات ووسائل النقل البري والبحري والطرق المعبدة، وأهم مشاريع تمديد السكك الحديدية في تلك المرحلة.

الفصل الرابع:

جاء هذا الفصل مفصلاً ومبرزاً التطـور العمراني لمدينة دمشق في تلك المرحلة، ثم ركـز على أهم ولاة دمشـق العثمانيين في الفترة المدروسة، وأعمالهم العمرانية، ثم تعرض لأهم الدور الدمشقية الكبرى في دمشق، كنموذج لفن العمارة الدمشقي العريق، وتطّرق لموضوع إعادة ترميم الجامع الأموي بعد الحريق الذي أصابه في الفترة المدروسة، بغية المحافظة على النبوغ المعماري الدمشقي، وهي صفحات مجهولة للكثيرين من أبناء دمشق.

الخاتمة:

شملت الخاتمةُ كل ما توصل إليه البحث من جديد، وخلاصة تلك الدراسة الموضوعية الوثائقية التحليلية التي جاءت جديدة كل الجدة، والمعلومات الواردة في البحث، خاصة الوثائق غير المنشورة التي لم يشملها أي بحث في اللغة العربية أو الأجنبية.

الملاحق:

أوضحت الملاحق صور بعض الوثائق الجديدة غير المنشورة، والصور التي توضح النواحي الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية للمدينة في تلك المرحلة. وهي مبرمجة بشكل متسلسل في نهاية البحث.

واجهتنا أثناء تحضير البحث، جملة من الصعوبات، كان أهمها كيفية الوصول إلى المراجع والوثائق التي تغني البحث، مع افتقار مكتبتنا إلى المصادر والمراجع لدراسات اجتماعية واقتصادية وعمرانية خاصة حول مدينة دمشق، موثقة بشكل موضوعي واضح.

وكان مما ساعد على تجاوز ذلك، وجود مركز الوثائق التاريخية في سوق ساروجة في مدينة دمشق، الذي يضم في جوانبه، وثائق مهمة تتحدث عن مدينة دمشق في الفترة العثمانية من كل النواحي، حيث يستطيع الباحث المسلح بكثير من الصبر والأناة والمثابرة، أن يحصل من خلال قراءة الوثائق وتحليلها، على معلومات اقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية مهمة عن المدينة، في فترة الحكم العثماني.

وأغنى البحثَ بالمعلومات الاقتصادية و الاجتماعية، تحليلُ وثائق تجارة دمشق، ووثائق المحاكم الشرعية، وسجلات الأوامر السلطانية.

إن الوثائق رفدت العمل بمعلومات مهمة خدمت البحث بشكل جيد. وأرجو أن يكون إضافة جديدة لم يُسبَقْ إليها من قبل.

وقد وجدنا كل تشجيع ومساعدة من مدير مركز الوثائق والموظفين الآخرين. فشكراً جزيلاً لهم.

وبالنسبة لوثائق البطريركية الأرثوذكسية، فقد وجدنا عدم تعاون من المشرف على المكتبة البطريركية. ونرجو أن تقوم البطريركية بوضع هذه الوثائق بين أيدي الباحثين، لما لها من أهمية تطرق إليها الدكتور عبد الكريم رافق في الكشاف الذي صنف هذه الوثائق الموجودة في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق.

ونرجو أن نكون وفقنا. والله ولي التوفيق.

الفصل الأول

عناصر السكان في دمشق

– تمهيد

1 – فئة الحكام والموظفين .

2 – فئة العلماء ورجال الدين والأشراف .

3 – فئة نظّار الأوقاف ومتوليها.

4 – فئة الأعيان .

5 – فئة العامة (الحرفيون والتجّار والفلاحون) .

6 – الأعراب (مجتمع البادية المجاور لدمشق) .

7 – أهل الذمة :

أ – المسيحيون الدمشقيون .

ب – اليهود الدمشقيون

8 – فئة المستأمنين والمتفرنجين من أهل دمشق (البرجوازية الوسيطة) .

9 – المهاجرون ودورهم في توسع المدينة .

10 – الأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين .

11 – عناصر السكان الأخرى .

12 – المهن العلمية والفنية .

13 – الرعاية الاجتماعية في دمشق (صندوق مال الأيتام)

تمهيد

أثبتت معظم المجريات التاريخية على مرّ العصور مدى المخزون الحضاري للأمة العربية، خاصة مع بدء الصراع للسيطرة على المنطقة العربية، واستمرار الأطماع الأجنبية، على مر العصور، وصولاً إلى فترة السيطرة العثمانية. إن المجتمع العربي عامة، ومجتمع مدينة دمشق خاصة، حافظ على الهوية العربية المميزة ذات السمات الخاصة، حيث لم يتعدَّ التأثير العثماني الطبقة الحاكمة، والقوى المتنفذة من الاقطاعيين وغيرهم، وبقيت إرادة العيش المشترك أساس التفاعل الاجتماعي في مدينة دمشق وغيرها من مدن بلاد الشام والدولة العثمانية. وهذا ما لاحظناه عند دراسة وثائق محاكم دمشق وتحليلها التي أظهرت وجود فئة مهمة من رجال المال والتجار وبعض المثقفين المتنورين، عملتْ دائماً على رأب الصدع، وحل المشكلات التي كانت تعترض مسيرة المجتمع الدمشقي.

وكذلك، حاولت المؤسسة الدينية (رجال الدين والعلماء) دائماً، توحيد أطراف المجتمع معاً وإن لم تكن موفقة في مسعاها، بعض الأحيان.

وقد اهتم سلاطين بني عثمان بمدينة دمشق؛ فقد ذكر ابن كنان في يوميات شامية، أن السلطان محمود أرسل يوصي بدمشق قائلاً: “إنها مالكانتي لا أحد يؤذيها بشيء”. وأوصى بالعدل والعدالة([1]). وهو يقصد بذلك أنّها محببة إليه ويهمه أمرها كثيراً.

ورغم ما ذكرنا من اهتمام السلطنة بالمدينة التاريخية القديمة، فإنها لم تحاول أن تغيِّر في التركيبة الاجتماعية للمدينة العربية، والولايات العربية أيضاً، على وجه العموم، إذ لم يكن يهم الإدارة العثمانية والسلطان، سوى تأمين دخل مادي كبير يدعم أعمالهما الحربية ورفاهية رجال الحكم. وهذا ما جسَّده الولاة العثمانيون في ولاياتهم.

وبالرغم من عدم اهتمام السلطنة العثمانية بتحسين الظروف الحياتية لسكان مدينة دمشق، فقد بقيت حيّة نابضة، تتجدد رغم الظروف الصعبة التي فرضت على السكان، وأدت للتخلف في شتى ميادين الحياة.

إن أوضاع مدينة دمشق تعدّ صورة مصغرة للوضع في سورية عامة، فهي تتمتع بموقع مميز بين مدن ولايات السلطنة العثمانية.

وقد طرأ عليها تغيرات إدارية مستمرة، حيث كانت تضاف إليها بعض الأقضية أو تفصل عنها. ففي عام1285هـ/ 1868 م كان لواء الشام الشريف يضم مدينة دمشق مع نواحي المرج والغوطة وجبل قلمون ووادي بردى ووادي العجم مع ناحية البقاع الشرقي وبعلبك والبقاع الغربي مع راشـيا و حاصبيا.([2])

وفي سنة 1308هـ/ 1891م كان لواء دمشق يشمل أقضية بعلبك والبقاع، ووادي العجم، وقضاء دوما، وجبل قلمون، وقضاء بعلبك، وقضاء حاصبيا، وقضاء راشيا.([3]) وجاء في سجل الحكومة الرسمي لتحرير النفوس عام 1314هـ/1897م أن “عدد سكان ولاية دمشق 201.251 نسمة”([4]). وفي مطلع القرن العشرين، كان تعداد النفوس (300 ألف نسمة([5]))، فالمدينة كانت تنمو بشكل كبير خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد تضاعف عدد سكّانها عدة مرات منذ بداية القرن التاسع عشر حتى نهاية الفترة موضوع البحث، بسبب هجرة أعداد كبيرة من الأرمن وأهل الريف، وكثرة الجنود الأغراب الذين جاؤوا مع العثمانيين، وهجرة كثير من مسلمي البلقان وكريت إلى المدينة(*).

“إن عبد الغني جلبي قوتلي من أهالي الشام المحروسة الذين قدموا من بغداد وسكنوا حي الشاغور”([6]).

وانتشر المصريون في المدينة خاصة في السنانية ومحلة العمارة وباب السريجة والميدان.

وازداد عدد المغاربة في مدينة دمشق بعد وصول عبد القادر الجزائري إليها سنة 1854م. وقد توزعوا في محلة باب السريجة وباب المصلى  والميدان ومأذنة الشحم والشاغور والقنوات والسويقة. وكانت السويقة، تسمى محلة الجزائرلية ([7]).

اعتبرت مدينة دمشق ولاية من الصنف الأول بالنسبة للسلطنة، وتقاضى واليها راتباً شهرياً يعادل (75 ليرة عثمانية). وهو مبلغ لم يَتَقاضَهُ أي متصرف آخر ما عدا متصرف لواء بيروت([8]).

تُعـد الفترة المدروسة من عام 1876م – 1908م، فترة نمو مطّرد للسكان، إذا ما قسنا ذلك بمؤشرات تقليدية. لذلك زاد عدد السكان في مدينة دمشق وغيرها من مدن سورية، بسبب تحسن الأمن والتغذية والصحة قليلاً آخر الفترة العثمانية.

وقد عاش في مدينة دمشق طوائف دينية متعددة متنوعة، لذلك عمدت السلطنة العثمانية إلى تنظيم شؤون هذه الطوائف الدينية غير الإسلامية، منذ عهد السلطان العثماني محمد الفاتح، (من عام1458م-1481م) الذي وضع قانون الفاتح وفيه نظام الملل (المليات) الذي يقضي” بأن ينتخب رؤساء الدين من قبل أفراد الملة، على أن يقترن تعيين البطريرك أو الأسقف بصدور البراءة السلطانية ومنح رؤساء الطوائف حق رعاية أتباعهم في الشؤون العامّة أو الشخصية” ([9]).

إن ظاهرة الدين الذي أُوحي به في بلادنا العربية(المشرق العربي وخاصة جزيرة العرب) تُعتبر ظاهرة ذات شأن راقٍ في الشؤون النفسية والعقلية. وهو ظاهرة المجتمع الراقي([10]).

آمن أهل دمشق بالأديان السماوية التوحيدية التي تؤمن بالله واليوم الآخر. فالإسلام، على المذهب السني الحنفي، كان مذهب السلطنة الرسمي. إضافة لمذاهب إسلامية أخرى كالشيعة الجعفرية والإسماعيلية والدروز الموحدين والعلويين، وهناك المسيحية الشرقية من روم أرثوذكس، وسريان، وآشوريين، وموارنة. وفي القرن التاسع عشر، عمّتْ الدسائس الأجنبية بسبب الامتيازات التي منحتها السلطنة العثمانية للدول الغربية التي سمحت لنفسها بالتدخل في أخطر أمور الدولة، ألا وهو التبشير فيها بمذاهب جديدة غربية، خاصة في أوساط الطوائف الشرقية الآنفة الذكر، فأصبح لدينا “روم كاثوليك، أرمن كاثوليك، موارنة, لاتين، كلدان، (أنجيليّون بروتستانت)، شهود يهوه(*) بالإضافة للدين الموسوي(اليهودي)”([11]).

إن التقسيم المذهبي المتعدد لأبناء الوطن الواحد، من قبل المبشرين الأجانب، أساء لمسيحيّي المشرق وكان سبباً للتناحر والتباغض بين أبناء الملة الواحدة، والأمة الواحدة خاصة عندما أخذت كل دولة أوربية تعمل على تقريب وحماية طائفة معينة، وتغذية روح العداء تجاه الآخرين من أبناء الوطن، مسلمين ومسيحيين.

وبالرغم من كل شيء، فإن كل مواطن في تلك المرحلة كان يتمتع بلقب عثماني من تبعة الدولة العلية، مهما كان المذهب أو الدين الذي انتمى إليه، ما عدا (الحمايات) البراءتلية الذين كانوا من تبعة الدول الأجنبية (وسنذكر ذلك في حينه). نقرأ في إحدى الوثائق:

” الخواجه نقولا القاضي من تبعة الدولة العلية العثمانية. مقيم بالشام([12])”.

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“حسين أفندي مهايني من أصحاب الأملاك، من تبعة الدولة العلية، مقيم بالشام([13])”.

ونقرأ في أخرى:

“ماير أفندي لزبونا من تبعة دولة أوستريا والمجر، مقيم بالشام([14])”.

وما هو جدير بالذكر أن الدولة العثمانية قد أعطت لنفسها حق الموافقة أو الرفض على انتخاب بطريرك الأرثوذكس, والأرمن, وحاخام اليهود، لتضمن لنفسها ولو نظرياً، ولاء رؤساء الطوائف غير الإسلامية، حيث نقرأ في إحدى وثائق المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية في مدينة دمشق ما يلي:

“يشكر البطريرك بعد أن وصلته البراءة السلطانية بمطرانيته، ويعلمه أنه سيقدمها للوالي، وأنه سيحضر لائحة بموجودات المطرانية”([15]).

شعرت السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر بخطورة التمييز بالمعاملة على أساس الدين، بين أبناء الوطن الواحد الذي أفسح المجال واسعاً للتدخل الأجنبي في شؤونها الداخلية، وبالتالي لانهيار الإمبراطورية العثمانية، فطبَّقت المساواة في المعاملة بين رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وضمنت لرؤساء الطوائف المسيحية قدراً جيداً من الاحترام، فأصدرت قانون تشكيل الولايات عام1281هـ/1864م. حيث منحت بموجبه الطوائف غير الإسلامية، حق التمثيل في مجالس دعاوى الأقضية.([16])

وعدَّ المؤرخون أن أهم حدث طرأ على حياة الكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية في أواخر القرن التاسع عشر، هو عودة البطاركة العرب إلى استلام مسؤولية الكرسي الأنطاكي، حيث تم عزل البطريرك (اليوناني اسبيريدون) وانتخب مطران عربي هو(ملاتيوس الدوماني) بطريركاً على إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس عام 1316هـ/1894م([17]).

لقد سبق هذه الخطوة من قبل السلطنة، مبادرة مهمة ألا وهي اعتبار المسيحيين في السلطنة يتمتعون بالحقوق والواجبات ذاتها. ففي إعلان خط همايون لعام 1273هـ، 1856م، وأكثر ما ورد في هذا المنشور يتعلق بحقوق الطوائف غير الإسلامية ومصالحها حيث دعت السلطنة العثمانية الملل أن تطلق إصلاحاً من خلال مؤسساتها الدينية([18]).

وغيّر العثمانيون في القرن التاسع عشر من تنظيماتهم التي تخص رعاياهم. نتيجة الهزيمة في حرب القرم 1854م-1856م، وتدخل دول الغرب الأوروبي لتحصل السلطنة مقابل ذلك على مطالب سياسية محددة، أو لتظهر لأوروبا أنها تستطيع حماية مواطنيها دون تدخل منها. فقد أصدرت السلطنة الخط السلطاني الهمايوني ثم القانون الأساسي الذي انتخب على أساسه، أول مجلس مبعوثان (نواب) في بداية حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وأعيد تنظيم مجلس الأحكام العدلية وصدر أمر سلطاني برفع الجزية عن غير المسلمين(أيار1855م) ومنحهم حق حمل السلاح والخدمة العسكرية.

وظهر الاهتمام بتأليف المجالس الإدارية والقضائية في مركز الولايات والألوية والأقضية التي تألفت منها ولاية دمشق وغيرها من مدن ولايات السلطنة، وكان أعضاء المجالس، نصفهم مسلم والنصف الآخر غير مسلم. وتبين لنا الوثيقة التالية ما نرمي إليه:

“عزتلو(*) ميخائيل أفندي أحد أعضاء مجلس إدارة ولاية سورية الجليلـة حالاً([19])”. كانت الخدمة(**) العسكرية مثلاً منحصرة بالمسلمين، لا يشترك فيها المسيحي” مقابل دفع ضريبة محددة سنوياً مما يعادل خمس ليرات عثمانية ذهبية عن كل ذكر، ويُعفى منها ابن الـ16 من العمر ومن فوق السبعين”([20]).

وكان أهـل الذمة يدفعون الجزية التي كانت تجبى منذ عهد الدولة الإسلامية، وعقب انسحاب الجيش المصري من بلاد الشام عام 1840م. ألغى العثمانيون هذه الضريبة واستبدلوها بالإعانة: “جميع الذكور يدفعونها بغض النظر عن الديانة”.

“دفع أحد التجار في مدينة دمشق 500 غرش إعانة عن نفسه و(100 غرش) إعانة عن كل مملوك من مماليكه وكل عبد من عبيده([21])”.

وكان يتولى جمع الجزية ديوان خاص يسمى ” ديوان الجوالي”. كانت الجزية بحدود ثلاثة: أعلى وأوسط وأدنى، وألغي ديوان الجوالي، حيث ذكرت وثائق الأوامر السلطانية التي تصدر عن السلطنة إلى قضاة مراكز الولايات، أن السلطنة قسمت أهل الذمة من حيث دفع الجزية إلى ثلاث فئات حسب أحوالهم المادية، وكانت في السنوات التالية كما يلي في النصف الأول من القرن التاسع عشر:

عام 1804 1829 1834
أعلى 12غرشاً 48غرشاً 60غرشاً
أوسط 6غرةش 24غرشاً 36غرشاً
أدنى 3غروش 12غرشاً 15غرشاً

كما نلاحظ من الجدول، فإن مقدار الضريبة تزايد من بداية القرن حتى أواسطه([22])، بسبب التحسن الاقتصادي النسبي وتغير قيمة العملة المحلية. وتحول الغرب نحو ممتلكات السلطنة واستثمارها اقتصادياً، وجعلها سوقاً لتصريف البضائع الأجنبية.

أُرسلت الفرمانات بشكل مستمر، حول تحديد الضرائب ومقدارها وكيفية دفعها وأهمية عدم استغلال دافعي الضرائب من قبل التحصلدار، وطلب الدقة والتدقيق في ذلك، حيث يذكر الأمر السلطاني ذلك بعبارات صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض:

“من القسطنطينية إلى فضيلة قاضي دمشق زيدت فضائله، مدير إدارة الجزية في دمشق: في حال وصول المرسوم هذا، نحاط علماً أن في بلدنا المحروسة نصارى ويهوداً وعجماً لم تفرض عليهم جزية رغم أنهم مواطنون مقيمون. لذلك يقتضي فرض الجزية على هؤلاء أسوة بسائر المواطنين وتحصيلها منهم حسب الأصول. ولتأمين تحصيل الجزية من المواطنين يجب إعطاء كل من دفع الجزية وصلاً بها يتضمن اسم المنطقة المدفوع بها الجزية وتوقيع المسؤول. وكل عمل يهمل هذه النواحي يتحمل مسؤوليته وإننا سنتحقق من التقيد به”([23]).

عبد الحميد الثاني -م3

إنَّ نص الأمر السلطاني السابق ذكره يدل على أنَّ السلطنة نظمت طريقة جباية الجزية من قبل أهل الذمة والأعاجم والمعتبرين مواطنين عثمانيين. وقد أعطى الأمر السلطاني التوجيهات بضرورة إعطاء وصل حتى لا يحدث تلاعب في عملية الدفع وجمع الأموال، وللتأكيد على تحمل المسؤولية والتحقيق والتقيد والدقة في ذلك.

كما جاء في الأمر السلطاني، التالي: “إنَّ بطريق الأرمن في القدس طلب بمعروضه المقدم للسلطنة، المساعدة على تحصيل واردات ألف وخمسمائة محضر(عقار) كائنة في قضاء دمشق بعد أخذ ما للدولة من حصة ورسوم”([24]).

كما نلاحظ، فقد قرَّبت الإدارة العثمانية رجال الدين المسلمين والمسيحيين منها، وعملت على كسب ودهم، ونظَّمت الأوقاف لدى الطرفين بإشرافها، وساعدت في حل كثير من المشكلات التي كانت تعترض تحصيل واردات الأوقاف أحياناً، حتى لا تثير الاحتجاجات والثورات من الأقليات خاصة، لأن الغرب كان يتربص بالسلطنة ومواردها.

عناصر السكان في دمشق:

1 – فئة الحكام والموظفين:

تألف مجتمع مدينة دمشق، في مرحلة الدراسة، من الهيئة الحاكمة والمحكومين. وضمَّت الهيئة الحاكمة في المدينة الوالي وهو الرئيس الأعلى في دمشق، والدفتردار والكاخيا، والمتسلم، والصوباشي، وضباط الجيش، وأصناف الجند، وموظفي الحكومة.

– موظفو الحكومة(*):

عُـدّت الوظيفة صنعة مثل أي صنعة أخرى. فالتمرين يعطي نتائج أكثر من حملة الشهادات العليا، إذْ كان معظم موظفي الحكومة يؤهَّلون في العاصمة استانبول في دوائر الحكومة، وكانت رتب الموظفين من ثلاثة أنواع: ملكية، وعسكرية، وعلمية تعطى بفرمان سلطاني. وتغدق الألقاب على الموظفين العثمانيين من العاصمة استانبول. وكان معظم الناس يرغبون بالرتب الفخرية التي لا راتب لها، حتى لقد وجد سماسرة يتوسطون بين طالب اللقب وبين العاصمة لشراء اللقب بالمال، وكان أهل دمشق يبتعدون حتى عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عن وظائف الحكومة. وبعضهم لا يستطيع دخول مجال الوظيفة لعدم تعلمه لسان الدولة الرسمي(التركية). ولكن بعد عهد التنظيمات، فتح باب التوظيف لجميع أهل البلاد، على اختلاف انتماءاتهم المذهبية، وفي أولها التجنيد([25]).

وبصدور قانون التنظيمات القضائية في فترة التنظيمات أيام السلطان عبد الحميد الثاني، استلم كثير من المسيحيين مراكز قضائية مهمة في مدينة دمشق حيث ذُكر اسم ” ميخائيل أفندي أحد أعضاء محكمة استئناف الحقوق بولاية سورية الجليلة، ابن صيدح، ومن طائفة الروم الأرثوذكس، ومن تبعة الدولة العلية”([26]). وائتمنت الإدارة العثمانية في مدينة دمشق، على أموال صندوق الولاية، بعض هؤلاء النصارى.

والملاحظ أن معظم من شغل وظائف حكومية مهمة، كانوا من طائفة الروم الأرثوذكس الشرقيين، حيث نقرأ في إحدى الوثائق اسم الموظف عزتلو جبران أمين صندوق مال ولاية سورية، ابن اسبر الحمصي من طائفة الروم الأرثوذكس ومن أهالي دمشق الشام، ومن تبعة الدولة العلية العثمانية([27])”.

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“… البير هبش وهيلان هبش. فالأول مدير ثاني البنك العثماني ومن تبعية الدولة العلية. وكان بطرس بطرس قاضياً من طائفة الموارنة الكاثوليك، ووكيلهما شقيقهما المقيم في الآستانة العلية برنجي(*) ترجمان سفارة دولة بلجيكية لينوب عنهما”([28]).

لقد بيَّنت لنا هذه الوثيقة أن مدير البنك العثماني، وقاضٍ وموظف ترجمان مميز في سفارة بلجيكية بالآستانة، هم من المسيحيين. وأرسلت السلطنة الأوامر السلطانية ومنحت البراءات لتسلم المناصب والوظائف الحكومية التي رغب بها أهل دمشق في تلك المرحلة، كما يتبيَّن لنا في الأمر السلطاني التالي:

“يوجد مكتب للمعلمين المتوظفين. فيرجى توجيه المذكور عبد المحسن أفنـدي والإنعـام عليه بالبراءة، إحسـاناً من المقام ملتمسين ذلك بعد إعلام مقامكم”([29]).

وتبيَّن لنا في وثيقة أخرى أنَّ من أعضاء محكمة استئناف حقوق ولاية سورية، عزتلو ميخائيل جرجس، وولده وصفي أمين صندوق ولاية سورية من طائفة الروم الأرثوذكس ومن تبعية الدولة العلية”([30]).

ووجدنا في وثيقة أخرى أن “عزتلو ميخائيل أفندي كان عضواً في مجلس إدارة ولاية سورية الجليلة”([31]).

وهكذا كما لا حظنا سابقاً فإنَّ الوظائف الحكومية العامة في الإدارة العثمانية، لم تكن حكراً على فئة معينة أو منحصرة بطائفة معينة من المواطنين أو المتخرجين من مدارس الحكومة وحدهم، بل حصل عليها كل من له حظوة من الدمشقيين، وثبتت مقدرته الوظيفية، على اختلاف مذاهب السكان ومواهبهم وكفاءاتهم العلمية والتدريبية. كما توضح ذلك السالنامات(**) التي صدرت في الفترة المدروسة.

“إنَّ الموظف كان أميناً على مستقبله وارتقائه بنسبة استعداده واقتداره، وعلى راتب التقاعد الذي يستحقه في شيخوخته ويخصَّص لأهله من بعده. وهكذا أصبح كثير من نخبة القوم يتسابقون إلى الوظيفة التي عُدَّت من المهن الشريفة التي تجمع بين خدمة الوطن ورفاهية العيش معاً، ويفضِّلونها على غيرها([32]).

لم يُتَّبعْ في الوظيفة، الأصول المتبعة في الدول الأخرى، حيث تحكَّم بالشعب أفراد قلائل، أكثريتهم من الجهلاء أنصاف المتعلمين. ووجدنا أن الولاة الذين نجحوا في حكم ولاياتهم، كانوا قلّة، ذلك أن الوالي إذا لم يكن عالماً بأحوال البلاد فلا يستطيع أن يرعى جميع الناس فيها. لذلك فإنه عند تعيين الوالي مثلاً في مدينة دمشق، يلجأ إلى مصادقة بعض الزعماء والأهالي، وغالباً لا يكون هؤلاء سوى بعض المتزلفين والجهلاء الذين يستغلون الناس، ولهم أعوان (وجوه البلد) يحركون الشعب بتقديم الرشاوى. وإذا لم يسيطروا على الوالي، يبدؤون بالدس عليه ودفع الأهالي للشكوى منه.

وقد تخرج عدد من الشبان الدمشقيين من المدرسة الملكية في الآستانة، وعادوا إلى دمشق ليتمرنوا في دواوين الدولة. وعرفوا بإخلاصهم للدولة وحبِّهم للعربية. “وكانوا يتقلدون الوظائف بحسب المسلك الذي اختاروه، عند دخولهم المدرسة، ثم يتدرجون في مراتب الدولة ومناصبها، حيث بلغ منهم المشير والوزير والفريق وصدور العلماء، وقضاة استانبول والحرمين، وما يعادلها من المراتب الملكية وصار منهم النظار والولاة ورجال المابين(*) السلطاني”([33]).

2 – فئة العلماء ورجال الدين والأشراف:

احتفظت مدينة دمشق، عبر الأزمنة والعصور، بتقاليدها القديمة، وعُرفت بكثرة علمائها ومشايخها. وقد وجد في دمشق علماء من رجال التدريس والتعليم ممن يؤدون الوظائف العلمية، “منهم الشيخ سليم كبير آل بيت العطار الذي ألقى دروسه في جامع السليمانية”([34]).

وكان على الشيخ، التدريس في المسجد في الأشهر الثلاثة المباركة (رجب وشعبان ورمضان)([35]). ويجلس لسماع الدروس، المشايخ الكبار وأصحاب الوجاهة. وكانت المجالس حافلة متنوعة تراعى فيها حرمة الحديث. “ومنهم الشيخ محمد الطنطاوي المصري الأزهري عالم الشام، وكان له اليد الطولى في علوم الآلات وعلم الفلك والميقات”.

وكذلك، الشيخ عبد الجواد القاياتي الذي استقبله، في رحلته إلى الشام في مدينة دمشق أبو خليل القباني صاحب الكميدا والتشخيص بالشام ومصر. ومنهم أبو أحمد الجراح المشهور بفن الجراحة في الشام([36]).

وعاش العلماء والمشايخ، في معظم الأوقات، في المساجد، حيث تعقد فيها حلقات العلم، ويجلس كل منهم وسط إحدى الحلقات فيلقي درساً على تلاميذه المداومين على سماعه، من طبقة الوجهاء وغيرهم. مثل الجامع الأموي وغيره من جوامع دمشق العريقة.

وقد استطاع الشبان الدمشقيون المثقفون في تلك المرحلة، ولا سيّما المستنيرون منهم الذين قادوا حركة النهضة في الفترة المدروسة بعد أن شعروا بضرورة التقدم أن يوجهوا انتقادهم إلى فئة العلماء، بعد أن ضعفت الحياة العلمية في أوساط هؤلاء العلماء، حيث انْتُقد جهل الفقهاء والقضاة ” بقلّة معرفتهم، وأنَّ الأحفاد ضعفوا عن اللحاق بالأجداد، في العلم والفقه وليس لهم من العلم إلا زيه”([37]).

وكان الكثير من العلماء لا يحضُّ التلاميذ على المطالعة.. بل يحثهم على ترك القراءة لأنهم هم أنفسهم لا يرغبون في القراءة والاستزادة من العلم، ” وإنَّ قيامهم إن هو إلا قيام على العلم وليس مسحة دين يغارون عليه ولا سياسة يدافعون عنها. وإنما هي تقاليد ورثوها يودون الاحتفاظ بها. فإذا سقطوا من الأنظار لا تعود لهم مزية ولا مجد يرفع من أقدارهم”([38]).

وبالمقابل وُجد كثير من العلماء والمشايخ الزهاد (المتصوفة) الذين لبسوا الصوف على الصفاء والنقاء، وحافظوا على أرواح الناس وحقوقهم، وأبعدوا عنهم الشرَّ والأشرار، فكانوا يوجّهونهم إلى دروس العبادة والخوف من غضب الله، ليبتعدوا عن إيقاع الأذى بالناس في أجواء الفوضى السائدة بينهم. وما يؤخذ على الدولة العثمانية رعايتها للتصوف، وتقريب السلطان عبد الحميد الثاني لهم مثل أبو الهدى الصيادي شيخ مشايخ الطرق الصوفية وصاحب الحظوة لدى عبد الحميد الثاني.

وقد كثرت الطرق الصوفية المعروفة بزهد علمائها وكرامة مؤسسيها واتباع النهج السليم في حدود الشريعة الإسلامية السمحة، منها الطريقة النقشبندية، حيث كان لصاحبها مقبرة تعدّ من المقامات المقدسة في مدينة دمشق كمقبرة الشيخ خالد في قاسيون، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“إلى والي ولاية دمشق الشام المحروسة، لإعطاء براءة للوقف لخدمة مقبرة الشيخ خالد النقشبندي إلى أحفاده بعد وفاة جدهم عمر النقشبندي.”([39]).

وقد أنشأ والي دمشق المرحوم مراد باشا تكية للطريقة النقشبندية*، هي اليوم جامع النقشبندية في حي السويقة بدمشق. وكان شيخها في فترتنا الدراسية، الشيخ محمد أفندي الخاني. وكذلك فقد هاجر الشيخ خالد من بلاد الأكراد في العراق إلى دمشق، وكان يقيم ويدرس في جامع العدَّاس بالقنوات. وقد توفي عام 1244هـ، 1827م وأوصى بدفنه في قاسيون، في التربة المعروفة باسمه اليوم. وخلفه بعد وفاته الشيخ (أفندي الخاني). وبعد وفاة هذا الأخير، أخذ ولده عبد المجيد أفندي أصول هذه الطريقة خلفاً له، بعد بلوغه سن الخامسة والخمسين من عمره، بموجب هويته العثمانية.

ونقرأ في الأمر السلطاني، تأكيداً على ما يتمتع به ابن الشيخ من علم وصلاح بصفته من خلفاء التكية المشار إليها وطريقتها المتبعة الظاهرة لدى المؤمنين. وأنه لهذه الصفات، يمكن العهدة إليه بمشيخة التكية([40]).

وقد ورد في البراءة العالية، تخصيص راتب أو معاش من جانب مالية الخزينة للمذكور. وهذا إن دلَّ على شيء، فهو يدل على مدى وعي الناس والاهتمام بأهمية من يُعلِّم الناس أصول الدين ويوجههم.

وكان ينفق على هذه الطرق، من الأموال التي تدرّها الأوقاف الواسعة التي كانت موقوفة عليها وعلى غيرها. وكان شيوخ هذه الطرق على درجة عالية من العلم والمعرفة. وهم من العلماء الأفاضل حيث قيل: “العلماء ورثة الأنبياء”.

وفي إحدى الوثائق نلاحظ أنه يوجد “جرد حافل لمقتنيات من الكتب الثمينة التي ضمتها مكتبة شيخ الطريقة السعدية(*) الجباوية التي وصلت إليه بالإرث الشرعي، فهو من إحدى عائلات العلماء والمفكرين”([41]).

وبينت لنا الوثائق الطريقة الشريفة السعدية الجباوية بدمشق الشام، وأن مدافنهم العاطرة ” داخل الجامع الشريف الواقع بفناء قرية جبة”([42]).

وذكر أن الشيخ الجليل الذي كان يدرّس في الجامع الأموي الشريف يعتبر من العلماء الأفاضل، ويورث لأحفاده، إذا كانوا من الأولياء الصالحين ذوي السمعة الطيبة، عمله. وفي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

” حضر حامد أفندي وجدُّه العلامة بكري عطار زاده من أهالي ومعتبري دمشق الشام، وقرر ما يلي: ” إن جدي المشار إليه كان يدرّس درساً عاماً بين العشاءين(**) عدا عن ليلتي الجمعة والثلاثاء في الجامع الأموي الشريف الكبير بدمشق. ففي الشتاء في المحراب الشافعي داخل الحرم، وفي فصل الصيف في ساحة الجامع المذكور، عند العمود المعروف بالمشعل الواقع بين قبة الساعات والبحرة، وذلك منذ خمس عشرة سنة لحين وفاته.

وإني بعد وفاته باشرت هذه الوظيفة، وصرت أدّرس الدّرس المذكور بنفسي بين العشاءين، في المحراب. وعليه ألتمس تقريري بهذه الوظيفة كما كان جدي. فأذن له”([43]). وذُكرت الطريقة الدندراوية، والبدوية، والرشيدية، والقادرية([44]).

وتقلَّد بعض العلماء عدة مناصب في وقت واحد، مثل الشيخ الجليل محي الدين أبي الشامات حيث نقرأ في إحدى الوثائق التّالي:

” تمَّ تعيينه في وظيفة الخطابة في التكية الشاذلية(*) الشهيرة بالبلطة جيه الكائنة بالقنوات”([45]).

ونقرأ في الوثيقة التالية: ” تمّ تعْيينه في وظيفة الإمامة في مسجد التكية الشاذلية الشهيرة بالقنوات، نظراً لاقتداره وأهليته على أداء هذه الوظيفة، ونظراً لتحقق أهليته وولايته”([46]). وفي الوثيقة التالية نقرأ:([47]) ” يُعيَّنُ في وظيفة التدريس في التكية المذكورة بالقنوات بالعلوم النقلية والعقلية وذلك حسبة(**) لوجه الله تعالى، تقريراً وإذناً شرعيين مقبولين”. وقد قرأنا في إحدى الوثائق عن عدد من علماء دمشق وأشرافها في تلك الفترة الذين اجتمعوا وأكدوا على سُنّية التابعي الجليل ابن الإمام الصحابي أبي أيوب الأنصاري الخزرجي البخاري رضي الله عنه، وعن كافة أصحاب رسول الله، حيث كان منهم صاحب الطريقة السعدية بدمشق المحمية أمين السعدي، ومحمد القوتلي والعلامة طاهر أفندي مفتي دمشق الشام سابقاً”([48]).

هذه الطرق والمؤسسات الدينية التي كانت لا تحيد في بداية أمرها وعهد شيوخها الأوائل، عن الشريعة الإسلامية قيد أنملة، عبث العابثون بها وتدخَّل الجهلاء فيما بعد في شؤونها، مما أدى إلى استفحال الأمر والتمادي في الغوص في البدع على مر الزمان، حيث ظهر منهم بعض الشيوخ الجهلة الذين لا يعرفون من أمر الدين إلا القليل، فابتدعوا للناس طقوساً ومراسم ليست من الدين في شيء.

“إلا أنَّ هذه الطرق قد تضاءلت، أوائل القرن العشرين، بانتشار العلم وكثرة المتعلمين، فلم يعد ثمة حاجة للرجوع والاعتماد على شخص أو أشخاص ليسوا كشيوخهم علماً ومعرفة، وإنما هم جهلاء مقلدون قد ضلُّوا سبيل شيوخهم وأفاضل علمائهم”([49]) وقد تحدَّث المعاصرون لتلك الحقبة عن حفلات الأذكار التي كانت تقام في أواسط طبقة المشايخ التي اقتصرت على المدائح النبوية المترافقة مع حركات إيقاعية، في مقدمها حفلات خاصة لدراويش المولوية، حيث كان يحضرها الوجهاء والرسميون والسّـيّاح خاصة([50]).

كما كان يقوم أصحاب الطرق ومؤيدوهم بزيارات خاصة لبعض الأضرحة المعروفة والأحياء والقرى المجاورة، ويسيرون باتجاه برزة حيث الكهف المعروف باسم مقام إبراهيم الخليل في يوم خميس يدعى خميس المشايخ. ونظراً لحدوث بعض الحوادث الدامية، فقد أعلنت الحكومة العثمانية منعها.

3 – فئة نظَّار الأوقاف ومتوليها(*).

كانت الأوقاف في دمشق وما يتبعها كثيرة جداً ومتنوعة، وكان الواقف يشترط شروطاً معينة من أهمها أن يكون هو الناظر على وقفه ثم أولاده وذريته من بعده.

ولم يكن القاضي أو الوالي يجرؤ على تعيين ناظر غريب عن الوقف، بل كان الجميع يلتزمون بشرط الواقف. وهذا في الأوقاف الذرية.

أما في الأوقاف الخيرية، كالوقف على الحرمين الشريفين أو الجامع الأموي أو مدارس العلم وسواها، فإن القاضي كان يعيِّن ناظر الوقف مؤقتاً ويرسل إلى العاصمة لتثبيت هذا التعيين الذي يكون في الغالب وراثياً. وكانت مهمة الناظر جباية الأموال وتوزيعها على المستحقين وأصحاب الرواتب الشرعية من المدرسين والفراشين والحراس ومن إليهم([51]).

ففي العصر العثماني، استمرت فئة نظّار الأوقاف فاعلة في مدينة دمشق لسبب مهم جداً وهو أن الأوقاف(*) لا تُصادر ولا يُعزل نُظَّارها بعد عزل الوالي أو قتله. ومثال على ذلك ما حلَّ بالولاة من آل العظم، مثل إسماعيل باشا وأخيه سليمان باشا، وأسعد باشا العظم. وجميعهم صودرت أموالهم بعد وفاتهم. ولولا الوقف، لَمَا رأينا اليوم هذه الآثار العثمانية الجميلة مثل قصر العظم، خان سليمان باشا، حمام الملكة، خان أسعد باشا..إلى آخره.

أما الوقف فقد قسم إلى ثلاثة أنواع: خيري وأهلي ومشترك.

1- الخيري: هو وقف ديني محض كالحبس على المساجد والمعابد ومدارس العلم ورباطات المجاهدين وفنادق أبناء السبيل ومستشفيات المرضى ومقابر الموتى، ونحو ذلك..

2- الوقف الأهلي: هو معروف ويدعى بالوقف الذرّي. وقد ألغي في سورية عام 1949م.

3- الوقف المشترك: هو الذي يبدأ بالوقف الذري وينتهي بالخيري، وفيه يذكر الواقف أنه إذا انقرضت ذريته وذرية أقربائه يعود هذا الوقف لصالح الحرمين أو الجامع الأموي. فإذا تعذر ذلك، فعلى فقراء المسلمين بدمشق.

ونادراً ما كانت تنقرض الذرّية. وبالتالي يكون الوقف الخيري المذكور عديم الفائدة.

ومن أمثلة الوقف المشترك الأخرى، أن يكون الوقف على الذرّية. ويشترط الواقف أيضاً أن يخرج كل عام من ريع الوقف مبلغ من المال يصرف في وجوه الخير ويُهدى ثوابه للواقف. وسوف نرى نماذج عملية عديدة من هذه الأوقاف الثلاثة.

وقد ذكر في إحدى الوثائق “أنَّ محمد مردم بك من محلة باب البريد التابعة لثُمن العمارة، ادَّعى على محمد سليم أمين بيت المال المعمور ابن السكر، أن المدعي وأشقاءه الثلاثة وأخاهم لأبيهم يستحقون مبلغاً وقدره (27000 غرش) صاغ الميري سنوياً من صندوق الخزينة العامرة، عن الحصة وقدرها الربع ستة قراريط من أصل 24 قيراطاً(*) من إيراد وقف جدهم المرحوم والمضبوط لجهة الخزينة العامرة وهم متصرفون بقبض ذلك سوية بينهم أخماساً على الفريضة الشرعية”([52])

وكان يُعيَّنُ لكل وقف ناظرٌ وهو المسؤول عن الوقف ويساعده متولي الوقف سواء كان خيرياً أو وقفاً ذرياً.

ويعيَّن الناظر حسب شرط الواقف، ببراءة سلطانية أو بأمر من القاضي العام في محكمة الباب. وكان الناظر يقدِّم دفاتر الحسابات كل سنة إلى القاضي لمراجعتها وتصديقها، في الأوقاف الاسلامية والمسيحية.

نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“عُيِّن ميخائيل صيدح بالوكالة عن صاحب الرتبة بطريرك إنطاكية للروم الأرثوذكس المتولي على أوقاف الروم الأرثوذكس بدمشق الشام، بموجب البراءة السلطانية بتاريخ 1309هـ/1892م”.([53])

وقد اعتاد كبار موظفي الدولة أن يعينوا نظاراً للإشراف على أوقافهم، ومُنح هؤلاء النظار حق الإشراف على أعمال المتولين، وتُرك لهم أمر تعيين خلفائهم من بعدهم.

وكان بعض الناس يتطوعون للعمل مجاناً في الوقف، وهو ما كان يُعرف بالحسبة، وذلك عندما يكون الوقف فقيراً، أو يكون وسيلة من الناظر للإقامة مجّاناً في أملاك الوقف، بوصفه ناظراً عليه.

ونقرأ في إحدى الوثائق التالي: “…عيِّن في وظيفة النظر على وقف جدهما مصطفى بن طورش جاويش، وفي وظيفة التربدارية والبوابة بتربة مقام الملك العادل صلاح الدين الكائنة داخل مدرسة الكلاسة، شمالي الجامع الأموي الشريف، وفي النظارة الحسبيّة على وقف صلاح الدين المشار إليه، وفي النظارة الحسبيّة على وقف الحايك  ومحمد شيبان”([54])

ولما بدأ الفساد يتسرب إلى الأوقاف العامة، بسبب تلاعب النظّار والمتولين، عندما تولى الإشراف عليها أشخاص غير أكفاء، قامت الدولة بعملين كان الهدف منهما وضع حد لفساد الأوقاف، بمنع بيع أراضي الأوقاف إلا بموافقة السلطان أو من يمثله أولاً، وثانياً محاولة الإشراف المباشر على الأوقاف، وذلك بفحص حساباتها كلَّ سنة في مركز الولاية، وإرسال نسخة من إيرادات ونفقات كل وقف إلى الآستانة. كما كان في ولايات بلاد الشام، إدارة مركزية للأوقاف مهمتها تعيين مفتش الأوقاف وتوزيع ريعها على المنتفعين.([55])

ولكن استشراء الفساد في إدارة الأوقاف حال دون تطبيق النظام، حيث كانت الأسر الغنية و المتنفذة هي التي تتولى الإشراف على الأوقاف العثمانية. والتنافس كان كبيراً في الإشراف على الأوقاف الكبرى([56]).

ومما زاد الأمر سوءاً، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، هو إهمال النظّار مباشرة سلطتهم، فانصرف مدير الأوقاف إلى اختلاس أموالها “ومحاولة تحويـل أملاك الوقف إلى أمـلاك خاصـة عن طريق القوة أو الرشوة أو الخديعة”([57]).

حاولت الدولة في أواخر القرن التاسع عشر، أن تنظم الأوقاف في بلاد الشام، فأرسلت لجنة إلى لواء الكرك عام1315هـ، 1896م من أجل تنظيم جداول الأوقاف في اللواء. وانتظم ديوان أوقاف الشام بعد إعلان الدستور عام1325هـ/1908م بفضل الخطط التي وضعها وزير الأوقاف العربي حمادة باشا، فتناقص النهب والاختلاس. غير أنَّ مدارس البلاد ومساجدها لم تنل نصيباً من زيادة الإيرادات التي كان يذهب معظمها إلى استانبول([58]). وبرغم ما ذكرت المصادر التاريخية حول فساد إدارة الأوقاف، فقد وجدنا في الفترة المدروسة، أن الوثائق تحدَّثت عن أن الاهتمام كان واضحاً بالأوقاف وبمن يعمل فيها ويتولى شأنها، حيث كانت البراءة تُمنح مثلاً للمعلم من قبل السلطان، للتعليم والتدريس في جامع سنان باشا(*)، وهو من الأوقاف المشهورة لمن هو أهل وحاصل على شهادة أهلية التعليم.. حيث نقرأ في إحدى الوثائق أنه ” من الأوقاف الملحقة نظارتها بالشام، وقف المرحوم الوزير سنان باشا المخصص ريعه لتدريس وتعليم أولاد المسلمين واقتصار وجود مكتب للمعلمين المتوظفين، عملاً بشروط الواقف. وبما أن مقدم الطلب عبد المحسن أفندي النابلسي يحمل شهادة أهلية التعليم، فيرجى توجيه المذكور والإنعام عليه بالبراءة إحسانا من المقام..”([59])

والبراءة السلطانية لتولي الأوقاف كانت تشمل الأوقاف الإسلامية والمسيحية، كما توضح الوثيقة التالية:

“اشترى متري صيدح بالوكالة عن صاحب الرتبة ملاتيوس بطريق طائفة الروم الأرثوذكس بالشام الدوماني المتولي على أوقاف الطائفة المذكورة بموجب البراءة الشريفة السلطانية بمال، جهـة وقف السـيدة مريم الكائن في قريـة صيدنايا، وذلك جميع الدار بمحلة العقيبة سوق ساروجة بثمن قدره 33 ذهب ليرة عثمانية”([60]). حتى إن أديرة تقع في جبل لبنان كان لها أوقاف في دمشق حيث نقرأ في إحدى الوثائق أنه “بطريق طائفة الروم الكاثوليك بدمشق ابن الحجار هو متولٍّ شرعي على وقف فقراء رهبان دير المخلّص الكائن في جبل لبنان الكائنة جهات وقفه بمدينة دمشق الشام ومدينة بيروت وجبل لبنان بموجب البراءة السلطانية”([61]).

وهذا دليل على وحدة الشعب الاجتماعية والقومية في هذه المناطق من بلاد الشام.

وقد قام وكلاء الأوقاف الذين نابوا عن حاملي البراءة السلطانية، بالإشراف على الوقف، يؤجرون الوقف ويقبضون الأموال ويصرفونها ويعمرونها ويرمِّمونها عند الحاجة من دخل الوقف.

وكان الواقف أحياناً يضع شروطاً عندما يوقف عقارات أو غيرها. والوثيقة التالية هي صورة لواقفين نصارى من باب شرقي قرب كنيسة حنانيا، توضح ذلك:

“الواقفان هما سركيس بن واهان بن متياس من سكان محلة النصارى، وميخائيل بن الياس الصدي من أهالي قرية صدد، وقد أشهدا على نفسيهما من دون إجبار، أننا وقفنا ما هو جار في ملكنا مناصفة، الآيل لنا بالإرث الشرعي عن زوجة الأول وأخت الثاني، ويشمل جميع الدار الكائنة بزقاق حنانيا قرب باب شرقي التابع لثُمن القيمرية. ويكون النظر والتولية على وقفها لبطرس مطران طائفة السريان القديم بدمشق الشام. وإن تغيَّر، فعلى من يكون مطراناً على الطائفة الموقوف على فقرائها. وإذا لم تنفذ رغبتهما يعاد الوقف لهما..”([62]).

وتدلنا الوثائق أنَّ بعض رجال الدين كانوا يتلاعبون في ريع الأوقاف أو يختلسونه، فقد جاء في إحدى الوثائق ما يلي :

“المحرر ديمتري شحادة القسطنطينية1291هـ/1872م ينتقد اجتماع المطارنة في بيروت. وكان يتمنى لو اجتمعوا في دمشق، ودفعوا البطريرك (ايروتيوس) إلى التنازل عن منصبه، لتعود واردات الأوقاف التي في الخارج إلى الكرسي الإنطاكي، بدلاً من ذهابها إلى جيبه الخاص”([63]).

ونقرأ في الوثائق أنه أوقفت في مدينة دمشق كثير من الأوقاف لصالح الحرمين الشريفين. وكان لها في مدينة دمشق إدارة رسمية تديرها كما نلاحظ في الوثيقة التالية:

“محمد ناهد بك باشكاتب قلم أوقاف الحرمين الشريفين بدمشق، ابن الأستانة لي([64])..”. وكانت أوقافه موزعة في كل مناطق مدينة دمشق في سوق ساروجة والصالحية وغيرها من المناطق الدمشقية. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“بستان الحرمين في أراضي صالحية دمشق الجاري أرضه وماؤه، وكامل غراسه في وقف الحرمين(*) الشريفين..”([65]).

ومن خلال استقراء عدد كبير من الوثائق، تبيَّن لنا أنه كانت في مدينة دمشق، في فترة الدراسة، مجموعة من الأوقاف العامة، ذات النفع العام وأهمها وأقدمها:

أ   – وقف السلطان نور الدين في داريا. وهو كمية كبيرة من القمح كانت توزع سنوياً على الفقراء، بموجب تمسكات(**) شرعية من القاضي.

ب – أوقاف الجذماء في باب شرقي وهو وقف خيري.

جـ- أوقاف المصريين، وهم المماليك الذين عاشوا في مصر بعد سقوط الشام بيد السلطان سليم.

د – أوقاف الحرمين الشريفين، وهي أوسع الأوقاف.

هـ – أوقاف على مدارس دمشق وبيمارستانها والجامع الأموي.

حـ – الأوقاف على منشآت دينية في فلسطين.

وكانت قوانين الوقف الإسلامية، هي التي تطبق على جميع الأوقاف، ولجميع السكان على اختلاف عقائدهم.

وفي إحدى الوثائق نقرأ حول وقف الجذماء وتأجيره لليهود في منطقة الجولان، التالي: ” المستأجر الخواجا هرون مدير مكتب الأليانس الإسرائيلي بدمشق الشام، من طائفة اليهود، ومن تبعة دولة فرنسا بالوكالة الشرعية عن الموسيو ادمون ده روتشليد من تبعة الدولة الفرنساوية المقيم الآن بمدينة باريس.

المؤجر: علي بن صالح العجلوني الساكن في باب شرقي بجنينة الجذما والناظر على وقف الجذما بدمشق الشام.

أجرّ الثاني للأول: جميع بياض وقرار أرض القرية التابعة لقضاء القنيطرة أحد أقضية ولاية سورية وتعرف بقرية كوكب، وجميع بياض وقرار أراضي القرى الكائنة في الجيدور التابع للواء حوران التابع لولاية سورية..”([66]).

وهكذا توجَّه اليهود واستأجروا أوقافاً إسلامية في مناطق سورية لهم فيها أطماع استعمارية محددة، في تلك المرحلة من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حيث كانت الدوائر الاستعمارية الغربية تتآمر مع الصهيونية العالمية للسيطرة على مقدرات وخيرات المشرق العربي بإقامة دولة صهيونية في جنوب بلاد الشام(فلسطين).

4 – فئة الأعيان

الأعيان: هم الوجهاء في المجتمع الدمشقي أو أي مجتمع آخر.

وكان منهم الأشراف ذوو النسب، ومنهم من ليس كذلك. ويتميزون في سجلات المحاكم بالألقاب والألفاظ الطويلة والصفات المثالية التي تُذكر قبل ذكر أسمائهم، مثل: مفخر الأشراف، مفخر الأماثل، وسليل النبوة، وعمدة آل طه وياسين الـخ….

وقد أحرزوا مناصب ورتباً في العهد العثماني، وحافظوا على ألقابهم المتسلسلة من آبائهم وجدودهم([67]). وكان منهم كبار العلماء والرؤساء العريقون في الوجاهة والثراء، والوجاهة من الأشراف وليس من المال وكان منهم فقراء ولكن مكانتهم الاجتماعية كبيرة.

ومن العائلات ذات النسب الشريف التي عاشت في مدينة دمشق، في تلك المرحلة، ولا يزال أحفادها حتى اليوم، نجد البيت الأحمدي أحمد بن علي الرفاعي صاحب الطريقة الرفاعية، وكذلك بنو عجلان، وبنو حمزة، بنو زين العابدين، الحجَّار، بنو نصري، والكيلاني، وبنو الشويكي، بنو تقي الدين، بنو الحسيبي، بنو زند الحديد، بنو الصلاحي، بنو الكزبري، بنو المرتضى.([68])

وتشكل الوجهاء ( الأعيان ) المدنيون من كبار التجار والملاكين ورؤساء الحاميات والزعمات المحلية، وزعماء العسكر والأسر ذات الرصيد السياسي، كآل العظم([69]) حكام دمشق في القرن الثامن عشر، والأسر المشهورة بدمشق وأعمالها، كآل جنبلاط, والشهابي, والأطرش, وغيرهم.

وفي البادية كان أعيان العشيرة شيوخها، حيث تدخل الوراثة والأهلية على السواء في استمرار زعامة الشيخ أو وراثته.

وبحلول النصف الأول من القرن التاسع عشر، أخذت تترسخ سلطة الأغوات لعدة أسباب، حيث سيطروا على تجارة الحبوب والمواشي في حي الميدان وغيره، وأخذوا يحصلون على الالتزامات والمالكانات في حوران، وتحكَّموا بالفلاحين وتجارة المواد الأولية اللازمة لأوروبا في مرحلة التصنيع الحديثة، حيث نقرأ في الوثيقة أنَّ “تاجراً من أصحاب الأملاك مقيماً بالشام ادعى على مجموعة زراع من قرية الرحيبة، بسبب دين مع الفائض، وطالب بالحكم عليهم بدفع الدين مع الفائض الفاحش والمصاريف([70])”.

حصل هؤلاء الأعيان على مراكز مهمة في الجيش والإدارة المحلية والشـرطة، مما وفَّر لهم المال والنفوذ، حيث نقـرأ في إحدى الوثائق مايلي: “ادعى مكرمتلو إبراهيم نابلسي زاده على عارف بن حسن البيطار زاده أمين بيت المال المعمور بدمشق الشام، بأنه الوصي الشرعي على قبض ثلث متروكات ومخلَّفات المرحوم نجيب الدركزلي بالغاً ما بلغ ذلك…”([71])

وضنَّ هؤلاء الأعيان الأغنياء بأموالهم غالباً على الصالح العام، وصرفوها إرضاء لشهواتهم ورفاهيتهم وكانوا من أنصار كل حكومة تسمح لهم بأكل حقوقها وحقوق الضعاف، وتطلق أيديهم في استغلال الفلاحين والسذَّج، وتعاونهم في محاكمها على حل النزاعات معهم بما يتفق مع رغباتهم وتسند إليهم إدارة الإنتاج مالاً وجاهاً، حيث نقرأ في إحدى الوثائق: “أن الأغا التاجر حجز على أغنام لمجموعة زراع من قرية المغاربة الشرقية بموجب دين مقداره (4400 غرش)، وبموجبه يكون له اثنتان وعشرون نعجة مع أولادها وسمنها”([72]). وقد صدر الحكم لصالح الأغا غيابياً، مع فرض الرسوم على الزراع. وقد شكلت هذه الرسوم عبئاً آخر مع الدين، على الفقراء من الفلاحين والمزارعين.

ولقد عاش الأعيان والأغوات في المدن من دون عمل، ولا هَمَّ لهم سوى قبض إيجارات العقارات التي تملَّكوها، وجني أرباح الأراضي بظلم فلاحيها، ونعموا بالحياة الرغيدة مع أسرهم، واقتنى العديد منهم الخدم.

“كانت بيوت الأكابر تعج بالخدم من سود وبيض، خاصة بالمماليك المنتمين إلى الشركس والكُرْج وكانوا يقتنون الجواري على اختلاف ألوانهن. وكان جميع الخدم أميين جهلة، لأنَّ الذوات كانوا يبحثون عن أرخص الخدم أجراً. وكان بعضهم يحسن معاملتهم ويبقيهم في بيوتهم حيث يتزوجون ويصبحون من العائلة. وكانت تربية الأولاد بأيدي الجهلة منهم، وحياة هذه الطبقة حياة بذخ وترف”([73]).

وقد ورث بعض الأعيان من خدمهم الذين أعتقوهم، حيث نقرأ في إحدى الوثائق أنّ “أمينة كريمة المرحوم محمد باشا يوسف زاده، وكلت عنها عبد الوهاب غزي زاده، لبيع وفراغ ما هو جارٍ بملكها وإليها إرثاً شرعياً عن معتوقتيها بحر الزين ونسيم بنتي عبد الله الزنجي بموجب إعلام ثبوت الوراثة، وذلك جميع الدار الكائنة بالصالحية بسوق أبو جرش بزقاق البوابة”([74]).

وتحوَّل كثير من الذين خدموا في الجيش العثماني إلى أعيان وأغنياء استخدموا الخدم في منازلهم، وامتنعوا أحياناً عن دفع مستحقاتهم ومحاولة غصب حقوقهم فقد ادعت ” فاطمة العمر من محلة المهاجرين، على حسن بك بكباشي الدركي المتقاعد والساكن في محلة المهاجرين قبلاً، أنّه كان قد استأجرها بصفة خادمة بأجرة عن كل شهر (ريال مجيدي(*)) وقد تراكم لها في ذمته(60) ريالاً عن خمس سنوات وبالنظر لامتناعه عن الدفع تطلب منه دفع ذلك..”([75]).

وهذا مبلغ قليل مقابل خدمتها. ومع ذلك امتنع عن دفعه لها، وتراكمت الأجرة عليه مدة خمس سنوات.

ويحدثنا البديري الحلاق في حوادث دمشق اليومية عن زواج الأعيان عام1156 هـ/1743م فيقول: “في ربيع الأول، زوَّج فتحي الدفتري ابنته لابن أخيه. وكان فرح عظيم لم يحصل بدمشق نظيره. وكان سبعة أيام وكل يوم خَصَّهُ لجماعة، فاليوم الأول خصّه لحضرة والي دمشق سليمان باشا العظم، واليوم الثاني إلى الموالي والأتراك والأمراء، واليوم الثالث إلى المشايخ والعلماء، واليوم الرابع للتجّار والمتسببين، واليوم الخامس للنصارى واليهود، واليوم السادس للفلاحين, واليوم السابع للمغاني والمومسات وهنّ بنات الخطأ والهوى. وقد تكرم عليهن كرماً زائـداً. وكان قبل الفـرح عمل تهليلة (*) جمع بها جميع مشايخ الطرق”([76]).

هذه العادات لم تتغيَّر كثيراً في الفترة المدروسة، في أثناء حفلات زواج أبناء الأعيان والوجهاء في مدينة دمشق. وقد تزوج بعض الأعيان من خادماتهم وأعتقوهن حيث نقرأ في إحدى الوثائق أن “الحرمة حُسن ملك رقيقة المرحوم يحيى أغا المهايني المتوفى والمستولدة منه بولد اسمه محمد جميل أغا القاصر عن درجة البلوغ، قد أعتقت بموته حسب إقرارها واعترافها”([77]).

وعامل بعض الأعيان الخدم معاملة سيئة حيث مارسوا عليهم عمليات الضرب والاغتصاب الجنسي والمادي والمعنوي. فقد شرحت الوثائق حيثيات بعض هذه الدعاوى حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعت الجارية جميلة السمراء اللون الحبشية بنت عبد(**) الله معتوقة المرحوم نصر العبجي من سكان محلة القيمرية، على الشيخ جبري الوكيل عن ولد معتِق المدعية، وهو السيد أحمد هاشم العبجي، مقررة بدعواها عليه أن سيدي معتقي والد المدعي عليه حال حياته أعتقني، وأوصى لي بمبلغ ألف قرش. وبعد وفاته الواقعة منذ ست سنوات، تردد ورثته في أمر عتقي، وبقيت عندهم. وبهذه الأثناء، منذ سنة ونصف، استفرشني ولد معتقي وواطأني بدون عقد ولا نكاح شرعي. وأثناء الحمل صار يداويني ويسقيني أشربة لأجل الإسقاط فلم أسقط. وبعد مضي خمسة أشهر من الحمل، ضربني وطردني من داره ثم أعطاني ورقة عتقي والألف غرش الموصى لي بها. وبعدها استقمت بدار السيد محمد بيازيد بالقيمرية، ووضعت هـذه البنت.. والآن عمرها ثمانية أشهر. فأطلب نفقـة لها ولي لتربيتها..”([78])

وكانت النتيجة أن رفضت الدعوى لعدم كفاية الشهود الذين يؤكدون أنّ حصول الواقعة هو السبب الأهم وهذا أمر طبيعي. وكذلك، بسبب سكوت المرأة ست سنوات عن حقها.

واغتنى بعض الأعيان كثيراً، وتميَّزت تركاتهم بالثراء وفخامة الأثاث، فقد جاء في إحدى الوثائق عن مقتنيات أحدهم التي أوصى بها في حال وفاته، الوصية الآتي ذكرها: الموصي: حيدر باشا ابن سليمان عبد الله يوصي بثلث ماله بالغاً ما بلغ لتصرف بعد وفاته على أوجه الخير والبر، على حساب التوزيع المشروح ضمن الوصية نامة بتاريخ1301هـ/1882م وأنه لا يملك سوى جميع البستان بالشهداء الكائن بصالحية دمشق وداره التي يسكن بها، وست دكاكين بسوق السادات الذي جدِّد بزمن مدحت باشا([79]) وتسع دكاكين أيضاً في الموقع المذكور، وثلاثين قطعة فضية ومعالق وشوكات وطقم سلاملك فضة وقطعتي أطراف أراكيل فضة وأركيلتين فضة شغل الهند، وثلاث آلاف غرش، وأنَّ العربة والخيل المذكورة ضمن الوصية نامة هي ملكي”([80]). وهذه ثروة في تقدير ذلك الزمن تدل على غنى صاحبها وثرائه.

وكان بعضهم يبذل ماء وجهه ولايخجل من ذلك، في سبيل أخذ رتبة ووسام. وقد يدفع في ذلك الرشاوى والهدايا العظيمة. ويرى البعض أنه لا معنى للعيش من دون شرف السلطان([81]).

وقد حاول كثير من المفكرين وأهل المعرفة، إسداء النصح للحكومة العثمانية وتنبيهها لإنقاذ الأهالي من تسلط هؤلاء الأعيان، وإبعادهم عن السيطرة والعبث بحقوق الشعب وحقوق الدولة، لأن معظم ثروات هؤلاء كانت من مصدرين هما سرقة الدولة وسرقة الأهالي.

وكان الأعيان يخافون المثقفين وأصحاب الفِكر التنويري الذين يعملون على تنبيه الفكر وتفتيح البصائر. وهناك أمثلة كثيرة على محاربة الأعيان لمثل هؤلاء المتعلمين الذين تحدَّوا سيطرتهم، حيث برز كثير من المثقفين المتنورين من رجالات الفكر الذين عملوا على المشروع النهضوي للأمة منذ تلك المرحلة.

إضافة إلى ذلك فإنَّ غياب قوى الأمن ساعد على تمركز السلطات الإجرائية الحكومية بأيدي وجوه وأعيان الأحياء ومختاريها، دفعاً للشرور وجعل الناس يحترمون الحقوق. فكل حي يسهر على راحة أفراده هيئة من وجوهه وأعيانه، وقد كانوا من معتبري الأحياء ووجوههم. ومثالنا على ذلك صاحب دار مركز الوثائق في سوق ساروجة الذي كان نائباً في المبعوثان ووزير الأوقاف وهو والد خالد العظم حيث جاء في إحدى الوثائق بأنه “صاحب السعادة محمد فوزي باشا ابن عظم زاده وأحد ممتازي أعيان ووجوه دمشق الشام ومعتبري تبعة الدولة العلية”([82]).

واقتضى نظام الحي الدمشقي أن يرأسه المختار(الأغا) يساعده الإمام ويدعمهما رجال أقوياء يؤيدهم بعض وجوه وشيوخ وعلماء الحي عند الحاجة. وهذا المجلس هو ممثل الحكومة في إدارة الحي. فإذا كان للحكومة أي مطلب من الحي، من ضرائب أو تجنيد أوشكوى صادرة من إحدى المحاكم، لجأت إلى الأغا وأعيان الحي من أجل ذلك. وقد لعب القبضايات (*) دوراً مهماً في خدمة الحي وأعيانه من باشوات وبكوات وأفندية([83]).

وهكذا نجد أن سلطة الأعيان في مدينة دمشق، قد ترسَّخت في القرن التاسع عشر. وقد ذكرتهم الوثائق والسجلات بكثرة. وهناك وثائق مهمة جداً تغطي أعمالهم ومكانتهم في مدينة دمشق، طول فترة العهد العثماني، وهي تحتاج لأبحاث مستقلة عن بحثنا.

5 – فئة العامة: (الحرفيون والتجار والفلاحون).

تُعّرف العامة بأنها كل أولئك الناس الذين ليس لهم وجود فعلي في السلطة أو دورٌ في تسيير دفة الحكم في مدينة دمشق، وهي تنتشر في المدينة وريفها المجاور لها، وتشمل الصناع والتجار الصغار، وأصحاب المهن، والفلاحين.

تشكلت العامة في المدينة من الجند ذوي الأصول المحلية ثم من الحرفيين والمهنيين، ثم تجار البازار الصغار، ثم الفقراء من العامة وهم أكثرية في المدينة، ثم من الفلاحين في الأرياف و الغوطة وكل من هم ليسوا من الشيوخ في البادية. ويُصنّف التجار عادة مع الخاصة والأعيان، وذلك بسبب الثروات. ولكننا قسمناهم إلى قسمين: كبار مع الخاصة والأعيان، وتجار صغار مع عامة الناس، حيث شكل الكبار فئة مميزة، إذ هي متصلة مع الحكام لكسب حمايتهم، ولها علاقة مع العامة لتحقيق الربح والكسب المادي. وهم أكثر من صنف؛ فمنهم من يتاجر بالسلع المحلية (تجارة داخلية)، ومنهم من اهتم بالتجارة الخارجية، ويعملون لمصالحهم الخاصة أو لمصالح الأجانب (كما سيرد ذكر ذلك لاحقاً في بحث التجارة).

أما الصنَّاع الحرفيون، وهم من ذوي المهن الصناعية، ولهم تدرج في مهنتهم من الأجير إلى شيخ الحرفة، فقد شكّلوا فئة واحدة لتحقيق مصالحهم في هذه المرحلة من نهاية حكم السلطنة العثمانية، في الولايات العربية.

وقد أدَّت الطوائف الحرفية دوراً مهماً في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، في مدينة دمشق، أثناء العهد العثماني. حيث انتظم قسم كبير من السكان في المدينة في الطوائف الحرفية، سواء في مجالات الإنتاج أو الخدمات أو التسويق. وقد ظهر حديثاً، كثير من الجدل حول نشأة الطوائف الحرفية وبنيتها ودورها في التاريخ العربي الإسلامي([84]).

وقد وصلت الطوائف(*) الحرفية في مدينة دمشق، إلى درجة كبيرة من التنظيم إبَّان الحكم العثماني، ولعبت دوراً مهماً في أكثر من مجال. وحين تدفَّقت البضائع الأجنبية بعد الثورة الصناعية الأوروبية إلى المشرق العربي، في القرن التاسع عشر، أثَّرت على البضائع المحلية، حيث عانت من منافستها، الأمر الذي أثر على إضعاف الطوائف الحرفية([85]).

والملاحظ أنه لم تكن هنا استمرارية في أنواع الطوائف، في المدينة حيث انقرض بعضها أو تضاءل شأنه، بقّلة الحاجة إليه. وكمثالٍ عليه نذكر أنه حين انتشر استخدام القوالب في صنع الطواقي (الطرابيش) ظهرت طائفة الطواقية في الربع الأول من القرن الثامن عشر. وبَطلت صناعة طواقي الزربا وطواقي المخمل. كما ازدهرت بعض الطوائف مثل طائفة المهتمين بالتبغ وأنواعه، إثر إباحة التدخين من قبل علاّمة الشام عبد الغني النابلسي، في الرسالة التي وضعها وكان عنوانها: “الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدخان”([86]).

وقد تميَّز التنظيم الحرفي في مدينة دمشق، بالتخصص وتوزيع العمل. فهناك طوائف عنيت بالإنتاج وأخرى بالخدمات أو بالتسويق.

وسنورد هنا بعض الطوائف التي عثرنا على معلومات عنها في سجلات المحاكم الشرعية، إبّان فترة الدراسة في مدينة دمشق. ولا تشمل القائمة كافة الطوائف الموجودة فعلاً، لأن الوثائق الشرعية ذكرت فقط الطوائف التي لجأت إلى المحكمة، مثل طائفة الدباغين ومنطقة الدباغات في باب السلام، في مدينة دمشق([87]). وكذلك طائفة الصباغين([88])، والغزَّالين([89]). وصنعة الخرَّاطين([90])، وصنعة دهَّان العربات([91]) وهي صنعة مستحدثة. وصناعة الصاغة([92])، وصنعة البغاجاتية([93])، وهي الحلويات. وصنعة الترَّاس(*)([94])، وصناعة الآلاجاتية([95])، والفتَّالة([96])، وصنعة حلاجي النحاس([97])، وشيخ الصباغين([98])، وصناعة الشالة([99]) وشيخ المسدّية الشالاتية([100])، وبيَّاض النحاس([101])، وشيخ قطَّاع النعل في محلة باب البريد.

كان هناك شيوخ في الكار، وهو تنظيم راقٍ جداً، ويحفظ حقوق العامل والمشتري وينظمها ويحارب الغش والفساد في المهنة.

ولقد أخذت المدن الكبرى تتطور باعتبارها مراكز أساسية للتبادل التجاري مع أوروبا الناهضة صناعياً، مما أفرز فئات اجتماعية مرتبطة بالتجارة وعمليات الوساطة والإنتاج مع أوروبا.([102]) حيث نقرأ في إحدى الوثائق: “أنَّ أحد الصناعيين قد استأجر خادماً بأجرة مقدارها ثلاثة ريالات مجيدي عن كل شهر”([103]). وإذا علمنا أن الريال المجيدي في الفترة المدروسة يعادل 24 قرشاً فإن أجرة الخادم في الشهر تكون(72 غرشاً) وهذا مبلغ قليل ومنخفض بالنسبة لتلك الفترة، بسبب هجرة كثير من اهل الريف وعماله إلى المدينة بالإضافة للمهاجرين من مناطق أخرى في السلطنة، نتيجة الضائقة الاقتصادية.

ونقرأ في وثيقة أخرى:

“اشتغل عامل عند صناعي مدة 13يوماً بأجرة عن كل يوم مقدارها ريال مجيدي. واشتغل مع المدعي عليه فاعل مع ولده بأجرة عن كل يوم مقدارها 13 قرشاً “([104]).

وفي سجلات المحاكم الشرعية لمدينة دمشق كثير من الوثائق التي تحدثت عن انخفاض أجور العمال في هذه المدينة وغيرها من مدن بلاد الشام، في تلك المرحلة.

أما الحرفيون فقد استطاعوا الصمود أكثر بحكم نظام الحرفة، حيث كانت الطوائف الحرفية تتألف على أساس قومي أو ديني، حافظ فيه الحرفي على أسرار مهنته، وتناقلها الأحفاد من الآباء والأجداد.

وكان هناك شيوخ في الكار ينظمون العلاقات بين الحرفيين (كما ذكرنا سابقاً). وحتى اليوم نجد مثلاً في البزورية شيخ البزورية في دكان خاص بين دكاكين سوق البزورية. وهو محترم، ويعود إليه التجّار الآخرون في كل مشكلة تواجههم.

وكان الحرفي يبيع إنتاجه في البازار (السوق) في مدينة دمشق، حيث اشتهرت هذه المدينة بأعمال حرفييها المتقنة ذات العراقة والتراث الأصيل الضاربة جذوره في عمق التاريخ.

لقد تعرَّض نظام الطوائف في الفترة المدروسة في مدينة دمشق، للانهيار، واضطر قسم كبير من الحرفيين للتوجه نحو الزراعة أو التجارة، بسبب الضائقة المالية والإفلاس، نتيجة منافسة البضائع الأجنبية للصناعة الحرفية الدمشقية، بعد الثورة الصناعية الأوروبية. حتى إن العمل بالزراعة كان محدداً لقسم من هؤلاء الحرفيين المفلسين، لذلك أصبح هؤلاء العمال المياومون الذين تزايدت أعدادهم بسرعة، منفصلين عن طبقتهم قليلاً. وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، استمرَّت أحوال هذه الطبقة كما هي حتى أواسط القرن العشرين، من حيث العدد. فالطبقة العمالية التي نشأت وتشكلت في مدينة دمشق، كانت من أبناء الفلاحين الهاربين من الريف إلى المدينة، ومن الحرفيين المفلسين.

السؤال المهم في هذه المرحلة هو: لماذا لم تتشكل طبقة عمالية متخصصة في مدينة دمشق، كما هي الحال في مدن أوروبا الصناعية ؟ عِلماً أن مدينة دمشق تفوق تلك المدن عراقة, وتراثاً كانت تفتقده تلك المدن قبل الثورة الصناعية الأوربية.

إن الجواب يوضح الحال السيئة والأزمة الناشئة آنذاك، حيث كان العامل المأجور أوالحرفي أو الفلاح سابقاً “مندمجاً في التقاليد والتنظيمات ذات الطابع الفئوي الحرفي الإقطاعي أو العشائري أو القومي”([105])، إضافة لاستخدام وسائل الإنتاج القديمة، وعدم دخول الآلة الحديثة مجال الحرف الدمشقية.

لقد اعتمد رأس المال في مدينة دمشق على التقاليد الحرفية والصناعية القائمة في المدينة، خاصة في المؤسسات التابعة لبعض الأغنياء، من المصنِّعين. والملاحظ أن هذه الطبقة العمالية الناشئة لم تكن تتمتع بأي حقوق قانونية، حتى قيام ثورة تركية الفتاة عام 1908م([106]). إضافة لتدني الأجور الذي ذكرناه سابقاً بشكل لافت. وبالتالي عاش هؤلاء في ظروف معيشيّة صعبة , كما لعب الوسطاء والقومسيونجية دوراً في نهب كثير من جهود العمال والحرفيين لمصلحة الشركات الأجنبية العاملة في مدينة دمشق، في تلك المرحلة.

ففي إحدى الوثائق نقرأ ” أنّ تاجراً بالشام ادعى على تاجر من الأصناف(بائع الصنف) لأن له دينَ حسابِ بيعِ حنطةٍ للمدعي بطريق القومسيون(*) حكم على المدعى عليه بدفع مبلغ مقداره (901غرشاً) ورسوم مقدارها (192غرشاً)”([107]).

ونقرأ في وثيقة أخرى ما تعرَّض له بعض الحرفيين من إلزامهم من قبل الشركات الأجنبية باستلام البضائع المستوردة، مهما كان نوعها، ولو كانت غير مطابقة للمواصفات المطلوبة، نتيجة التدخل الأجنبي الواسع في شؤون السلطنة العثمانية، ومحاولة إضعاف الاقتصاد العربي المشترك لبسط السيطرة الاستعمارية بوجهها الإمبريالي في أوائل القرن العشرين.

تقول الوثيقة: “ادَّعت شركة البير بياجني تابعية ايطاليا على خياط من تبعة السلطنة بالشام. وقد حكـم عليه بإلزامه باستلام الجوخ غير المطابق للمواصفات المتفق عليها بالمقاولة(**) وتغريمه رسوماً بلغت ( 196غرشاً)”([108]).

إن الأزمات الاقتصادية التي حدثت في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين في مدينة دمشق، بسبب التدخل الأجنبي، والنهب الاستعماري، أدَّت إلى حدوث اضطرابات اجتماعية نتيجة تردي واقع العمال في مختلف مجالات العمل، وهذا ما سهَّل نجاح القوى الخارجية في تحقيق أهدافها الاستعمارية بالتغلغل بين مختلف الفئات الاجتماعية، للحيلولة دون النهوض الاقتصادي في البلاد، والعمل من أجل المزيد من التخلف الاقتصادي والتمزق الاجتماعي في المدينة، حيث كان التضامن قائماً بين المسلمين والمسيحيين من جهة، وبين المسيحيين أنفسهم من جهة أخرى والمسلمين مع بعضهم من ناحية ثالثة.

وقد لعبت المصالح الأوروبية دوراً خبيثاً في تفتيت ذلك التضامن وتلك الوحدة، عن طريق الدّس والتآمر وإرسال المبشرين، لإضعاف روح الانتماء بسبب الاتجاه نحو الخارج “حيث قسم المجتمع الدمشقي إلى فئات دينية سياسية، لا إلى طوائف دينية عقائدية”([109]).

ورغم ذلك، كانت العلاقات الاجتماعية طيبة بين المسلمين والمسيحيين في المدينة العظيمة، خاصة في المناطق التي لم تؤثر فيها الدسائس الأوروبية. فقد سكن وعاش كثير من المسيحيين في أحياء المسلمين والعكس صحيح، خاصة في الضواحي التي أُنشئت حديثاً في تلك الفترة، كالصالحية والمهاجرين، وسوق ساروجة، حيث يأتي في إحدى الوثائق ذِكْرُ “المدعية مارغريت بنت جرجي إجزاجي(*) بالعساكر الشاهانية الذي توفي في داره الكائنة في سوق ساروجة”([110]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ مايلي:

“استأجر الإخوة الثلاثة خليل وملكة ومريم أولاد موسى ابن جبران الحكيم ووالدتهم من سكان محلة صالحية دمشق ومن تبعة الدولة العلية من طائفة السريان الكاثوليكية جميع بياض وقرار أرض الجنينة بمحلة الصالحية المعروفة بجنينة ابن القاري المشتملة على دار وغراس أشجار فواكه”([111]).

وتعرضت هذه العلاقات الأخوية للضغوطات الأجنبية وتدخلاتها المباشرة في الشؤون الاجتماعية المتمثلة بالوجود القنصلي والتجاري، حيث بدأ المسلمون الدمشقيون (ربما لذلك ما يسوغه) ينقلون خوفهم من الأجانب ونواياهم الاستعمارية إلى المسيحيين الدمشقيين الذين تعاملوا معهم.

ونحن نقول: كان هذا منطقياً في تلك المرحلة، وفي كل مرحلة يشكك فيها بنوايا الطرف الآخر، أياً كان هذا المتعامل مع الأجنبي، مسلماً كان أم مسيحياً “ولنا في أوضاع لبنان الشقيق اليوم، خير مثال على ذلك”.

وبرز في مدينة دمشق، على رأس الهرم الاجتماعي التقليدي، كبار ملاك الأراضي وغيرهم من الإقطاعيين الذين عاشوا في المدينة، وانتسبوا إلى العائلات الغنية المتنفذة، والى عائلات باشاوات ما قبل عهد التنظيمات العثمانية.

غير أنه خلال قراءة الوثائق وتحليلها وجدنا أن “معظم أصحاب الأملاك في تلك المرحلة المدروسة، قد تعرضوا بدورهم للإفلاس، نتيجة الضائقة الاقتصادية والمالية التي عانت منها (سورية) بلاد الشام، مما اضطرهم إلى عقد الديون بفوائد عالية والاستدانة من الصيارفة وخاصة اليهود منهم”([112]).

كانت مجموعة متعهدي الأعمال الإنتاجية الحرة من “الفئة الوطنية الناشئة لا تزال ضعيفة بشكل عام، في مدينة دمشق. ومن هؤلاء، أصحاب الورشات الرأسمالية والمؤسسات الصناعية القليلة، وأصحاب المشاريع الذين يمِّولون الحرفيين المنزليين، ويملكون إنتاج المشاغل المنزلية، ويسيطرون على المؤسسات الصناعية الصغيرة التي تنتج السّلع مثل الصابون والسجاد والزيوت والتريكو والمطاحن وغيرها.

لم يكن من ضمن اهتمام الطبقة الناشئة في مدينة دمشق، إنشاء قاعدة اقتصادية متينة ثابتة، وإنما إقامة مشاريع سريعة الربح. وهذه المجموعة هي التي استمرت فيما بعد تحكم المنطقة العربية المشرقية. وعادة ما يكون صاحب المؤسسة تاجراً ومرابياً في الوقت ذاته؛ لذلك برزت وقويت في تلك الفترة، الطبقة التجارية الدمشقية، وازدادت أهميتها مقارنة مع أولئك التجار الذين خدموا بقوة التبادل التجاري بين أوروبا ومدينة دمشق، وتعزَّزت مواقعهم بمقدار صلتهم بالرأسمال الأجنبي. وقد ذكرت الوثائق كثيراً من الأمثلة على ذلك: ([113])

وعمل هؤلاء وسطاء بين الصناعيين المحليين وتجار الجملة في المدينة. وقد استغل الأوضاع عدد من اليهود، أصحاب مؤسسات التجارة والربا، وأثبتوا وجودهم في الأسواق، كشركاء، للحصول على الامتيازات، مثل امتيازات بناء الخطوط الحديدية وغيرها.

لذلك توجَّه المرابون والصرافون اليهود لاستغلال الضائقة المالية عند عامة الناس، فأقرضوهم بفوائد كبيرة. وعند موعد تسديد الدين، كانت الفائدة تعادل رأس المال. وإذا لم يدفع (الفلاح – العامل)(*) يقوم الصراف بإلقاء الحجـز على ما يملك المديون، إن كان قطعة أرض يعيش منها أو عقاراً يسكنه. وقد ورد في الوثائق أسماء عدة صيارفة تكررت دعواتهم على الذين استدانوا منهم من أهل دمشق. وقد لعبوا دوراً خطراً في تلك المرحلة، وانتقلت إليهم نتيجة ذلك، كثير من أراضي الغوطة وعقارات ومساكن ودور مدينة دمشق مثل: نسيم وهارون([114])عبادة، ومايرشويلا([115])، وفارحي”. وقد تحسنت أحوال الصيارفة الذين كان غالبيتهم من اليهود أولاً، ثم من المسيحيين فيما بعد”([116]). وانتقل إليهم كثير من العقارات والمساحات الواسعة من الأراضي الزراعية خاصة لليهود منهم. وقد تملّكوا قرى بكاملها مثل قرية زبدين وبالا وحديثة والمحمدية ( كما ذكر كرد علي). ولعبت المرأة اليهودية الدمشقية دوراً مشابهاً حيث مارست عمليات عقد الديون في مدينة دمشق وريفها. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعت استير بنت شمعون من أهالي الشام، على محمد بن عبده من أهالي قرية دوما، بسبب دين (1725 قرشاً) بموجب سند للأمر مع الفائض”([117]). وهي نفسها وضعت المال عند الصراف يوسف فارحي اليهودي الدمشقي، من تبعة دولة اتياليا، لتشغيله مدة ستة أشهر متتابعة بالفائدة([118]).

واحتمى هؤلاء الصرافون الذين شكَّلوا طبقة اجتماعية قوية وغنية في مدينة دمشق، وكانوا عصب الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها، بالدول الأجنبية وقناصلها، من خلال حمل البراءة والتبعية لتلك الدول، ففي إحدى الوثائق نقرأ أن: “فارحي وهواري وشـركاهم صيارفة من تبعيـة دولة انكلترا وإيتاليا بالشام([119])”.

ونلاحظ من هذه الوثيقة أنهم شكَّلوا شركات صرافة. وذلك يدل على ازدهار هذه التجارة، نتيجة الفقر والضائقة المالية وعوز الناس للاستدانة في المدينة وريفها.

ورهن الناس ذوو الحاجة للمال، مجوهرات نسائهم، وهي غالية الثمن، مقابل الدين وإذا لم تَفِ أثمانها الدين، يدفع المديون الباقي مع الفائض([120]).

ومما ميز مدينة دمشق والمدن الكبرى الأخرى في سورية (بلاد الشام)، وجودُ شخصية التاجر الكبير أو صاحب الأملاك الذي يشتغل إلى جانب العمليات التجارية، بالمراباة في المناطق الزراعية للمدينة، وفي المدينة ذاتها، ويعتبر من كبار ملاك الأراضي. وقد احتفظ الأعيان أو الكبار (يقابلهم النبلاء في أوروبا) بالمراكز الاقتصادية والاجتماعية المهيمنة في مدينة دمشق، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

” استأجر مفخر الأماجد الكرام يحيى بن عبد الله آغا الكركوتلي من سكان سوق ساروجة بما له لنفسه من آل الاسطواني، جميع القهوة خانة ظاهر دمشق بمحلة سوق الخيل تابع سوق ساروجة قرب جامع يلبغا بأجرة عن كل سنة 108قروش” ([121]).

وقد وجدنا الصرافين نسيم وهارون عبادة المقيمين في حارة اليهود بالشام، في الفترة الزمنية الواقعة بين عامي 1303 هـ – 1307 هـ / 1880 – 1890م/ أنه قد  كانت لهما على أهالي دمشق وريفه، ديون فاحشة، مما دعا التجار إلى الاحتجاج على ذلك. وتنوعت صنعة الذين استدانوا منهم، فكانوا أصحاب أملاك، وزُرّاعاً من ريف دمشق وقراها مثل: كفر بطنا([122])، كفر العواميد([123])، سقبا([124])، سرغايا، سوف([125]) وادي بردى([126])، حمورة([127]). وقد وجدنا في الوثائق أنه قد صرح بمتن السند بالفوائد التي كانت سابقاً محرَّمة.

وهكذا انتقلت أراض من ريف دمشق لمثل هؤلاء اليهود في قرى الغوطة، وقرى وادي بردى. وإذا حاول المزارع المَدِين الاعتراض كان يخفق فقد عثرنا على اعتراضين على الأحكام الصادرة من المحكمة ضد صرّافيْنِ قد رُدا ونُفذ الحكم لصالحهما، لأن لمثلِ هؤلاء الصرافين اليهود، الكثير من الأساليب في الالتجاء والحماية وخاصة لقنصليات الدول الأجنبية في مدينة دمشق وغيرها من مدن سورية(بلاد الشام). والنتيجة تكون خسارة هؤلاء الفقراء الذين لا سند لهم سوى الله، أمام ضعف السلطنة، نتيجة الضغوط الأجنبية([128]).

إنَّ الديون الموجودة في الوثائق والسجلات، هي جزء من ديون أكبر، وبفوائد تدفع دون الاضطرار لعرضها واللجوء إلى المحكمة، ولا ندري عنها شيئاً. وقد حاولنا قدر الإمكان، رصد مجموع الأموال (الديون) التي عرضت على المحكمة لتحصيلها للصرافيْن نسيم وعبادة المذكورين، في فترة خمس سنوات فكانت: 1124 ليرة فرنساوية، والليرة الفرنساوية تعادل 115.5غرشاً في تلك الفترة([129]). و195 ليرة عثمانية، والليرة العثمانية تعادل 100غرش([130]). و 33395 غرشاً.

وبملاحظة هذه المبالغ، نجد أنها وظّفَتْ في مجال الزراعة، وكانت لمدد مختلفة، وبفوائد نظامية(*) وغير نظامية.

وقد استدان من هذين الصرافين (نسيم وهارون عبادة) بالإضافة للزراع، تجار([131])، وكتبة([132]) وأصحاب([133]) أملاك، حيث عانى أصحاب الأملاك من ضائقة مالية في تلك المرحلة، وكذلك موظفو([134]) الإدارة العثمانية، وحجزوا لهم مقابل الدين على قسم من المعاش، مع رهن على ما استطاعوا إليه سبيلاً، من أمتعة ومجوهرات.

وذكرت الوثائق عدداً غير قليل من الصرافين اليهود في تلك المرحلة في مدينة دمشق مثل: مايرشويلا([135])، يوسف سقلي([136])، وماير لزبونا([137]).

وظهر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في مدينة دمشق، بعض العائلات من أصحاب الملكيات الزراعية الواسعة، حيث ملكت الواحدة عدة قرى. وقد حلّ هؤلاء محل العلماء والأغاوات. وغالباً ما كانوا ثمرة اندماج العائلتين معاًَ؛ مثالنا على ذلك عائلات (العظم، العابد، يوسف، مردم بك، العجلاني، البكري([138])… الـخ. ومن الناحية العملية، كان هؤلاء الملاك غائبين عن مزارعهم، يؤجرونها للفلاحين أو يديرونها عن طريق وكلائهم.

6 – الأعراب (مجتمع البادية المجاور لدمشق):

تشَكل مجتمع البادية من المشايخ والزعماء والبدو والرحل المُتنقّلين طلباً للماء والمرعى. وقد عمل البدو بتربية المواشي والحيوانات، وسكنوا البادية على أطراف المناطق الزراعية المجاورة لمدينة دمشق المستقرة الحضرية، وتأثروا في تلك المرحلة، من 1276 – 1325هـ/1876 – 1908م، بالتغيرات التي حدثت وغيرت التركيبة الاجتماعية.

وأدى توسع مساحة الأراضي الزراعية واستصلاح مناطق جديدة، إلى محاولة الدولة العمل على استقرار كثير من البدو، وتحويلهم للعمل في مجال الزراعة مع تربية الحيوان، ولكن ذلك كان صعباً وغالباً ما كانت تقشل عملية إقرارهم. وأثرت التطورات الحديثة في مجال النقل عليهم سلباً، خاصة بعد افتتاح قناة السويس، وانتقال قوافل التجارة والحج إلى طريق البحر، فنقص عدد القوافل العابرة للبادية الشامية، ذهاباً وإياباً. وقضت السكك الحديدية، في نهاية القرن التاسع عشر، على ما تبقى من حركة النقل التي التزمها البدو، وأنقصت مبيعاتهم من الخيل والجمال. واهتم بعضهم بتربية الأغنام إلى جانب تربية الجمال والخيل، لأهميتها في التجارة، حيث ذكرت الوثائق كثيراً من حوادث الاختلاف والدعاوى، بسبب امتلاك الحيوانات، خاصة الخيول منها والجمال. ونقرأ في إحدى الوثائق”أن تاجراً من الشام ادعى على شيخ من عرب النعيم له ثمانية جمال في إحدى البوايك(*) بالميدان، فطلب الحجز عليها مقابل الدين… ثم الحجز والتبليغ”([139]).

وقد اتصل بالبدو في تلك المرحلة، كثير من التراجمة والقناصل الذين عملوا في القنصليات الأجنبية، واحتموا بها أحياناً، مما دعمهم وقوَّى مراكز شيوخهم ومراكز زعماء العشائر البدوية، وبالتالي ازدهرت تجارتهم وأعمالهم، ونهبوا ماستطاعوا من الناس العاديين في القبائل حيث” ادعى ترجمان قونسلاتو دولة انكلترا بالشام على شيخ عرب (عجربا) المقيم بقضاء القنيطرة بسبب دين بموجب سند للأمر([140])”.

وسيطر زعماء البدو بالقوة على المزارعين المجاورين لهم، المستقرين في قراهم، واستغلوهم. وشكَّل هذا الاستغلال مصدراً رئيسياً من مصادر قوة زعماء البدو، ولاسيما شيوخ القبائل منهم. وقد أجبروا الفلاحين على دفع أتاوة مقابل الحماية الشكلية. ثم تحول استغلال البدو للفلاحين إلى شكل مباشر وواسع بداية القرن العشرين، حيث تحوَّل زعماء البدو إلى ملاك للأراضي.

“وبعد صدور قانون الأراضي عام 1856م وظهور التمايز الاقتصادي بين القبائل نتيجة خدمة المصالح المختلفة من عثمانيين وأوربيين إلى ارتفاع الوضع القانوني لهؤلاء، وصار تركز الثروات في أيدي الزعامات العشائرية القبلية التي نما نفوذها بين قبائل البدو، جنباً إلى جنب، مع عملية انخفاض الأهمية الاقتصادية والسياسية لجماهير العامة من أفراد القبيلة”([141]).

وقد قدَّم الرحالة الأوربيون الذين زاروا بادية الشام في القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وصفاً جيداً لعادات وأنظمة القبائل البدوية التي اختلفت في تلك المرحلة كثيراً، عن نمط المجتمع البدوي الذي كان سائداً في نهاية القرن الثامن عشر، والذي كان لا يزال ذا نمط طبيعي فطري، من دون فروقات اجتماعية وملكية فردية واضحة.

ووقف البدوُ في وجه المشاريع التي أرادت السلطنة العثمانية القيام بها لتحديث النقل والمواصلات، عندما شعروا أنها ستضعف دورهم كصلة نقل في البادية، وستفقدهم السيطرة على القوافل التجارية والحج، مثل قبيلة الحويطات في عام 1311 هـ/1894م. والذين كانوا يسيطرون على جنوب الأردن. وعندما أرادت السلطنة العثمانية أن تمدَّ الخط الحديدي الحجازي لضمان قافلة الحج اصطدمت مع الحويطات، وبدأت حرب طويلة بين الدولة العثمانية وهذه القبيلة، امتدت سنين([142]).

وقد أدى البدو دوراً في حماية المواد التجارية المارة عبر البادية، في تلك الفترة، وتعاملوا مباشرة مع الشركات الأجنبية، حيث أخذت كل قبيلة تتبع لحماية دولة أجنبية (كما الأشخاص في المدينة) وبالتالي ارتبطت مصالحها مع مصالح تلك الدول، خاصة في البادية باتجاه العراق، وقد شجعتهم الدولة العثمانية على الاستقرار والعمل بالزراعة والرعي معاً([143]).

7- أهل الذمة:

أ – المسيحيون الدمشقيون .

ب – اليهود الدمشقيون .

هم أهل الكتاب المعاهدون من نصارى ويهود الذين عاشوا في الوطن الواحد مع إخوانهم المسلمين، بروح التسامح والحرية في ممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية.

ويسمون في التنزيل بأهل الكتاب. والمسلمون في ديار الإسلام، مسؤولون عن حمايتهم، مقابل دفع الجزية بحسب الإمكانية المادية لكل فرد، حتى عصر التنظيمات حيث حاولت السلطنة المساواة بين الجميع وإلغاء ضريبة الجزية عنهم.

أ – المسيحيون الدمشقيون:

نظمت السلطنة العثمانية منذ احتلالها مدينة دمشق وغيرها من المدن السورية، أمور أهل الذمة، ووضعت لذلك نظام (المليات) الملل. وقد استأثر السلطان العثماني بإعطاء البراءة لبطريرك الروم الأرثوذكس ولحاخام اليهود، ليضمن ولاء الملل الأساسية للسلطنة والسلطان العثماني، لأنَّ اليهود شكلوا طائفة مهمة في مدينة دمشق في تلك المرحلة، وخوفاً من ارتباطهم الخارجي، وأنَّ الروم الأرثوذكس يشكلون الغالبية العددية من المسيحيين في تلك الفترة، قبل أن يتحول كثير منهم إلى الكثلكة والبروتستانت وغيرها من المذاهب الغربية التي جلبها المبشرون الغربيون. ونقرأ في المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية كثيراً من الوثائق المؤرّخـة في تلك الفترة، والتي تحدثت عن مضايقة المسيحيين الشرقيين الأرثوذكس(*)، في ريف دمشق لحملهم على ترك مذاهبهم والالتحاق بالكثلكة في بلودان وقطنا وغيرها.

وقرأنا في إحدى الوثائق حول ذلك مايلي:

“حضـر موسى ابن المدور، من سكان الدار المذكورة من طائفة السريان الكاثوليك المعـرّف من يوسف صليبا من سكان محلة الصالحية، ومن طائفة الكاثوليك، ومن تبعيـة الدولـة العليـة، وميخائيل جرجس مشاقة من طائفة البورستان(**) وإبراهيم مزنر من طائفة الروم الكاثوليك من سكان الصالحية، وانقولا بن جرجي الصيدناوي من طائفة الروم الأرثوذكس”([144]).

نلاحظ من الوثيقة كيف انقسمت المسيحية في دمشق نتيجة الحملات التبشيرية الأوربية، إلى طوائف شرقية وغربية.

وحظي المسيحيون الدمشقيون بالمعاملة الحسنة، من قبل الحكام المسلمين الذين تعاقبوا على حكم مدينة دمشق، في العهود الإسلامية المختلفة، بما يتناسب ومبادئ الإسلام في احـترام طقوس الأديان السـماوية. ولهذا ظلت الكنائس القديمة([145]) قائمة، تمارس نشاطها المعتاد داخل المدينة وخارجها. وقد تفنَّن المسيحيون في بناء هذه الكنائس، وأقاموا كنائس جديدة في الفترة المدروسة، في الضواحي الجديدة، كالصالحية مثلاً حيث نجد في إحدى الوثائق مايلي:

“جميع الدار في صالحية دمشق في محلة الجركسية يحدها قبلة الطريق، وشرقاً الطريق، وفيه الباب، وشمالاً كنيسة السريان الكاثوليك، وغرباً الدخلة غير نافذة”([146]). ونجد أن طائفة البورتستانت([147]) (الأنجيليين) لم تذكر في الوثائق بشكل واضح في مدينة دمشق، حتى القرن التاسع عشر، حيث بنت هذه الطائفة كنيستين، الأولى بنتها (مس موط) الانكليزية عام 1868م. وبنى الثانية القس (يوحنا كروفورد) الأمريكاني، والقس روبصن الانكليزي.

ويلاحظ من خلال قراءة الوثائق، أن السلطنة العثمانية متمثلة بالإدارة في مدينة دمشق والوالي العثماني، لم تمنع أيّاً من طوائف المسيحيين ورؤسائهم الروحيين من القيام بالأعمال العادية، مثلهم مثل إخوانهم المسلمين، من فتح الأديرة وبناء الكنائس وشراء العقارات ومساعدة المحتاجين والأيتام، على أن تدفع الضرائب بشكل منتظم، لتزويد الخزينة السلطانية بما تحتاج إليه من أموال، فكثرت الأديرة في المدينة، ومارست أعمالاً خيرية واجتماعية كثيرة، واشترت العقارات.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“يحد الدار شرقاً عرصة وقف دير فقراء العازارية، وتمامه دير العزارية المذكور. وأن المقسم متهدم منذ أربعين سنة، وتراكم عليه أموال الويركو(*) ولا بد لعمارته من مبلغ كبير من المال([148])…”.

واستأجرت هذه الطوائف العقارات لصالحها، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“استأجر الخوري بالوكالة عن رئيسة دير بنات العازارية بالشام، وهما من طائفة الروم الكاثوليك، ومن تبعة الدولة العلية.. المقسم المذكور والمفروز من جميع بستان الصليب الكائن بأراضي العنّابة (**) والزينبية عن كل سنة مئة قرش ثم زيادة (8قروش) عن كل سنة لمدة تسع سنوات كاملة”([149]).

تغيرت أحوال المسيحيين في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، بعد عهد التنظيمات. واستلم كثير منهم مناصب مهمة في الإدارة العثمانية في مدينة دمشق، كالقضاء وصندوق مال الولاية وغيرها… حيث نقرأ في إحدى الوثائق أن “ميخائيل أفندي أحد أعضاء محكمة استئناف الحقوق بولاية سورية ابن صيدح من طائفة الروم الأرثوذكس ومن تبعة الدولة العلية”([150]).

ونقرأ في وثيقة أخرى أن “جبران أفندي أمين صندوق مال ولاية سورية من طائفة الروم، ومن أهالي دمشق ومن تبعة الدولة العلية”([151]).

وتسلم بعضهم مدير البنك (مدير ثانٍ) كما في المثال التالي:

“البير شارل مدير ثانٍ في البنك العثماني ومن تبعة الدولة.. وبترس بطرس قاضٍ من طائفة الموارنة الكاثوليك من سكان محلة النصارى”([152]).

وأحياناً كان هناك من أسرة واحدة مسيحية موظفان كبيران في الإدارة العثمانية، أحدهما عضو في محكمة استئناف الولاية، وابنه أمين صندوق الولاية. وهذا دليل على الثقة بمثل هؤلاء المواطنين، التي أولتهم إياها الإدارة العثمانية، ودعمها للطائفة التي ينتمون إليها. ووجدنا أنه كانت غالباً طائفة الروم الأرثوذكس الشرقية حيث كان ” في محكمة استئناف حقوق ولاية سـورية من أعضائها الكرام، عزتلو ميخائيل جرجس وولده رفعتلو وصفي أمين صندوق ولاية سورية الجليلة”([153]). وخدم المسيحيون في الفترة المدروسة في الجندية مع إخوانهم المسلمين، وكان منهم الأطباء والمهندسون والصيادلة. حيث نقرأ في إحدى الوثائق من أسماء هؤلاء:

“وانيس ولد كروب من أفراد الزاندرمة في مركز الولاية”([154]).

و”شاكر أفندي القيم الطبيب العثماني المقيم بحارة المسيحيين بالشام”([155]).

و”حاملة الكتاب ماري روز التي عينت وصية على أولادها من بعلها أيبري أفندي مهندس بلدية دمشق سابقاً”([156]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ: “الحرمة مارغريت جرجي اجزاجي (صيدلي) بالعسـاكر الشاهانية”([157]).

وسكن المسيحيون في محلة المسيحيين، ثم مالبثوا أن توجهوا للضواحي الجديدة مثل الميدان، والصالحية، وغيرها. وأقاموا كنائس جديدة لهم هناك كمحلة الجركسية بحارة السكة بالصالحية([158]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“جرجي بن عبده من طائفة الروم الكاثوليك الساكن في محلة الميدان التحتاني”([159]).

تميَّزت العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مدينة دمشق، بالود والتعامل الحسن. فقد ذكرت الوثائق أن كثيراً من المسلمين كانوا وكلاء بيع وشراء العقارات أو غيرها عن مسيحيين، والعكس صحيح. نقرأ في إحدى الوثائق “وكّلت الحرمتان العيساويتان، من طائفة الروم ومن تبعة الدولة العلية من سكان محلة النصارى بدمشق، الحاج سعد الدين بكداش المقيم في بيروت، في بيع ما هو جار في ملكهما من ارث والدتهما”([160]).

وفي وثيقة أخرى:

“استأجرت ليا بنت الخوري المرأة النصرانية من سكان محلة باب المصلى بدمشق، من تبعة الدولة العلية، من السيد محمد بن علي القراصلان.. جميع الدار الكائنة ظاهر دمشق، في محلة باب المصلى، بزقاق الوسطاني تابع ثمن الميدان التحتاني للسكن والانتفاع لمدة 3عقود وكل عقد 3 سنوات كاملة”([161]).

وتملك المسيحيون الدمشقيون في مدينـة دمشق وضواحيهـا الجديدة العقارات والدكاكين([162]) وتحدثت إحدى الوثائق عن أوقاف بطريركية الكاثوليك في دمشق التي شملت كثيراً من العقارات والدكاكين لجهة فقراء الطائفة، وسُجلت هذه العقارات في المحاكم الشرعية لمدينة دمشق وبشكل نظامي، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“اشترى الخواجة… من أهالي قرية عين التابعة إلى جبل لبنان، ومن طائفة المارونية بالوكالة الشرعية(*) عن الخوري…. رئيس دير اللاتين بدمشق الشام، وذلك جميع الحواش(**) الكائنة، باطن دمشق بمحلة العمارة”([163]).

كانت العلاقة بين السلطنة والإدارة العثمانية في مدينة دمشق مع المسيحيين من أهلها، عن طريق دفع الضرائب، والتأكيد على ضرورة حفظ حقوقهم، بإعطائهم وصلاً بالمبلغ المدفوع حتى لا يحـدث استغلال لدافعي الضرائب من قبـل المكلفين بجمعـها، من موظفي الإدارة العثمانية، وذلك حرصاً على عدم الفساد([164]). وحرصت السلطنة العثمانية على عدم التدخل في شؤون الملل، وتركت ذلك لرؤساء الدين فيها. نقرأ في إحدى وثائق الأوامر السلطانية حول ذلك ما يلي:

“إن أمور التركات، كما هو معروف لكم، بعد ضبطها وتحريرها في سجلات التركات، من اسم المتوفى لورثته، وإن كان المتوفى من الطوائف المسيحية يشترك بها رؤساء الطوائف والبطاركة والخوارنة، على اعتبار المتوفى تابعا ًلإحدى هذه الطوائف. ولا يمنع أحد تدخلهم، وتعطى التسهيلات الكائنة لهم في توزيع التركة، بعد ثبوت الورثة كل حسب حقه بالإرث. هذا إن كان من رعايا الدولة. وان كان من رعايا دولة أجنبية، يصار إلى إعلام السفارة القنصلية به، ويجري ضبط موجودات التركة لمن تسلم له”([165]). وقد قرأنا في إحدى الوثائق حول استلام المسيحيين مناصب مهمة في السلطنة (مخطوط سلاطين آل عثمان) أن: “آغوب أفندي الأرمني كان في المرتبة الأولى من مراتب الكُتاب، ثم قُدِّم في الخزينة العليا وولي نظارة الخزينة الخاصة، ثم أثبت في الوزراء”([166]). وأن “سركيس أفندي الأرمني ولي رئاسة المعمارية للسلطان أمير المؤمنين عام 1294هـ/1877م”([167]).

كما نلاحظ، فإن أحد الأرمن استلم مركزاً مهماً في الخزينة العليا، وتولى نظارة الخزينة الخاصة ثم أثبت في الوزراء، وأن أحدهم ولي رئاسة المعمارية للسلطان العثماني في الفترة المدروسة.

وقد أدت السياسة العثمانية الأميرية والمالية ونمو التجارة مع أوروبا في تلك المرحلة، إلى زيادة أهمية كبار التجار من كل الطوائف([168]) في حياة المدينة([169]) حيث كان منهم ذوي نفوذ وأصحاب مصارف للحكومة وتبوؤوا مراكز مهمة وحّساسة في الإدارة العثمانية، ووكلاء للتجار الأوربيين.

وكانت السلطنة العثمانية، متمثلة بإدارتها في مدينة دمشق، حريصة كل الحرص، على عدم بث الدعايات المغرضة والكاذبة ضد المسيحيين والأرمن وغيرهم. وإذا ما حدث ذلك كانت السلطنة تسرع لنفي مثل هذه الشائعات، لبث الهدوء بين الناس، خوفاً من تدخل الدول الأوروبية المتربصة بها، التي تطالبها بالإصلاح. (كما هي حال أمريكا اليوم مع الدول العربية). وكانت السلطنة تعاني من الضعف، وغير قادرة على المواجهة مع أوروبا عسكرياً أو اقتصادياً. ففي أحد الأوامر السلطانية. تقرأ مايلي:

“بلاغ من دائرة الفتوى بالمشيخة الإسلامية: بناء على ما أعلن عنه قائمقام بواسطة منادٍ ينادي في مركز القضاء، فإن ذبحيات الأرمن للأغنام محرّم أكلها. وهذا لم يسبق له أي قرار شرعي ولم تؤخذ الموافقة به سلفاً”([170]).

ب – اليهود الدمشقيون:

كان اليهود في مدينة دمشق، في فترة الدراسة، ينقسمون إلى فئتين متعاديتين مختلفتين هما:

1- طائفة اليهود القرّائين.

2- طائفة اليهود الرّبانيين.

ولكل منهما كنيسُها الخاص ومقبرته الخاصة. وكانت مقبرة القرّائين في باب شرقي، وقد انقرضت اليوم. ومقبرة الربانيين إلى الجنوب منها على طريق المطار([171]).

سكن اليهود في مدينة دمشق منذ القديم، وهم من أصول محلية، وموزّعون في مدينة دمشق، ولكن تركزهم الأساسي كان في محلة الخراب، في حارة اليهود. ومنهم فئات من أصول أجنبية، وقد اكتسبوا الصفة المحلية كآل فارحي الذين قدموا من الأندلس، ويهود روسيا واليهود المغاربة ويهود اسلامبول([172]).

وتركز قسم منهم، منذ القرن الثامن، في منطقة جوبر، وكان لهم فيها كنيس أثري لا يزال حتى اليوم. وكذلك في الغوطة بسبب اشتغالهم بتجارة الأراضي والربا. وبلغ عددهم أوائل القرن التاسع عشر بحدود عام (1830 م) ما يقارب خمسة آلاف نسمة، توزعوا في باب توما وصالحية دمشق وأراضي القينية(*) والحمرية من باب سريجة، وقرب الطريق السلطاني، وبيت سوى والزبداني وبيت سحم وأشرفية وادي بردى([173]).

وعملوا بأعمال مختلفة، وخاصة بالتجارة والمال والربا والصرافة، إن تقرب الأوربيين المقيمين في مدينة دمشق، وما جاورها، من اليهود، وتعاونهم معهم واعتمادهم عليهم في كثير من العمليات المصرفيّة والتجارية، كانت سبباً من أسباب قوتهم الاقتصادية وغيرها، ومن خلال قراءة الوثائق واستشراف الواقع المَعِيش ليهود دمشق، وجدنا أنهم تمتعوا بكامل حقوقهم وحريتهم الدينية والمدنية، حيث تملكوا العقارات وسكنوا في حارة اليهود وغيرها. كما أوضحت ذلك الوثائق، ومنها ما جاء في إحداها، من أن ” نسيم وهارون عبادة صيرفيّان مقيمان بمحلة الإسرائيليين بالشام”([174]).

وأظهر اليهود الدمشقيون في تلك المرحلة، نزعة متنامية للعزلة في الحي اليهودي، بسبب النزعة العنصرية لديهم التي تقول إنهم شعب الله المختار وأنهم يتميزون عن غيرهم من الأغيار وهذا يمارسونه في كل مكان في العالم تواجدوا فيه مع بعض الاستثناءات التي ذُكرت سابقاً، من خلال الوثائق، حيث سكن بعضهم في مناطق مثل محلة الزط(**) في دمشق، وفي سوق ساروجة والقيمرية.

فقد جاء في الوثيقة التالية ما يلي([175]):

“اشترى سليمان طوطح من سكان محلة اليهود، من طاهر عز الدين، جميع الدار الكائنة ظاهر دمشق، بمحلة سوق ساروجة، بالشارع السلطاني، تجاه حمام الخانجي”([176]).

ونقرأ في وثيقة أخرى مايلي:

“اشترى فرح البوشي الموسوي من سكان محلة اليهود، من خالته زوجة والده 12قيراطاً من جميع قيمة البستان الكائن بأراضي الشاغور المعروف والمشهور ببستان القط، بثمن مقداره 200 ليرة عثمانية ذهبية”([177]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“اشترى موسى إيليا من طائفة اليهود، جميع الدار، أرضاً وبناءً، باطن دمشق، محلة القيمرية، بزقاق آسية بثمن مقداره (25000) قرش مقبوضة”([178]).

وكان يهود دمشق يعرضون قضاياهم ويثبتونها (كما نلاحظ من خلال وثائق المحاكم الشرعية، وسجلات الدولة) من دون أي اعتراض أو إزعاج من أي طرف، بل على العكس، كنا نجد أن كثيراً من الدعاوى كانت تصدر الأحكام فيها لصالحهم، رغم أحقية الطرف الآخر، خاصة في دعاوى الدَين بالفوائد، عند الصرافين اليهود.

وتملك يهود دمشق، عقارات وقرى في مدن سورية أخرى، حيث نقرأ في إحدى الوثائق أن ” الحرمة سارة بنت يوسف، من طائفة اليهود الساكنة في محلة النصارى بدمشق، الوصية على أولادها من بعلها شحادة السقال، ورثت جميع مشد(*) مسـكة الثمانية أراضي الكائنـة في قضـاء حمص التابـع للـواء حماه، في ولاية سورية الجليلة”([179]).

وتملك يهود دمشق، أيضاً العقارات في لبنان؛ فقد ذكرت إحدى الوثائق أنهم امتلكوا ثماني طواحين أرادوا بيعها([180]).

وتملكوا في الآستانة أيضاً حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“حضر وولف بوستيك بن يعقوب من طائفة اليهود بدمشق، ووكل عنه (فيحل بن سيفوكو) من اليهود ومن تبعة دولة إيتاليا المقيم الآن في دار الخلافة العلية، في محلة الغلطة، زقاق فيفور، في الدار التي نمرتها(2) لينوب عنه في أمر الحصة، من جميع المنزل الكائن بالآستانة، بعد عزل وكيلتي السابقة اليهودية من أهالي الآستانة”([181]).

وتملكت المرأة اليهودية العقارات في حارة اليهود، حيث اشترت الحرمة هدلا سلامة، المرأة اليهودية، من رفائيل هراري واخوته، جميع الدار الكائنة في باطن دمشق، في حارة اليهود، وقرب سوق الجمعة([182]).

ووجـدنا في محاسبة إحدى السـيدات اليهوديات، عن تركة زوجها، مايلي: “محاسبة الحرمة سارة شاكي الموساوية من سكان محلة القيمرية الوصية على أولادها من زوجها موسى السّقال فقط “677182” غرشاً نقداً وهو موجود في صندوق مال الأيتام”([183]). وهذا المبلغ يدل على مدى ثراء مورث المرأة اليهودية، وهو زوجها موسى السقّال.

وإذا اعتبرنا أن الليرة العثمانية تعادل 100غرش في تلك المرحلة، فتكون حصة الحرمة من مال زوجها اليهودي الدمشقي “6771.82 ليرة عثمانية ذهبية”

والذي يثبت ثراء اليهود الدمشقيين، أن الأغنياء منهم كانوا ينفقون مبالغ كبيرة، كمصاريف على أسرهم، كما نجد في الوثيقة التالية:

“فرض الحاكم الشرعي لولديّ شحادة السقال، تحت ايصاء والدتهما الحرمة سارة، للوازمهما الشرعية، لأجرة خادمة وأجرة معلم في المكتب لتعليمها، ولأجرة خادم لهما في كل شهر 350 قرش صاغ الميري بسعر الليرة 100قرش، علاوة على القدر المفروض لهما كل شهر وهو 750قرش”([184]).

وهذه المبالغ كبيرة إذا ما قارناها بنفقة أُسر مسلمة أو مسيحية في مدينة دمشق. وهذا يدل على مدى ما وصل إليه غنى وثراء بعض الأسر اليهودية الدمشقية، نتيجة رواج أعمالهم في المدينة، في تلك الفترة.

ونتيجة تعرض الريف الدمشقي لضائقة مالية في تلك الفترة، فقد توجه اليهود الصيارفة إلى الريف، لحاجة الفلاحين والفقراء للمال، واضطرارهم للاستدانة لزراعة أراضيهم، ومحاولة رد الدين عند الموسم. وعند عدم المقدرة، كان الصراف اليهودي يحجز الأرض ويتملكها، إذ تمتع اليهود بنفوذ كبير في الدوائر الحكومية والقضاء، الأمر الذي يسّر لهم ما يريدون، كما يتوضح في الوثيقة التالية:

“الوكيل هانري فراحي الموسوي المقيم في قرية لواء حوران (جلين) توكل عن الحرمة اليهودية وبناتها الأربع، وهم من تبعة دولة فرنسا، سكان باريس فيما يتعلق بهنّ من الأملاك والعقارات والأراضي، أميريّةً كانت أو غير أميرية مع مشتملاتها من الغراسات الجارية بملكهنّ، ومن الأملاك المتصلة إليهنّ من ولاية سورية”([185]).

أملاك هذه العائلة اليهودية، في دمشق وريفها، وهم من تبعة فرنسا، ومقيمون فيها (باريس). فالأب على ما يبدو، تملك كثيراً من العقارات، نتيجة ازدهار تجارته وأعماله في مدينة دمشق وريفها. وتوفي وآلت التركة إلى الأم وبناتها، نلاحظ مدى تأثير الحماية الأوربية ودورها.

لقد عانت قرية بقين الواقعة في ريف مدينة دمشق، من ناحية الغرب الكثير من تملك اليهود في تلك المرحلة. وقد أخذ اليهود يبيعون عقاراتهم فيها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فترة التوجه الكبير لليهود لاحتلال أراضي فلسطين، وشراء العقارات والأراضي هناك، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“اشترى صاحب السعادة عبد الغني زاده متصرف لواء كاليبولي(*) حالاً، ومن وجوه وأعيان دمشق، من الخواجة مراد فارحي من سكان اليهود، الوصي على ابنه مايير فارحي، جميع الدار الكائنة داخل فناء قرية بقين التابعة لقضاء الزبداني، التابع لدمشق، المعروفة بدار حانون ماير فارحي، وجميع الحصة من غراس قطعة الأرض التابعة للدار المعروفة ببستان العين، وجميع الحصة من غراس بستان الشيخ، وذلك بثمن مقداره (40 ذهب) عين عثمانية”([186]).

وقد وجدنا كثيراً من الوثائق، التي تحدثت عن بيع عقارات في منطقة بقين، تخص اليهود العرب. وعلى ما يبدو فإن ذلك كان استعداداً للرحيل إلى مناطق أخرى والتملك فيها، خاصة إلى فلسطين حيث نقرأ في إحدى الوثائق ” إن الخواجا داود اسلامبولي وشحادة لزبونا من طائفة اليهود، ومن سكان محلة اليهود، الوكيلين عن زوجتيهما، وافقا على صحة جريان جميع الدار الكائنة في قرية بقين، وجميع مشدّ مسكة قطعة الأرض المعروفة بأرض الحوطة وأرض العريضة و(68) قطعة أرض، بيد هاشم بن أحمد بن عبد الله ملك الموكلين”([187]).

نلاحظ من الوثيقة أن الأملاك والأراضي ملك الزوجتين ويعمل بها فلاحون من القرية. وربما كانت ملكاً لهما وانتقلت للصراف اليهودي أو الغني اليهودي، الذي بدوره بدأ بالبيع للتوجه إلى فلسطين والاستيطان هناك

وذكرت الوثائق أن هناك(21) قطعة أرض مغروسة ملك مايير فارحي في قرية بقين([188]).

ممّا تقدم، فإننا نجد أنفسنا أمام استملاك واسع لمنطقة وادي بردى وبقين في الزبداني، من قبل اليهود في تلك المرحلة، الذين بدؤوا في بيعها، حيث أخذ الباشوات والأغنياء الدمشقيون يشترون تلك الأملاك والأراضي منهم. كما نجد في إحدى الوثائق التالية:

“اشترى نوري قائمقام آلاي رديف الشام شيخ زاده من محلة القنوات من سلمون فارحي وولده روفائيل، من سكان محلة اليهود بالشام.. جميع عمارة وبناء الدار الكائنة في بقين وادي العجم، من أعمال لواء دمشق المشتملة على ساحة سماوية وأربعة مربعات وبايكة ومنافع شرعية.. وجميع غراس الإحدى والخمسين قطعة أرض المتفرقات بالقرية المذكورة”([189]).

وجاء في وثيقة أخرى مايلي: “اشترى الشيخ عبد القادر قضماني وعمر الاسلامبولي، جميع المقسم المقسـوم والمفروز من جميـع الدار الكائنـة بحارة اليهـود بدمشق الشـام بزقاق القبة”([190]). وأن: “خالد نصار من محلة العمارة بدمشق، اشترى من شمعون الشطاح الموسوي من سكان محلة اليهود.. جميع (غراس كرم قطعة الأرض الكائنة بقرية حرستا البصل، قضاء دوما. وتعرف بأرض مزرعة الجوانية)”([191]).

وبالمقابل، أخذ أغنياء اليهود يفتشون عن دمشقيين يملكون أراضي وعقارات، جنوب سورية، ويريدون تأجيرها أو بيعها. وإذا تمنعوا كانوا يغرونهم بمبالغ كبيرة من المال. وخاصة في مناطق فلسطين وحوران والقنيطرة والجولان، كما ستشرح الوثائق التالية ذلك حيث نقرأ في إحداها مايلي:

“الموقع لدى الحاكم الشرعي يعقوب بن لاوي من سكان محلة اليهود بالشام.. وكّل عنه بابيير بن لاوي من أهالي حيفا الغائب الآن عن دمشق، في الفراغ عن مشدّ مسكة الحصة ومقدارها (12فداناً رومانياً) ونصف فدان من أصل ثمانية وعشرين فداناً رومانياً(*) من كامل مساحة القرية بقضاء حيفا([192]) المعروفة بقرية الريحانة المعلومة في محلها، عند الخاص والعام. فراغاً بالوفاء بمنزلة(**) الرهن عن مبلغ مقداره (600 ليرة ذهب مجيدية و36 ليرة ذهب مجيدية على دفعات، كل سنة الثلث([193])…”

نلاحظ مما سبق أن البيع كان بالتقسيط على ثلاث دفعات. كل سنة يدفع الشاري اليهودي ثلث ثمن الأرض(لمدة ثلاث سنوات).

وكانت هناك علاقات ليهود دمشق مع يهود صفد، حيث رهنوا أملاكاً لدمشقيين مقابل الاستدانة من اليهود في منطقة صفد. وربما اشترى اليهود تلك الأملاك، حيث نقرأ في إحدى الوثائق التالية:

“إن الدمشقي محمد بن طيفور الساكن في الشاغور، وكّلَ عنه وأناب نحول بن ساسون اليهودي، في بيع ما هو جارٍ في ملكه الدارين الكائنتين في حي اليهود داخل قصبة صفد”([194]).

ومن خلال قراءة الوثائق، عثرنا على وثائق مهمة جداً، تشرح وتفضح نية اليهود وأحلامهم في السيطرة على المنطقة حتى سيناء.. فقد جاء في إحدى الوثائق مايلي:

“استأجر درويش مرتضى، بالوكالة عن مسيو فرنك بن يعقوب الشهير من تبعيّة ألمانيا حسبما وكله… جميع بياض وقرار قرية جلين(*) الكائنة في الجيدور التابع لواء حوران، من أعمال دمشق الشام، وجميع بياض قرار كوكب القبلية الكائنة تابع المزبور الملاصقة للقرية الأولى. ويشمل كل منها على سهل وعر أقاصي وأداني مصايف ومشاتي ويحدها قبلة: وادي اليرموك، وشرقاً: رجم الحجارة المعروف برجم الجمل، وشمالاً: تل عشترة وأراضي الشيخ سعد والوادي الفاصل بين أراضي سحم الجولان والطريق الآخذ إلى مزيريب وتمامه أراضي اليرموك. وجنوباً: أراضي جلين، وغرباً: النهر الكبير الذي هو وادي اليرموك. ومزرعة المزيرعة التابعة لأراضي قرية المزيريب. للزراعة الشتوية والصيفية والمغل والاستغلال للعمارة والبناء لمدة خمسة عقود. كل عقد ثلاث سنوات كاملات. عن كل سنة 750 قرش فضة و ذهب”([195]).

ودلت الحفريات الحديثة في المنطقة، أنها تعرضت لعمليات الحفر والسلب والنهب لكنوزها التي أُخرجت وهُربت خارج البلاد، منذ أوائل القرن العشرين، حيث حدثت فيها عمليات حفر مبكرة وسرية، أتت على الأجزاء والظواهر الأكثر أهمية فيه. على أن تلك العمليات قد تتالت في الداخل، على مدى القرن العشرين بكامله، حيث نبشت القبور واستخرج منها ما فيها. وكذلك فتحت أغلب الكهوف والمغارات التي تضم المدافن والخزانات والمستودعات، ونبشت محتوياتها. ولم يصل منها شيء لمديرية الآثار والمتاحف([196]).

وقد لعبت أسرة روتشيلد اليهودية الشهيرة ذات التبعية الفرنسية، دوراً مهماً في الاستيلاء على مساحات واسعة في قضاء القنيطرة، في تلك المرحلة.

جاء في إحدى الوثائق مايلي:

“استأجر هرون(*) مدير مكتب الأليانس الإسرائيلي بدمشق الشام، من طائفة اليهود ومن تبعية دولة فرنسا المعرف به من قبل جبران لويس أحد وكلاء الدعاوي، أراضي من حضرة الموسيو البارون ادمون بن هامس ده روتشيلد من تبعيّة دولة فرنسا الموجود الآن بباريس، حسب ما وكله بموجب الوكالة المحررة لدى مقاولات مدينة باريس باللغة الفرنساوية، فأجره:

1 – جميع بياض وقرار أرض القرية التابعة لقضاء القنيطرة أحد أقضية ولاية سورية، وتعرف بقرية كوكب المشتملة على أراضٍ وسهل وعر وأقاصي وادي مصايف ومشاتي يحدها قبلة : المطل ما بين كوكب ومزرعة آكاراتي المطل على رأس الحدود، وعند رسم الجوز. وشرقاً: وادي العلان، وشمالاً: عين التبرق إلى المطل وتمامه وادي العلان، وغرباً: رسم الجوز إلى حد رسم التين إلى عين التبرق.

2- جميع بياض وقرار أرض القرية الكائنة في الجيدور، تابع لواء حوران التابع لسورية، وتعرف بقرية كوكب القبلية المشتملة على نظير ما اشتملت عليه قبلها. ويحدها قبلة: وادي اليرموك، وشرقاً: أراضي قرية جلين الآتي ذكرها فيه، وشمالاً: أراضي سحم الجولان يفصل بينها الوادي، وغرباً: النهر الكبير الذي هو وادي اليرموك، وجميع بياض وقرار أراضي القرية الكائنة تابع المذكور الملاصقة لقرية كوكب القبلية المحدودة أعلاه، وتعرف بقرية جلين المنوّه بذكرها أعلاه ويحدها قبلة: وادي اليرموك، وغرباً: رجم الحجارة ورجم الجمل، وشمالاً: الطريق الآخذة إلى قرية مزيريب وتمامه أرض كفر السابر، وغرباً: وادي الجليلات.

3-  جميع الحصة الشائعة من جميع بياض وقرار أرض المزرعة الكائنة تابع المذكور الملاصقة للقريتين المذكورتين. ويحدها قبلة : قرية جلين(**)، وشرقاً : الطريق السلطاني إلى قرية المزيريب، وشمالاًٍ : قرية الشيخ سعد بينهما تل عشيرة، وغرباً : أراضي قرية كفر السابر يفصل بينها السيل وأوراق الأراضي الرسمية، وإعلام شرعي مسطر بمحكمة شرعية ثغر بيروت لمدة (15 عاماً) عن كل سنة 800 غرش”([197]).

وقد أجَّر هذه الأراضي لليهود علي بن صالح العجلوني، الساكن في باب شرقي بجنينة الجذما، ومن تبعة الدولة العلية، الناظر الشرعي على وقف الجذما، فأجَّره ما هو جار في الوقف المرقوم (جميع الأراضي التي ذكرناها سابقاً) في وادي اليرموك (حوران والقنيطرة). كله جار في ملك وتصرف موكل المستأجر بموجب أوراق رسمية محفوظة بيده للزراعة والاستغلال مدة 15 عاماً، في الوقت الذي دُفع أجرُ أكبر من قبـل أحد المواطنين العرب المسلمين الدمشقيين لاستئجار الأراضي، لكن المؤجر رفض. والمواطن الدمشقي هو محمد بن رشيد القهوجي، من سكان محلة العمارة، من تبعة الدولة العلية وبزيادة (760) قرشاً كل عام عن اليهودي(دي روتشيلد) لكن المؤجر الناظر على الوقف، فضل اليهودي الفرنسي (كما جاء وقرأنا في الوثيقة). وقد ذكر في نهاية الوثيقة: للمستأجر حرية التصرف والزراعة والبناء كيفما يشاء في الأراضي المذكورة..)([198]).

واستفاد يهود دمشق من التعامل مع الإدارة العثمانية، حيث زودوا صندوق مال خزينة دمشق بالأموال، وتراكمت الديون لهم في الخزينة مع الفوائد، لذلك استطاعوا التلاعب بالإدارة العثمانية كيفما شاؤوا حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى الوكيل عن الحاخام اسحاق أبو العافية الموسوي من محلة اليهود بدمشق الشام قائلاً: إن الموكل الحاخام أبو العافية المذكور يستحق من صندوق خزينة دمشق الشام العامرة مبلغاً مقداره (76875قرشاً) عملة تراكم ديون خزينة الشام، بسبب دين قرض شرعي. أقرض ذلك من ماله قبل تاريخه لخزينة الشام”([199]).

واستدان كذلك من اليهود، بسبب الضائقة المالية، أصحابُ الرتب العليا في الدولة العثمانية في تلك المرحلة حيث: ” ادعى ميخائيل شعيا المغربي الموسوي من سكان محلة اليهود بالشام، على محمد نجل نجيب باشا ميرلوا فرقة رديف الشام سابقاً ابن السلانكلي، وعلى عبد الرحمن أمين بيت المال بدمشق المقيمين في سوق ساروجة أنه يستحق بذمة والدي الأخوين المرحوم نجيب باشا مبلغ مقداره (2075 قرشاً) ثمن بضاعة إفرنجية ابتاعها واستلمها منه استجراراً”([200]).

أما عن الصرافين اليهود فحدث ولا حرج (كما شرحنا سابقاً) فقد شرحت الوثائق بدون حرج، ممارساتهم، حيث انتمى الصرافون إلى مختلف العائلات اليهودية القاطنة في مدينة دمشق، في تلك المرحلة مثل: طوطح، لينادو، مردخاي(*)، ساسون، فارحي، عبادة، الـخ….

وكانت الإدارة العثمانية تعاملهم مثل بقية أفراد المجتمع الدمشقي وطوائفه، وكانوا يحصلون على حقوقهم كاملة، حيث عمل بعضهم في وظائف حكومية. فقد قرأنا في إحدى الوثائق التالي:

“المدعي الخواجة الياس ساسون من طائفة اليهود، مستخدم في شركة الكهرباء”([201]).

وأخيراً، لابد من ذكر أن اليهود كانوا دائماً يمارسون الغش مع الآخرين ويسرقونهم(وهذا حلال في ديانتهم)، وهو مايسمّى غش الأغيار(الأمم) وسرقتهم. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعى جرجي نحاس ترجمان قونسلاتو دولة اوستريا والمجر بالشام، على اليان مرشاق مدراحي من تبعة الدولة العلية… وفي حيثيات الدعوة أنه سلمه 24900 أقة سوس منقى من أجل طحنه وإعادته له بأجرة معلومة، وأن المرقوم أدخل الغش ووضع بالسوس تراباً حتى نقص (5آلاف أقة). وتقرر ضبط واسترداد السوس المسروق”([202]).

وإن من أوضح الدلائل على غنى اليهود الفاحش في دمشق، في فترة دراستنا، ما يعرف بدار يوسف عنبر اليهودي([203]).

فقد ذكر القساطلي أن هذه الدار ليس لها نظير في أوربا نفسها، لأنه فضلاً عن اتساعها العظيم، وانتظام هندستها وسعة بركها وكثرة مياهها، تحتوي من الرخام الملوّن المنقوش، ما لا مثيل له. حتى انه قيل إن هذه الدار هي ” بعلبك في دمشق “. وكان الشروع في بنائها سنة 1867م واشتغل بها العمال بضع سنين، ولم تنْتهِ بعد. وقد بلغت كلفتها حتى الآن 43.000 ليرة، ولو بنيت يوم بناء دار انطون الشامي لكلّفت 90.000 ليرة ذهبية.

وهناك دار شمعايا أفندي والخواجة اسلامبولي والخواجة لزبونا بحي اليهود، وكل واحدة منها كلفت أكثر من 20.000 ليرة وبنيت بين 1865م- 1873م([204]).

8 – فئة المستأمنين والمتفرنجين من أهل دمشق (البرجوازية الوسيطة):

عاش في مدينة دمشق، كثير من الأجانب (الجاليات الأجنبية) وازداد عددهم في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نتيجة ((التسهيلات التي حصلوا عليها من خلال المعاهدات والامتيازات التي قدمتها السلطنة العثمانية لأوروبا من دون مقابل، حيث شكلت في تلك الفترة، خطراً هدد سلامة السلطنة ورعاياها؛ عرف هؤلاء الأجانب بالمستأمنين، وكان هؤلاء من مسيحيّي دار الحرب الذين سُمح لهم بالعيش والإقامة في دمشق، واعترفت بهم السلطنة كطوائف أو ملل مستقلة لها شرائعها وقوانينها الخاصة. وأُعفوا من شرط دفع الجزية في البداية،لأن وجودهم كان مؤقتاً لا يتجاوز عاماً واحداً. غير أنه في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كثر عددهم وشكلوا جاليات واسعة))([205]).

وقد تنبهت السلطنة إلى وجودهم وكثرتهم، فأخذت تنبه إلى ضرورة جمع الجزية منهم، وترسل الفرمانات (الأوامر) بخصوص ذلك، حيث نقرأ في الأمر السلطاني ما يلي:

“أمر سلطاني باستيفاء الجزية المفروضة على أهل الذمة، من طوائف اليهود والنصارى والأعاجم العابرين والقاطنين منهم”([206]). وقد مثلت هذه الجاليات مختلف الدول الأجنبية: ألمانيا([207])، روسيا([208])، ايتاليا([209])، أمريكا، فرنسا([210])، انكلترا([211])، اليونان، وغيرها…

وانضوى تحت لواء الجاليات الأوروبية، في مدينة دمشق وحمايتها، كثير من اليهود، وأصبحوا من رعايا دولها، مع أفراد من المسيحيين العرب الدمشقيين وفيما بعد، من بعض المسلمين، حيث ذكرت الوثائق أسماء بعضهم، ومنهم:

“رزق الله عرقتجي من حمايا دولة فرنسا بالشام “([212]). وفي وثيقة أخرى نقرأ: “عطية وصقال من محلة اليهود في دمشق من تبعة دولة فرنسا”([213]). وفي أخرى: “سعيد ابن قاسم المغربي من تبعة دولة فرنسا بالشام”.([214])

وهكذا نلاحظ أن الحمايا كانوا من مختلف الطوائف في مدينة دمشق في تلك المرحلة.

استطاع الحمايا(*) (البراءتلية) وهم سكان محليون دمشقيون تمتعوا بالحماية الأجنبية بموجب البراءة السلطانية، رغم كونهم متحدرين من مدينة دمشق وأهلها، استطاعوا الحصول بطريقة أو بأخرى، على جواز سفر أوروبي، مما وفر لهم التمتع بالكثير من الميزات أو الامتيازات، كالإعفاء الضريبي والتجنيد الإلزامي، والرسوم الجمركية المنخفضة وتمثيلهم في البعثات الدبلوماسية أمام السلطات العثمانية، شأنهم في ذلك شأن الأوروبيين. وقد أفادوا من هذا الوضع السياسي الخاص، بالإضافة لميزات يتفوقون بها على الأجانب، مثل اللغة والصلات المحلية والخبرة. لذلك غالباً ما أصابوا نجاحاً كبيراً في مجال التجارة والمال.

يصعب في الواقع، تقدير لماذا كان حاملو البراءة (الحمايا) في دمشق بلا استثناء، من أبناء المسيحيين واليهود، وعدم منح الأوروبيين الحماية للمسلمين بكثرة([215])، إلا نادراً. فقد وجدنا بعض الوثائق تذكرُ أن بعض المسلمين هم حمايا لدولة أجنبية. يجوز في تفسير ذلك، أن السلطات العثمانية كانت ترفض ذلك أو أن أصحاب الأموال من المسلمين، كانوا مطمئنين إلى التعامل مع أوروبا، دون الحصول على وضع الحماية. وهناك احتمالٌ منطقي هو أن الأوروبيين (شأنهم دائماً) إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية، كانوا متحاملين على المسلمين المحليين. فمثلاً رأى القنصل البريطاني ريتشارد وود الذي كان مسؤولاً عن حصول عدد من يهود دمشق على وضع الحمايات، في الأفندية والأعيان الدمشقيين، العقبةَ في وجه الإصلاحات اللازمة. وعبر عن عدائه للشريعة الإسلامية وممثليها من العلماء([216]). أما في كيفية الحصول على وضع الحمايات، فقد ذكر القنصل البريطاني روجرز أن هذا الأمر كان يتم إلى حد بعيد، بمبادرة من المتطلعين إليها: ” إن الحصول على حماية قوة أجنبية هو ما يطمح إليه كل يهودي موسر من الرعايا الدمشقيين العثمانيين وإنني أخال أن حكومة صاحب الجلالة لا ترغب في أن يكون في عداد مواطنيها، أشخاص ينظر إليهم على أنهم رعايا..” ثم إن حكام النمسا وبروسيا كانوا يفضلون يهود دمشق الذين استفادوا إلى حد بعيد، من وضعهم الجديد، “حيث تبدلت ظروف اليهود وتغيَّر المشهد الآن، وأصبح بمقدور اليهود الذين باتوا آمنين، تحت حمايـة القناصل الأوروبيين، مزاولة البيع والشراء وجني الأرباح”([217]). أي استغلال الناس كما يريدون دون أن يعترضهم أحد، لا دولة ولا قضاء (كما وجدنا سابقاً في دور الصرافين اليهود في مدينة دمشق).

عاش المستأمنون الأوروبيون في عزلة عن المجتمع الدمشقي، حضارة([218]) ولغة وديناً. في البداية لم يحاولوا الانخراط مع السكان المحليين. ولكن بمرور الزمن، حاولوا التسرب إلى المجتمع من خلال اعتمادهم على عناصر منه، شعرت أنها تتآلف معهم، وهي بعض العناصر المسيحية الشامية الأصل والمحتد، واليهود الدمشقيون، لأن هؤلاء الأجانب كانوا بحاجة إلى من يشد أزرهم أمام السلطات العثمانية الحاكمة، إضافة إلى المعاهدات والامتيازات التي حصلوا عليها([219]).

إننا لانستطيع أن نبرِّر لهذه الأقليات مافعلته، بأنها كانت تعاني من بعض الظلم والتفرقة الواقعة من قبل السلطات العثمانية، وبأنها من أبناء الوطن، وتريد المساواة مع غيرها، ضمن نطاق الأمة الواحدة اجتماعياً وحضارياً. إذْ إنّ ذلك لا يسوغ التوجه نحو الأجنبي، إلا إذا كانت هناك مصلحة اقتصادية أو تجارية مفيدة لهم وللوطن كله، لأن الظلم العثماني كان واقعاً على الشعب كافة، بكل طوائفه وفئاته الاجتماعية.

لقد تمتعت الأقليات في مدينة دمشق، في تلك المرحلة، بحقوقها الخاصة كاملة بموجب قانون التملك ” الذي أصدرته السلطنة منتصف القرن التاسع عشر. ولكنها وجدت في طبقة الأجانب، على ما يبدو، سنداً معنوياً وقوة اقتصادية متطورة، مما دفع البعض للعمل كوكلاء تجاريين ومترجمين ووسطاء. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“سليم صبري ترجمان قونسلاتو دولة انكلترا بالشام “([220]).

“استدعاء من الخواجة كوخ بالوكالة عن لوتيكة وشركاه تجار قومسيونجية بالشام”([221]).

لقد كوّن هؤلاء طبقة برجوازية، ثم لحق بهم كثير من المسلمين الذين انضموا إلى نفس المجال. وهذا ما برز في مدينة دمشق وغيرها من مدن سورية الكبرى، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين.

“هذه الطبقة تختلف في عقليتها كثيراً عن مسيحيّي القرى والمدن الصغيرة فهي أكثر غنى وتميل إلى تقليد أوروبا والجاليات التي تعمل معها في كل مظاهر حياتها”([222]).

اكتشف حاملو(البراءة) الذين عملوا مع أوروبا، عالماً متطوراً يمكن أن يدر عليهم أرباحاً كبيرة. لذلك توجهوا غرباً (تغربوا) وربطوا مصالحهم بأوروبا وأخذوا يعملون للحصول على براءات رسمية تخولهم الحق في أن يصبحوا بموجبها، من رعايا تلك الدول، ويتمتعوا بحقوقها وامتيازاتها. أي أغراهم المجتمع الأوروبي، فبدؤوا يبتعدون عن المجتمع الدمشقي.

واضطلع هؤلاء بدور بارز في فترة الضائقة المالية التي مرت بها السلطنة العثمانية عامة، ومدينة دمشق خاصة، في منتصف القرن التاسع عشر، حيث أعلنت إفلاسها وصدر مرسوم محرم عام1881م بإنشاء إدارة الدين العثماني العام التي يشرف عليها الدائنون الأجانب([223]). وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا وحدهم المقرضين الذين اغتنموا فرصة الاقتراض من مصادر أوروبية، بفائدة منخفضة نسبياً، وإعادة الإقراض بفائدة محلية مرتفعة([224]) فإنهم ركَّزوا جهودهم على المعاملات المالية مع خزينة الولاية. والذي سهَّل لهم ذلك شعور الإدارة العثمانية بالقدرة على السيطرة على هؤلاء الدمشقيين، أكثر من ذوي الأصل الأوروبي، ولكن بتأمين سداد الدين العام الذي بلغ مائتي مليون جنيه استرليني من ريع بعض موارد الدولة المخصصة لهذه الغاية، وبهذا وجدت إلى جانب خزانة الدولة خزانة ثانية مستقلة تسيطر على جزء من الدخل الوطني.([225])

وتمتع البراءتلية (حاملو البراءة والحماية الأجنبية، بتمثيل تام من قناصل الدول التي كانت توفر الحماية لهم. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعى سليم صبري ترجمان قونسلاتو دولة انكلترة بالشام، على جرجي غناجة كاتب بدمشق، بسبب دين بموجب سند للأمر، وصدر الحكم بهيئة مختلطة بحضور سليم مشاقة ترجمان قنصل الدولة المشار إليها. واتخذ القرار بالدفع مع الفائض والرسوم”([226]).

لذلك استفاد الأوروبيون والعثمانيون معاً من “الحمايات” إذ كانوا يسهلون الاستثمار، ويقومون بخصم القروض المتعذر سدادها، بل انخرط بعض القناصل في عمليات الإقراض، وزاولوا التجارة بوساطة حماياتهم. والّلافت للنظر، أن طريقة تحصيل الديون المتراكمة على الخزينة الدمشقية، في تلك المرحلة المسيطر عليها من قبل المستأمنين وأصحاب الحمايات، كانت بأن يحصل أصحاب الحمايات على السندات المالية، وخاصة من المناطق المجاورة لدمشق، حيث أضحى مستوى المديونية مصدر حرج كبير للمسؤولين العثمانيين المجبرين على ضمان تحصيل القروض ومصدر إزعاج لقناصل الدول الأجنبية الملزمين بتمثيل حماياتهم. وقد اقترح القنصل البريطاني من جانبه، تقديم قرض خارجي لإصلاح الوضع في مدينة دمشق، لكن الإدارة العثمانية امتنعت عن الأخذ بهذا الاقتراح، واستمرت في محاولة الحصول على الأموال من مصادر محلية([227]).

ولما كانت الخزينة مضطرة لأن تعيد إصدار السندات، سنة بعد أخرى، فقد أصبحت إدارة الولاية برمتها، تحت سيطرة مقرضي المال (من حمايات) الدول الأوروبية الذين أمنوا النفقات الإدارية والرواتب المدفوعة ونفقات الحج أيضاً، فكانت الخزينة مضطرة أن تدفع الرواتب بشكل حوالات. وبما أن قيمة القرش التركي كانت في انخفاض مستمر، والفلاحون عاجزين عن السداد، فإن الحوالات كانت تخصم بخسارة كبيرة لأي شخص يقبل بها. وقد أفلح حاملو الحمايات في كسب الكثير من هذه التجارة أيضاً. لذلك كثر عدد حاملي (البراءة) الحماية في مدينة دمشق وكثر عدد المدعين بحملها. ولما شعرت الإدارة بخطورة الوضع، أخذت تضع الأنظمة والقوانين لضبط صحة هذه الادعاءات، وتفتش عن صحة انتماء مثل هؤلاء لتلك الدول الأجنبية. ففي إحدى الوثائق نقرأ أنّ:

“حلمي أفندي من وكلاء الدعاوي بدمشق، ادعى على خضر البوشي صراف من تبعة دولة فرنسا بالشام، فيقضي أن يصير طلبه بواسطة القونسلاتو، وعليه لزوم الاستعلام عن تابعية المدعى عليه من قلم مديرية الأمور الأجنبية… وبالاستعلام ورد الجواب الذي لدى مطالعته، وجد أنّ خضر البوشي شامي الأصل ومن تبعة الدولة العلية وإذا لم يحصل تبديل تابعية مثل هؤلاء الأشخاص بأوراق معتبرة، تطبيقاً لنظام التابعية، لا ينظر إليهم بنظر الأجنبي. وقد صدر الحكم الغيابي بدون هيئة مختلطة”([228]).

أخذت الإدارة العثمانية في مدينة دمشق، تدقق وتتشدد إزاء هؤلاء التابعين ومدعي الحماية لدولة أجنبية، حيث كثر عددهم في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين([229])، وأخذ حاملو البراءة بالاحتماء بالقنصليات الأجنبية، بغية التخلص من الواجبات الوطنية، والحصول على المزايا التي تمتع بها الأجانب بموجب الامتيازات الأجنبية. فقد تضمّنت إحدى الوثائق أنّ:

“السيد محمد رشيد نجار من أصحاب الأملاك بدمشق، ادعى على مايير فارحي، وهو صراف من أهالي دمشق بدين (100ليرة فرنساوية) بموجب سند. لذلك ولعدم توفية الدين، يطلب حجز أراضيه بقرية بقين ووادي العجم. ثم ادعى مايير فارحي أنه من تبعية دولة إيتاليا بالشام، وأنه قدم طلبه بواسطة قونسلاتو الدولة المشار إليها.. وبناء عليه، صار الاستعلام من جانب مديرية الأمور الأجنبية عن تابعية المدعى عليه. وقد ورد الجواب ومفاده أنه توفيقاً لأحكام نظام نامة التابعية والأوامر الموجودة التي تنصّ على أن من كان من نفس أهالي الشام ولا يثبت تابعيته بأوراق معتبرة، فلا يصير اعتباره بنظر الأجنبي، ويصدر الحكم عليه بدون هيئة مختلطة، ولا ترجمان الدولة المشار إليها([230]).

وهكذا، أخذ كثير من الذين استدانوا الأموال، في محاولة منهم لعدم ردّها لأصحابها، خاصة من اليهود، يلجوؤن لحماية الدول الأجنبية، علها تساعدهم على مواطنيهم وتأخذ حقوقهم وتعينهم على ظلم الآخرين.

كما أننا نجد أن كثيراً ممن أرادوا التخلص من دفع الديون أو اصدار الأحكام لصالحهم، يدعون أنهم من تابعية دولة أجنبية لذلك بدأت الإدارة العثمانية تقف في وجه مثل هؤلاء، وتدقق في أوراقهم.

ففي إحدى الوثائق نقرأ أنّ:

“الأمير عبد القادر الجزائري الحسني من سكان العمارة، ومن تبعة دولة فرنسا بالشام”([231]).

حتى إن القناصل أنفسهم تمنعوا عن دفع أجور بعض العمال لديهم، ليتخلصوا من الواجبات. واعتبروا الناس في المدينة خدماً لديهم، لا يستحقون أجورهم حيث نقرأ في إحدى الوثائق أن “محمود الفحام القواص(*) عند قونسلاتو دولة انكلترا، يطالب بدين 9 ليرات عثمانية والقونسلاتو ممتنع عن الدفع”([232]).

وخلاصة القول أن معظم المستأمنين والحاصلين على الحماية الأجنبية، حاولوا استغلال مراكزهم وحماية القنصليات لهم، للتهرب من دفع ما عليهم من استحقاقات وضرائب وديون، ووضعوا أنفسهم خارج مجتمعاتهم، وتوجهوا نحو الغرب في كل شؤونهم.

9 – المهاجرون ودورهم في توسع المدينة :

هاجر إلى دمشق، سكان من قوميات مختلفة في تلك المرحلة، إذْ إن نشوء حي المهاجرين يدين بوجوده إلى أسباب تاريخية، كما يدل عليه اسمه، ففي عام 1314هـ/1895م، كانت هذه المنطقة خالية تماماً، وكان بيت الداغستاني الأخير في جهة الغرب من دمشق، في المكان المعروف الآن بطلعة الباش كاتب عبد الحميد، والذي تمر منه الطريق البرية الواصلة بين دمشق وبيروت، خارقةً منطقة المهاجرين، حتى تصل إلى قبّة السيّار الحالية، حيث كان المسافرون يستريحون فيها أو يبيتون الليل ثم يتابعون السير إلى بيروت عن طريق دمر، فوادي بردى، وذلك، قبل أن يمد الخط الحديدي في عام 1316هـ/1897م عبر الوادي. وكان أنْ حدث تطور ملحوظ على مخطط مدينة دمشق العمراني في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث شمل مختلف الصُعُد، فَشُقَّتْ طرق جديدة ووُسِّعتْ، وجُددت أسواق قديمة وأُحدثت مناطق سكنية([233]).

ونلاحظ في تلك المرحلة التي توسعت فيها دمشق عمرانياً، ان تعمير المباني الدينية كان مرافقاً لتعمير الدور والمساكن، من شمال دمشق إلى جنوبها، حيث بُني القسم الشمالي لحيِّ الميدان،والجنوبي لحيِّ القدم. وكثرت في هذه المناطق، القبور([234]) والأضرحة([235])والمدارس([236]) والخانات ونقل المهاجرون معهم تأثيراتهم العمرانية التي أخذت تظهر في الدور التي بنيت في حي المهاجرين وغيره. وكانت أولى المباني التي أنشئت في حي القصاع، مستشفى فكتوريا الذي أسسه الانكليز عام 1315هـ/1896م ومستشفى القديس لويس الذي أسسه الفرنسيون، بعد ثماني سنوات، عام 1904م، وذلك لغايات تبشيرية. وكان لهما أكبر الأثر في تجمع السكان، في حي القصاع الحديث، الواقع في الجهة الشمالية الشرقية من دمشق القديمة. وهو ضاحية مهمة، ولا تقل أهميتها عن الضواحي السابق ذكرها. فقد كانت عبارة عن بساتين خضر وفاكهة تدعى (الزينبية)، نسبة إلى العين الموجودة فيها.

قَدِمَ المهاجرون من مناطق مختلفة، ليس من البلقان فقط، وإنما من مناطق وشعوب وقوميات متعددة مسلمة.

ولقد تحدثت الوثائق عن البلدان التي جاء منها المهاجرون؛ كإسبارطة([237])، وأماصية، وهما مدينتان يونانيتان. وعاش في مدينة دمشق وريفها كثير من المهاجرين من الداغستان([238]). وذكرت الوثائق كذلك، بعض البلدان التي جاؤوا منها، مثل أبازاغ ولواء قوزان([239]) وجفال طاغي ومن قفقاسيا ومن الروميلي ومن البوسنة والهرسك([240]). ومن جزيرة كريت(*)([241]) والمورة(**)([242]) والسليمانية([243]) ومن الآستانة([244]) ومن مدينة كوتاهية([245]). ومن مدينة قونية”([246]). و ديار بكر([247]) واستانبول([248]) وماردين([249]).

ونستطيع القول إن مدينة دمشق اتسعت وزاد عدد سكانها الأصليين. ومما ساهم في ذلك، هجرة من ذكرنا سابقاً، وكذلك هجرة أبناء الريف إلى المدن، وخاصة الغرباء من المسلمين، فجاءها أبناء الأقاليم الشامية والعربية والعثمانية وغيرها، بحثاً عن الرزق والأمن والاستقرار في رحابها.

وممن جاء إلى دمشق مهاجراً، وسكن واستقر فيها، أناس من مدينة ملطية الواقعة غرب تركيا. وكمثال عن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق،”أن شخصاً قد وكل عنه عمر بن عبد الله الملاطية لي”([250]).

ووجدنا وثائق تحدثت عن مهاجري بخارى(*) إذ أننا نقرأ في إحدى الوثائق عن امرأتين من بخارى، قدّمتا دعوى للحصول على حقوقهما. وهما”الحرمة صندوق بنت جليناي بن فل بابا البخار لي والحرمة نعيمة بنت يكشجي بن بالشواق البخاري من سكان الصالحية حي المهاجرين”([251]).

وأخذ كثير من المهاجرين الذين استقروا في مدينة دمشق، ببيع أملاكهم في بلدانهم الأصلية، بعد أن طاب لهم الاستقرار نهائياً في دمشق الفيحاء. إذ نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“حضر أحمد نور الدين الأستانة لي، من محلة السليمانية في الأستانة، المقيم الآن بدمشق سوق ساروجة، وأناب عنه تحسين الأستانة لي، في بيع ما هو جار في ملك الموكل، وذلك جميع الحصة من الدار الكائنة بمحلة الأستانة العليّة نمرته 45 محلة سنده الجارية الدار في وقف الحرمين الشريفين”([252]).

ومن منطقة كردستان شمال العراق، جاء كثير من الأكراد، وسكنوا في منطقة ركن الدين بالصالحية، شرق دمشق، منذ عهد صلاح الدين. ثم تجدّدت هجرتهم إلى دمشق في عصر السلطان عبد الحميد الثاني، وازدادت في عهد مصطفى كمال أتاتورك. وسمي الحي الذي سكنوه بحي الأكراد.

وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق عن أحد المدّعين في شأن من شؤونه، وهو أحد أعضاء ديوان حرب بن بدرخان عبد القادر بك أمير كوردستان من سكان سوق ساروجة([253]).

وفي أخرى نجد اسم”زين بن اشتيني الكردي من سكان محلة صالحية دمشق بمحلة حارة الأكراد”([254]).

ومن الموصل في العراق، هاجر عدد منهم إلى دمشق كما في الوثيقة التالية:

“…حضر أحمد بن كلش الموصلي من نفس أهالي الموصل الموجود في دمشق الشام سوق ساروجة”([255]). وكذلك من تكريت، شمال بغداد. ومنهم من استقر بدمشق وعمل بها. نقرأ في إحدى الوثائق:

“حضرت الحرمة توزة بنت جرجس من أهالي وسكان باب توما، ووكّلت (أحدهم) لبيع ما هو إرث لها عن والدتها كاترينا الصايغ، وذلك جميع الدار الكائنة بنفس مدينة بغداد بمحلة الشورجة”([256]).

وهاجر كثير من الأرمن إلى مدينة دمشق وضواحيها كـ”لطفي موسخيان من مهاجري أرمن المز وساكن قرية الكسوة”([257]).

وعمل المهاجرون بمختلف الأعمال، كالصيدلة والطب والكندرجية، وفي المجال العسكري وغيره.

وقد جاء القسم الأكبر من المهاجرين بسبب الاضطرابات التي حدثت في البلقان وغيرها من المدن التي كانت خاضعة للاحتلال العثماني. لذلك عيّن السلطان عبد الحميد الثاني، الوالي حسين ناظم باشا على دمشق، لإيواء هؤلاء المهاجرين، خاصة الفقراء منهم، فاختار سفح جبل قاسيون، وشكل لجنة إسكان المهاجرين التي قسمت الأرض إلى مقاسم، وأعطى كل مهاجر قطعة أرض مساحتها بحدود 100 – 150م2، ومبلغاً من المال ويطلب منه إعمارها باللبن والطين. ومازال في جادات المهاجرين العليا، نماذج من هذه البيوت. وعرفت هذه المنطقة بالحميدية. وبعد سقوط السلطان عبد الحميد، عُرفت بالمهاجرين. ومن أجلهم نقلت مياه الفيجة إلى حيّهم، ومدت خطوط الترام لإحياء تلك الأراضي التي وصل إليها المزيد منهم  عام 1309هـ/1890م. فأقاموا عليها مساكنهم قرب قناة يزيد. واستُقبل فيها أيضاً المهاجرون القادمون من الروملي، ففي عام 1315هـ/1896م، وفي عام 1319 هـ/ 1900م، وَصَل “الكريتيون” فأنشأ لهم حياً آخر على بعد 200 متر إلى الغرب من الحي الأول، وأقام لنفسه بيتاً على بعد 300م إلى الغرب من مساكن الكريتيين، يُعرف بقصر ناظم باشا (القصر الجمهوري القديم). أما إلى الغرب من هذا القصر، فكانت هناك أرض تدعى أرض الوالي([258]).

أما المهاجرون الجراكسة، فقد توزعوا في مناطق مختلفة من المدينة وريفها. حيث ذكرت الوثائق، سوق ساروجة، وحي المهاجرين، و مأذنة الشحم، ومناطق القنيطرة ومرج السلطان شرقي دمشق ([259])([260]).

وهكذا كما نرى، فإنّه بالإضافة لحي المهاجرين الذي أنشئ خصيصاً للمهاجرين الجدد الذين وفدوا في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، فقد سكن كثير من المهاجرين سوق ساروجة، خاصة الذين شغلوا مناصب إدارية مهمة، فهم في الدولة والجيش العثماني (نستطيع أن نقول الارستقراطية العثمانية) ومن معتبري المجتمع الدمشقي في تلك الفترة، حيث وصف سوق ساروجة (بحي البرجوازية). نقرأ في إحدى الوثائق:

“اشترى عثمان أغا تقاعد محمد القونية لي، من سكان سوق ساروجة، من عزتلو محمد بك أميرالاي عساكر السوارية بن طوس الأورفه لي، من سكان محلة سوق ساروجة، جميع الدكان الكائنة في الحي المذكور”([261]).

وسكن كثير من الجراكسة في ضواحي دمشق وقراها، كقضاء دوما الملحق بدمشق (مرج السلطان). نقرأ في الوثائق مايلي:

“مَنْحُ براءة لإمام جامع الجراكسـة في مرج السلطان التابع لقضاء دوما.”([262])

ولا تزال قرية مرج السلطان، حتى اليوم، يقطنها الشراكسة. وتعتبر قطعة من أوروبا لنظافتها وتنظيمها الاجتماعي وغير ذلك.

وقد قرأنا في الوثائق مايشير إلى حصول منازعة على الأراضي الأميرية، في فترة توطن المهاجرين الجراكسة في مناطق القنيطرة كما في الوثيقة التالية:

“ادعى بولص بركات وكيل دعاوى على مجموعة زراع أهالي سوفه التابعة قضاء عجلون، للمرافعة أمام محكمة بداية حقوق الشام، بدعوى الأراضي المتنازع عليها بينهم وبين الحكومة السنية، المقرر إعطاؤها إلى مهاجري الجراكسة القاطنين بقرية الحوش، المدعى أنها أراضٍ أميرية والحال هي عائدة لهم([263]).

ومن خلال قراءة كثير من الوثائق وتحليلها، وجدنا أن المهاجرين الجراكسة سكنوا في مختلف مناطق دمشق وبعض قراها، ولكن سوق ساروجة كان الأهم إذْ سكنه أعداد كبيرة من الشخصيات البارزة ومنهم الدكتورة ناديا خوست الكاتبة الدمشقية المعروفة. وفي سوق ساروجة كان هناك زقاق يدعى زقاق داور أغا، واسم”داور”شركسي محض مثل اسم “زاور” أيضاً… ونقرأ في الأمر السلطاني:”في سوق ساروجة بالشام، جامع الورد، قد توفي إمامه وطلب إلى محاسبة الأوقاف لتولي ابنه مهام والده المتوفى ووجوب العهدة إليه بإقامة الصلاة، علماً أنه مقيم في زقاق داور أغا”([264]). وزقاق”داور أغا”هو الزقاق الملاصق لمركز الوثائق من الغرب تماماً. وفيه بعض البيوت، والباقي هُدم مع شارع الثورة. ونقرأ في الوثيقة أيضاً:

“….جميع الدار ظاهـر دمشق بمحلـة سـوق ساروجـة بأول حارة داور أغا”([265]).

سكن المهاجرون في تلك الفترة، حي المهاجرين الذي بدأ نشوؤه أواخر العهد العثماني، منذ الولاية الأولى للوالي حسين ناظم باشا سنة 1314هـ/1895م. ولم يكن بالإمكان، إيواء هؤلاء المهاجرين، وهم بالآلاف، لولا قيام حسين ناظم باشا بجر مياه عين الفيجة إلى تلك المنطقة. وقد كان الخزان في الجادة السادسة، يروي كل سكان هذه المنطقة، وليس نهر يزيد.

وفي حي المصطبة بالمهاجرين، على سفح جبل قاسيون، حينما زار غليوم الثاني إمبراطور بروسيا (ألمانيا) دمشق عام 1898م، رحبت به المدينة وأكرمته، فاختارت هذا المكان للاحتفال به حيث سوّيت الأرض ومهدّت على شكل مصطبة، لاستقبال الضيوف، ووضعت فوقها خيمة عظيمة من الحرير. فأعجب الإمبراطور بالمنظر، واستغرب من عدم استغلال أهل دمشق لهذا المكان المرتفع الجميل، ونصح ببناء البيوت هناك.

وهكذا دعي هذا الحي بحي المصطبة، ثم توسع نحو الغرب في الربع الأول للقرن العشرين كما نستنتج من الوثيقة التالية:

“حضر رحمي يوسف الكريد لي القندية لي المعرف من رجب الكريد لي القنديلي وخليل الكريد لي، جميعهم من سكان الحميدية التابعة لثُمن الصالحية ومن تبعة الدولة العلية”([266]).

واتصلت مباني حي المهاجرين بمساكن حي الأكراد، وبما بقي على حاله في جهة الغرب، وقد يكون اتسع قليلاً، إذ إنَّه لا يتجاوز المدرسة الصاحبيّة، حيث تلتحم مساكنه بمساكن حي الصالحية. ولقد استمر توسع هذين الحيين شمالاً نحو الجبل، في أملاك الدولة التي بنى فيها الناس منازلهم من دون مقابل. وما زال العمران مستمراً إلى الآن، في توسعه، بهذا الاتجاه.

10- الأحوال الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين:

كان من المهاجرين، الأغنياءُ وذوو المناصب العُليا في الدولة العثمانية، مثل كاتب ضبط المحكمة الشرعية، وأميرلاي([267]) عساكر السوارية، وجراح طابور النقلية([268])، ومنهم الفقراء الذين حرصت الإدارة العثمانية على الاهتمام بشؤونهم وترتيبها بدءاً من توزيع الأراضي عليهم مجاناً، في المنطقة الجديدة التي أحدثت وسكن بها المهاجرون. وقد وجدنا بعض الوثائق، تحدثت عن نزاعات قامت بين المهاجرين على الأراضي الأميرية الموزعة عليهم، من قبل السلطات الإدارية العثمانية، في دمشق وفي الأقضية المجاورة. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعت الحرمة فاطمة الملاطية لي، من سكان محلة الصالحية بحارة المهاجرين المعروفة بالحميدية، على رشيد الجركس من نفس المحلة،”الدعوى: أنّه من الجاري بملك المدعية، جميع قطعة الأرض الخالية من البناء الكائنة بالمحلة المرقومة التابعة لداري التي مساحتها عرضاً شرقاً بغرب 5 أذرع(*) وطولها شمالاً قبلة 23 ذراعاً، بالذراع المعماري المعروف بدمشق، الآيلة مع داري بالشراء الشرعي، بموجب سند الطابو النظامي المقيّد بدفتر الدولة. وهذا المدعى عليه منذ 4 أشهر اغتصب هذه القطعة إلى أرضه، فأطالب بكف يده عنها وإعادتها إلي، ولدى سؤاله أجاب: إن هذه الأرض أميرية. وقد أحسنت عليّ الدولة العثمانية، أيدها الله تعالى بعرصة، وملكتني إياها بموجب ورقة طابو مخلّدة بيدي.. وقد حكم بصحة ثبوت حق المدعية بالأرض”([269]).

بملاحظة الوثيقة، نجد أن الأراضي الأميرية (ملك الدولة) قد وزّعت مجاناً على المهاجرين، بموجب سندات طابو. كمنح سلطانية لأهداف سياسية من السلطان عبد الحميد لإيجاد مؤيدين له في المدينة، وهناك أراضٍ مقسمة ومفروزة، بيعت لبعض الأسر المهاجرة الموسرة، حيث دفعت أثمانها.

وكان بعض المهاجرين بحالة من الفقر والعوز، دفعت السلطنة العثمانية لإصدار الأوامر السنية السلطانية لقاضي دمشق بما يلي :

“سيدي صاحب الفضيلة قاضي دمشق : إن المحاكم الشرعية تنظر بقضايا المهاجرين الذين يريدون الحصول على ورقة إعلام الحرية لهم. وبموجب نظام إدارة المحاكم الشرعية، يستوفى من كل شخص مهاجر طالب إعلام الحرية، أن يدفع (125 غرشاً ) حسب النظام. وبموجب المادة الرابعة والثلاثين وتوفيقاً لها، يستوفى المبلغ المذكور من كل من يريد إعلام الحرية وأخذ ورقة بها. ولما كان المهاجرون فقراء و يعتاشون من المخصصات الملكية السلطانية، لكنهم بالنظر لفقرهم، عاجزون عن دفع هذا المبلغ، لذلك تقرر أن لا يُؤخذ من المهاجرين رسم اعلامات شرعية، وتكون اعلاماتهم تعطى لهم مجاناً وبلا رسم… وبعد دراسة أوضاع المهاجرين، تؤخذ قيمة الورقة فقط، ويُعمّمُ ذلك على جميع القضاة”([270]).

من مطالعة وتحليل الأمر السلطاني السابق، نجد أن الهجرة إلى دمشق قديمة العهد، وأن اهتمام السلطنة والإدارة العثمانية بهؤلاء المهاجرين يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر وقد تكثفت هذه الهجرة أكثر في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وكان في تلك الفترة هجرة من دمشق إلى مناطق مختلفة، عربية وأجنبية مثل أمريكا الجنوبية وأوروبا ومصر. ففي إحدى الوثائق، نقرأ عن شأن إحدى الفتيات و”والدها الغائب عن دمشق وأعمالها والمقيم الآن بمدينة مانجستر”([271]).

وكذلك عن”الخوري بن متري المتوفى قبل تاريخه في البرازيل تابع مملكة أمريكا الجنوبية”([272]).

كما نلاحظ في الوثائق، فقد كانت هناك هجرة من مدينة دمشق إلى مناطق أخرى. بسبب البحث عن العمل أو التخلص من الخدمة الإلزامية العسكرية في الجيش العثماني، ولعب الذين تركوا المدينة إلى مناطق أخرى دوراً ريادياً في شتى الميادين، التجارية، والعلمية، والإدارية استمرت حتى اليوم حيث تسمع عن كثير من العلماء والمبدعين في بلاد المهجر من ذوي الأصول العربية الذين برعوا في شتى المجالات.

ولقد اهتمت الدولة العثمانية بالمهاجرين الوافدين إلى مدينة دمشق، حيث استقروا وأقاموا الأبنية الدينية والمدنية، وبنوا الجوامع في الأحياء المحدثة لممارسة الشعائر الدينية، إذْ بني أول جامع في المهاجرين، وهو جامع الشمسيّة عند الجادة الثالثة، وكان بناؤه عام1311هـ/1894م([273]).

وفي سنة 1316هـ/1899م، بني في المهاجرين ـ سكة جامع نافذ أفندي، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وكان قبل ذلك، مسجداًَ صغيراً من الخشب([274]). نقرأ في إحدى الوثائق أن المهاجرين قد اشتكوا من صعوبات ومشقات يلاقونها في ذهابهم وإيابهم. وهم قاطنون في حي المهاجرين، ويريدون وضع منبر في مسجد السلطانة فريدة بالمهاجرين يتسع للمصلين أيام الجمع والأعياد([275])، وأن هذا الحي كبير، وأن المصلّين من الأهالي في ازدياد. فنرجو من حضرة الوالي، أخذ المصاريف المطلوبة لتوسيعه من واردات الأراضي([276]) الملكية وأموال خيرات المحسنين، لإنشاء تعمير الجامع، ليتم إقامة الصلاة فيه. وقد عهد بذلك إلى العالم عبد القادر أفندي بوجوب توجيهه، بعد تبيُّنِ أهليته وقدرته([277]).

نلاحظ مما ورد في الأوامر السلطانية، اهتمام الدولة بأحوال المهاجرين، ومحاولة تلبية مطالبهم، وتعيين الأكفاء منهم لرعايتهم وتوجيههم.

وعند تعيين خطيب لجامع مثلاً، يلاحظ تشديد الإدارة العثمانية على أهليته من عدة نواحٍ للتأكد من صلاحية شخصه في القيام بالمهمة كما نقرأ في هذه الوثيقة:

“تقدم الحاج عثمان عارف، وهو من الموالي العظام، بحضور صاحب مدير الأوقاف حافظ أفندي، لامتحانه في قراءة القرآن الكريم والتجويد والخطابة والتدريس وَوُجد لائقاً لهذه الوظيفة المطلوبة منه، وكذلك بحضور جماعة المصلين من أهل المحلة وبشهادتهم الصادقة عنه، بأنه قدير على القيام بخدمة هذه الوظيفة، بشهادة مخاتير المحلة الذين شهدوا له بحسن السيرة والاستقامة. وبالسؤال السري والعلني عنه، وشُهِدَ له بحسن سيرته. ونظراً لانطباق الأوصاف المطلوبة في الأوامر الجليلة عليه، ينبغي تعيْينه وإصدار براءة باسمه ليباشر العمل…”([278]).

وقد مارس شيخ جامع مرج السلطان، بموجب البراءة السلطانية الهمايونية، عمله كإمام، بعد وفاة والده كما في الأمر السلطاني التالي:

“من الأوقاف التابعة لقضاء دوما مهاجري الجراكسة في مرج السلطان، ومن أصحاب الخيرات، تمّ إنشـاء الجامع الشريف، وأُعطيت الخطابة إلى الحاج الجركسي عثمان بن عبد الكريم في 1302هـ/1883م، الذي توفي وترك المهمة لابنه الكبير محمد طاهـر أفندي. وقد طلب بموجـب استدعاء، منحه البراءة..”([279])

وكانت طائفة كبيرة من الشركس الذين وفدوا على دمشق، قد أسْكنها حسين ناظم أفندي في”مرج السلطان”شمالي النشابية.

وامتلك أغنياء المهاجرين القصور والدور الغالية الأثمان، قياساً بذلك الوقت. نقرأ في إحدى الوثائق:

“…. اشترى عثمان شيخو الجر كسي، وعمه عبد الفتاح القرملي المهاجر من محلة الحميدية بصالحية دمشق، جميع الدار بالمحلة المذكورة التابعة لثُمن الصالحية بسفح جبل قاسيون، بثمن قدره (12425) قرشاً من العملة الدارجة البالغ عنه /95/ ذهب ليرة عثمانية مقبوضة بيد البائع”([280]).

وبلغ ثمن مقسم مفروز في سوق ساروجة 25 ليرة، كما نقرأ في الوثيقة التالية:

“… اشترى الحاج عمر الأستانة لي من سكان سوق ساروجة، بالوكالة عن زوجته فاطمة الكتاهية لي من شقيق الزوجة، جميع المقسم المفروز والمقسوم سوق ساروجة، عند جـورة الحدبا، بالشـارع السلطاني، بثمن قدره 25 ليـرة ذهبـاً عثمانية”([281]).

وكان ثمن مقسم مفروز في صالحية دمشق، ببستان بهرام، والدار بمحلة السكة(*) بـ 75 ليرة كما يلي:

المقسم ثمنه 20000 قرشاً والدار بـ 8000 قرش([282])، وثمن بستان بمحلة الصالحية بحارة الأكراد يُعرف ببستان الغيار بقيمة (75 ذهب ليرة عثمانية) عين”([283]).

وثمن أرض، مساحتها خمسون قصبة في النيرب التحتاني في السلطان بالقصبة المعروفة بدمشق الشام (30) ليرة ذهبية مقبوضة([284]).

وحيثما تشكلت الأحياء الجديدة، كانت تتبعها الترب والجبانات التي عمل على تسيير شؤونها، بعض الناس، كما نقرأ في هذه الوثيقة:

“عين محمد ديب كبتول، من سكان محلة الصالحية بدمشق، في وظيفة الحفارة ودفن الأموات في المقبرة الكائنة بالمحلة المرقومة، في سفح جبل قاسيون، في القسم الأول بحارة السكة. ويحد المقبرة قبلة الطريق وشرقاً الجبل وشمالاً جبانة وغرباً جبانة الداغستان. وأُذن له بتعاطي العمل في الجبانة”([285]).

وامتلك بعض المهاجرين أملاكاً وعقارات في ضواحي دمشق، ووكلوا عنهم وكلاء لتصريف أمور تلك العقارات والأملاك، وتعاطي ذلك عنهم([286]).

وبقي المهاجرون على صلة بمواطنهم الأصلية التي جاؤوا منها، مهاجرين، لوجود أهلهم فيها. نقرأ في إحدى الوثائق:

“حضر كل من الأخوين أسعد ومسعود ولدي سفير ابن أتراق الجركسي، من أهالي قرية بيكار التابعة لقصبة حاجني، التابعة لواء بوزان، التابع لولاية أضنة، وقررا أنه بناء على وفاة أخيهما لأبويهما في جهات الشام، من غير وارث ثم وجدا أن له ابناً يدعى (مهري) سِنُّه إحدى عشرة سنة فطلبا من القاضي أن يضماه لأولادهـما بعد أن عرّف به مجموعـة من الشـهود الجراكسة في القنيطـرة والشام”([287]).

وعمل كثير من المهاجرين بالجيش العثماني، ووصلوا إلى مراتب عُليا فيه([288]). وتملكوا الدكاكين في الأسواق الرئيسية والعقارات([289]). وتزوج بعض وجهاء دمشق من نسائهم، كما نقرأ في الوثيقة التالية:

“حضرت الحرمة ألفية بنت يونس الكريدلي، من مهاجري كريد، القاطنة والمستوطنة في سوق ساروجة، وأقرت أنها قبضت واستوفت من زوجها صاحب الرفعة أحمد أفندي مستنطق ثاني في محكمة بداية الجزاء، في ولاية سورية، ابن علي الفقش، من سكان سوق ساروجة، مبلغاً وقدره (30 ذهب) ليرة عثمانية. وهو مهرها المقدم والمؤخر من زوجها..”([290]).

نلاحظ من الوثيقة أن الزوجة مهاجرة من كريت، وأن زوجها من أهالي دمشق، وهو ذو مركز مهم، ومن وجهائها.

فيما نقرأ في وثيقة أخرى أن إحدى المهاجرات تزوجت مهاجراً من بلدها. وكان صداقها يتناسب مع أوضاعه المادية:

“أصدق الرجل عرب بن سليم من مهاجري كريد، مخطوبته بنت الكريدلي، من المهاجرين، على صداق قدره (750 صاغ الميري)”([291])

وأوقف المهاجرون الأوقاف لمصلحة المساجد والجوامع في دمشق، وفي لواء القدس الشريف. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“….جميع الدار، أرضاً وبناءً، الكائنة ظاهر دمشق، سوق ساروجة، بأول حارة داور أغا الموقوفة من قبل الحاج بن علي الأرنؤد، على مصالح الجامع الأموي ومصالح جامع سيدنا خليل الرحمن الواقع بقصبة خليل الرحمن، مركز القضاء التابع للواء القدس الشريف”([292]).

ومنذ عام 1909م، بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني وخلعه، تغيرت أحوال المهاجرين، حيث وجدنا في مجلة([293]) العاصمة، وهي جريدة الحكومة الرسمية الصادرة في دمشق، وفي عددها الثاني ما يلي :”قرار مأمور المهاجرين يطلب إعطاء معاش وإعاشة المهاجرين: لدى المطالعة في هذا التقرير والجدول المربوط، تبيَّن أن عدد المهاجرين ثمانية وأربعون ألفاً. وبما أن تلك الهجرة كانت اضطرارية بسابق الضغط من الحكومة البائدة، ولا يوجد مخصصات لهم في الميزانيات، فلم يبق إمكان إعطائهم شيئاً. أما المحتاجون للقوت الضروري فيبقى تطبيق قرار الإعاشة بحقهم وإعطائهم ما يسد عوزهم، ويجب إلغاء وظيفة مأموري المهاجرين وسد تلك الدائرة، وتسليم أدواتها لدائرة الإعاشة”

كما نلاحظ من المجلة، أنه بعد سقوط عبد الحميد الثاني، رفعت الدولة الدعم المادي والمعنوي عن المهاجرين، واعتبرت أنَّ حكومة السلطان عبد الحميد هي المسؤولة عن هذه الهجرة، واقتصرت على مساعدة الفقراء منهم.

وأخيراً لابد من قول كلمة حق، حيث إن دمشق و غيرها من مدن بلاد الشام (سورية) جاءها كثير من الهجرات البشرية المتنوعة المشارب والأصول. لذلك فأهلها هم مزيج بشري ناتج عن تفاعل وتمازج تلك الشعوب والأقوام مع الشعب العربي منذ آلاف السنين.؟.. وقد جاؤوا من كل أنحاء الأرض وتفاعلوا أفقياً فيما بينهم وعمودياً مع هذه الأرض الخيّرة المعطاء، فتأثروا وأثّر بعضهم ببعض، وأحبوا الأرض وأنتجوا مجتمعاً تميز بالغنى بعناصره المتنوعة، في إطار دائرة ثقافية مشتركة واحدة، هي الدائرة الثقافية الوطنية العربية، وعلى أساس أن العروبة هي انتماء حضاري لا عرقي، واللغة العربية أهم عناصره. واستمرت هذه الثقافة المشتركة لآلاف السنين وأضافت للثقافة الإنسانية الكثير. فنحن في سورية عامة ودمشق خاصة، لا ننتمي إلى عرق محدد، بل إلى أصول اثنية من بلدان مختلفة، تآلفت وتمازجت اليوم ضمن الحضارة العربية الإسلامية. كلُّنا نعيش فوق هذه الأرض، فالذين يتكلمون العربية و الجركسية والكردية والأرمنية، هم منتمون لهذه الأرض وتلك الحضارة، ومصيرهم واحد.

وقد عثرنا في إحدى الدراسات، ما مفاده أن اللغة الكردية هي لهجة عربية سورية الأصل، عاش أهلها ضمن قوس الجبال في الشمال الشرقي من سورية.”والمصطلح”كوردو”في اللغة الأكادية، يطلق على المقاتل شديد البأس القادم من الجبال. ثم تطور هذا اللفظ شكلاً، فغدا على النحو الذي يلفظ الآن: كردي”([294])

فالكردّية مهنة وليست اثنية بعيدة عن سورية. وقوام تلك المهنة قتال وغزو وعيش في الجبال. أما اليوم فقد أصبح لهذا المصطلح، دلالة سياسية وطنية. والأكراد مثلاً في سورية عامة ودمشق خاصة، ليسوا أقلية أو جاليات قومية، بل هم مواطنون سوريون، لهم حقوقهم وعليهم واجبات.

11- عناصر السكان الأخرى

وجد في مدينة دمشق، طبقة عامة فقيرة عرفت باسم (العامة الرثة)([295]) تألفت من اللصوص والمجرمين والمومسات والمتسكعين في أزقة المدن وساحاتها، والغرباء والعاطلين عن العمل، والمهرجين والراقصات والزط والخدم والعبيد الذين يعملون في بيوت الأغنياء ومزارعهم.

ونتيجة لوجود مثل هؤلاء في المدينة، فقد كانت أحياناً تحدث بعض أعمال السلب في الحارات، والسرقة في الأسواق، نتيجة فقدان الأمن أحياناً في تلك الأيام، حيث جاء في بعض الوثائق ما يدل على حدوث عمليات سرقة ولصوصية في وضح النهار. ومثالنا على ذلك أنه قد ” ادعى صائغ على أحدهم أنه غافله ومد يده إلى خزانة البلور وسرق منها خاتم ألماس مع ساعة ذهب، قيمتها اثنتا عشرة ليرة، وغاب ولم يعد ثم بعد عشرة أشهر جاء إلى سوق الصاغة لغاية احتيال آخر فمسكه وسلمه إلى البوليس”([296]).

وكان حي المرقص أو ما يعرف بمرقص السودان، وهو اليوم شارع البدوي الواصل بين السنانية والشاغور، مركزاً لبنات الليل، حتى أمدٍ قريب. وقد جاء في إحدى الوثائق مايلي:

“المدعي خليل المباردي، سوق ساروجة، ادعى على سريا الفكحة المومسة المقيمة بمحلة المرقص، حيث إنها اشترت بضاعة (مانيفاتورة) وهي ممتنعة عن الدفع بـ (585 غرشاً و 25 بارة) “([297]).

وكثر الخدم والحشم أثناء تلك المرحلة، في مدينة دمشق عند بيوت أصحاب الأملاك والمزارع والأغنياء، وكانت منازل الأعيان (الأكابر) تعج بهم من سود وبيض، وخاصة المماليك المنتمين إلى الشركس والكرج والزنوج، واقتنوا الجواري على اختلاف ألوانهنّ واستولدوا الإماء([298]).

نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“حضرت الحرمة حُسن ملك بنت عبد الله، رقيقة المرحوم يحيى مهايني المتوفى قبل تاريخه، المستولدة منه بولد هو جميل أغا القاصر عن درجة البلوغ والذي أعتقت بموته حسب إقرارها واعترافها وأقرت أن والده قد أورثه”([299]).

فمن الوثيقة وغيرها من الوثائق التي قرأناها، نلاحظ أنهم كانوا يسمون جميع الجواري والعبيد بأنهم أولاد عبد الله. فيقال مريم بنت عبد الله وأحمد بن عبد الله، لأنهم مجهولو الأب. ومنهم من كان يعترف بولده من جاريته، ومنهم من كان يحرمه إكراماً لزوجاته وأولاده. وأحياناً كانت الجارية تُظلم بعد ممات سيدها الذي اعتقها في حياته([300]).

كان جميع الخدم أميين جهلة، لأنّ الذوات والأغنياء كانوا يبحثون عن أرخص الخدم أجراً. فقد وجدنا أن أجرة خادم في محلة صالحية دمشق كانت زهيدة كما ورد في الوثيقة التي نصت على أنه قد ” ادعى عمر بن علي حمو المقيم بخان المغاربة، على الشيخ اسعد النقشبندي المقيم بالصالحية الذي كان قد استأجره بصفة خادم عنده بأجرة عن كل شهر 3 ريالات مجيدي. وقد تراكم له بذمته أجرة ستة أشهر، ومقدارها (18 ريالاً مجيدياً). فالمدعى عليه، أظهر العجز وحلف اليمين، وأنكر المبلغ ودفع الخادم المصاريف (100 غرش)”([301]).

وهذا مثال آخر:

“ادعت فاطمة العمر من محلة المهاجرين على حسن بك بكباشي الدركي المتقاعد الساكن في حي المهاجرين أنه قبلاً قد استأجرها بصفة خادمة، بأجرة عن كل شهر(ريال مجيدي) وقد تراكم لها في ذمته (60 ريالاً) عن خمس سنوات وهو ممتنع عن الدفع”([302])

وتعامل بعض الأغنياء مع خدمهم، واستدانوا منهم أحياناً أموالاً. وقد ذكرت الوثائق أن إحدى السيدات الثريات أُصيبت في تلك الفترة بضائقة مالية، فاستدانت من خادمتها. وبعد وفاتها طالبت الزنجية بالمبلغ من بيت المال الذي عادت إليه تركة السيدة كما هو واضح فيما يلي:

“ادعت لطافة بنت عبد الله الزنجي، الحرة البالغة، معتوقة حضرة صاحب الدولة الحاج علي رضا باشا، من سكان سوق ساروجة بدمشق الشام، على الشيخ سليم أمين بيت المال المعمور بدمشق الشام حالاً: أنها تستحق بذمة أمينة ابنة عبد الله عبد الرحمن المتوفاة مبلغاً قدره (100 ليرة ذهب عثمانية) بسبب قرض شرعي استقرضته في حياتها واستهلكته في منافع نفسها. وأقرت لها بذلك وحررت هذا السند وتوفيت ولم تدفع المبلغ من غير وارث. حكم للمدعية بالمال من أصل متروكات ومخلفات المتوفاة “([303]).

واقتنى الأغنياء الخدم واستولدوا منهم الأولاد، إذ ذكرت إحدى الوثائق أن أحد أبناء الخدم (الجواري) طالب بأبوته من والده الذي استولده من الزنجية والدته حيث نقرأ في الوثيقة مايلي:

“ادعى يوسف الحلبي من الطابور الثالث يوزباشي، على والده أحمد أغا الحلبي، حيث إنّ المدعي الحاضر وعمره (23عاماً) قد استولده المدعى عليه من خليلته فضل الكريم الزنجية بنت عبد الله، وقد اشتراها من مكة المكرمة سنة 1293 هـ / 1874 م. من ماله، وتسرى بها، وحملت منه ووضعت بي، وبقيت تربيني مدة عشر سنوات ثم ماتت. فأطالبه بإلحاقي بأبوته لي كوني ولده من صلبه، فأجاب المدَّعى عليه بالإيجاب واعترف بتوريثه”([304]).

وكان بعض الأغنياء ذوي رحمة وفضل، فقد ربَّوا اللقطاء والأيتام واعتنوا بهم حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“لطيفة بنت عبد الله الهرسك القاصرة عن درجة البلوغ التي لا يعلم لها أب بحضانة آمنة بك ميرالاي”([305]).

والخلاصة: أنه وجد في مدينة دمشق، طبقة عامة فقيرة وغرباء وعاطلون عن العمل، وكثر الخدم والحشم والأولاد غير الشرعيين الذين استولدوا من الخادمات وطالبوا آباءهم بالاعتراف بهم.

12- المهن العلمية والفنية:

وهي تشمل المهندسين والمحامين والأطباء والصيادلة والوكلاء…

كانت المهن العلمية في تلك المرحلة نادرة، غير معروفة كثيراً، حيث كان اللوم منصباً على الإدارة العثمانية في هذه الندرة “وكانت الحكومة أقل اهتماماً من الأهالي في سائر المهن العلمية والفنية”([306]).

فمثلاً، لهندسة المنازل، كان كلُّ فرد مهندساً بالفطرة في إقامة داره أو دكانه، مستعيناً بالبنّاء والنّجار أو النحّات ” وبالنسبة لهندسة الماء والجسور(*) فلا علم لدمشقي فيها، ولا وجود لها عند أحد”([307]).

ولكن الوثائق ذكرت في تلك المرحلة بعض الأجانب الذين درسوا الهندسة وتسلَّموا إدارة بلدية مدينة دمشق، إذ تنصّ إحدى الوثائق على أنّ “روزجيك المرأة الكاملة عيِّنت وصية على أولادها من بعلها ايبري أفندي مهندس بلدية دمشق سابقاً المتوفى قبل تاريخه”([308]).

ونجد في وثيقة (مكتب عنبر) تاريخ 1301هـ/1884م. أسماء رؤساء البلديات الأربع في دمشق فمنهم([309]): “رئيس دائرة البلدية الأولى محمود بك ابن أحمد باشا بوظو، ورئيس دائرة البلدية الثانية محمود بك نجل عمر أغا عابد زاده، ورئيس دائرة البلدية الثالثة محمد كمال قدسي، ورئيس دائرة البلدية الرابعة جبران أفندي ولد اسبر الحمصي”([310]). وقد ذكر الحصني في منتخباته أنه عام 1305 هـ، 1888م، وفي عهد الوالي نظيف باشا، قسمت البلديات إلى أربع، فاتفقت فيما بينها، فأعيد تقسيمها إلى بلديتين فقط، في عهد شكري باشا 1325هـ/1908م.

أما مهنة المحاماة فلم يكن في مدينة دمشق محامون يحملون إجازة وإذناً في ممارستها، وكانوا قلة بحيث لا يتجاوزون أصابع اليد([311])، حيث إن ممارسة مهنة المحاماة لم تكن تحتاج إلى شهادة([312])، وكان معظم من تولى الدفاع عن القضايا، من الوكلاء الذين دافعوا عن موكليهم، بكل أنواع القضايا من طلب([313]) نفقة وبيع وشراء عقارات داخل دمشق، وفي المناطق المجاورة لها، وفي بيروت واربد وصفد وغيرها.

وكان الوكلاء من مختلف الديانات، “فقد وكَّل عبد الرحمن أفندي محاسب لواء حوران سابقاً، القاطن بدمشق الشام، وأناب عنه يوسف ميخائيل الياس الطويل من طائفة الروم الكاثوليك، ومن تبعة الدولة العلية، في بيع ما هو جار في ملكه، وذلك جميع الدار في قرية اربد مركز قضاء عجلون”([314]).

وقد تحوَّل بعض أولاد الرأسماليين وكبار التجار إلى وكلاء، إذ وجدنا أن حفيد التاجر الرأسمالي أحمد كولو الذي ملأت دعاواه سجلات محكمة التجارة بدمشق في الفترة المدروسة، قد اتخذ لنفسه مهنة وكيل دعاوى عامة في المحاكم([315]).

وكانت المحاكم تعجُّ بالموكلين من مختلف عناصر الشعب، وتقوم بدور المدافع أو المحامي بالوكالة، لدى مختلف المحاكم، حتى إن المحاكم نفسها لم تكن تشترط في تعيين القاضي، أن يكون من أصحاب الشهادات أو الاختصاص، بل كان من ضمن الاختصاصيين ذوي الشهادات التي حصلوا عليها من معاهد الحقوق، أعضاء يعينون بالانتخاب والانتقاء. لذلك كان القضاء غير مستقر، لكثرة الوساطة والرشاوى، وبالتالي كان مضيعةً للحقوق كما مرَّ معنا في كثير من الوثائق، حيث نُطق بالحكم غالباً لمصلحة القوي المتسلط من الأغنياء أو من أصحاب الحمايات الذين شدَّت من أزرهم القنصليات الأجنبية، وشُكلت المحاكم المختلطة لذلك.

لقد كان في مدينة دمشق في فترة دراستنا، ست محاكم هي:

1- محكمة الباب، في سوق الخياطين وهي مركز القاضي العثماني العام.

2- محكمة البزورية الكبرى، في البزورية، بجوار قصر العظم، في مبنى المدرسة الجوزية.

3- محكمة العمارة

4- محكمة السنانية

5- محكمة الميدان

6- محكمة الصالحية في المدرسة الجركسية. ثم أُحدثت المحاكم التجارية وغيرها مثل المحاكم المختلطة، نتيجة التدخلات الأجنبية في شؤون الإدارة العثمانية.(*)

وفي تلك المرحلة من تاريخ مدينة دمشق، لم يكن يوجد طبيب بالمعنى العلمي([316])، إنما كان أطباء نشؤوا على أساس من التجربة المكتسبة من رؤسائهم ومعلميهم، غير مدينين لأي ثقافة علمية أو جامعة طبية. فكان في دمشق كلها أربعة أو خمسة أطباء وكحّال واحد، وكانت الجراحة وطبابة الأسنان والعيون والحجامة(**) مجتمعة، من اختصاص الحلاقين وكان الطبيب الرسمي يعلِّم بعض الجنود سنتين، فيتخّرجُ من بين يديه طبيبٌ أو جراحٌ عند انتهاء خدمته الإلزامية.

وكان في دمشق في النصف الأول من القرن التاسع عشر، طبيب ايطالي مشهور يعالج المرضى من جميع المذاهب اسمه (البادري توما). وقد أنهيت حياته بطريقة مأساوية على يد اليهود بدمشق (والقصة معروفة)([317])

وقد وجد في مدينة دمشق طبيب جرّاح مشهور يدعى (السير طبيب عثمان باشا) تخرج على يده الكثيرون.([318]) وتوزعوا في البلاد كأطباء رسميين. وكان الناس يخافون الأطباء ويظنون بهم الظنون كدسِّ السم لهم ليميتوهم ويميتوا المرض معهم. ويذكر أن بعضاً ممَّن تعلم الطب، قد اكتسب خبرة فيه، من مطالعة الكتب الطبية القديمة. وفي تلك المرحلة، وجد في دمشق مكتب طبي تخرج منه تلامذة في الطب، يأتي إليه الطلاب للتعلم من مختلف أنحاء سورية. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعى أحمد خليل من أهالي نابلس في دمشق، أحد تلامذة المكتب الطبي، على أسعيد سليمان من أهالي طوباس التابعة للواء نابلس، أحد تلامذة المكتب الطبي بدمشق”.([319])

وكان الأثرياء في دمشق يدرسون الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وممن تخرج منها واشتهر، المناضل ” عبد الرحمن الشهبندر “.

وقد دفعت الإدارة العثمانية للأساتذة الذين عملوا بالمكتب الطبي، الكثير من المال لتشجعهم على حسن تعليم الطب، وتحسين أحوال الناس الصحية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

” إنَّ مصطفى أفندي الطبيب البكباشي المقيم في صالحية دمشق، ادعى على محمد ممدوح بك، مدير المكتب الطبي الشاهاني بدمشق، والمقيم بصالحية دمشق، وقد طالبه بمبلغ 20 ليرة فرنساوية، بموجب سند. ومبلغ (600غرش) صاغ الميري معاشه المخصص له، عن تعليمه بالمكتب المذكور، عن شهر حزيران 1320 هـ/ 1903م، الذي قبضـه المذكور من صندوق المعارف ولم يوصلـه له “([320]).

إن راتب طبيب في المكتب ( 600 غرش ) في كل شهر، هو راتب جيد جداً بمقياس تلك الأيام، ويدل على أهمية عمل صاحبه.

ونلاحظ أن الوثائق التي تعود لتلك الفترة، قد ذكرت طبيب الأسنان منفصلاً عن الحلاق.([321])

وذكر القاياتي، عند زيارته دمشق، أنه كان في دمشق، طبيب جراح مشهور بفن الجراحة هو أبو أحمد الجراح([322]). وذكر أن من أطباء المشفى العسكري في دمشق، الطبيب وردي شان بك المسيحي، حيث حصل عام 1882م على إذن بإنشاء منتزه باب شرقي([323]).

وقدمت مشافي الإرسـاليات الأجنبية في مدينة دمشق، خدمات طبية وكان فيها أطباء أجانب. وقد اهتم الناس ببعض الأطباء الذين طـارت شـهرتهم من بيروت إلى دمشق، فكان أغنياء دمشق يذهبـون إليهم للاستشارة والمعالجة([324]).

ومن المشافي المهمة التابعة للحكومة، كان مشفى دمشق، حيث ذكرته الوثائق باسم ” خستخانة الشام”([325])

لقد وُفّرتْ بعض الخدمات للناس خاصة العسكريين منهم. كما أخذت النساء تذهب للمشافي من أجل الولادة، حيث وجد أطباء إختصاصيون في هذا المجال، بعد أن كانت الداية هي التي تولد النساء في المنازل، حتى النصف الثاني من القرن العشرين([326]).

وأخذت السلطنة العثمانية تستقدم الطلاب إلى الأستانة للدراسة، من دمشق وغيرها من المدن …… وقد كان هناك مكتب لدراسة البيطرة (أي أطبـاء يهتمون بشؤون الحيوان الصحية) للاهتمـام بالحيوانـات في دمشـق وغوطتـها وخاصـة الخيـول وغيرهـا التي كانت مثار اهتمـام كبير. إذ كانت تـدرُّ أرباحاً جيدة على أصحابها ومربيها. حيث نقرأ في إحدى الوثائق التالي:

“حضـر المجلس محمد رجب أحد طلبـة مكتب الصف الثاني من مكتب البيطرة الشـاهاني بالأستانة العليـة ابن محمود المملوك الموجود الآن بدمشق مؤقتاً بالبحصـة، وكان عنـده أحـد معتبري أهالي دمشق درويش مولى مرتضى”([327]).

وانحصرت الصيدلة كما هو متعارف عليه في حينها، في حوانيت العطارين. وأقدم صيدلية عُرفت في دمشق هي صيدلية سليم فارس في سوق البزورية ” ولم تكن بشكل فني، لأن الأطباء أنفسهم يطبِّبون المرضى ويعطون الدواء من عندهم. فإذا احتاجوا إلى دواء غريب أجنبي، أمروا ذوي المرضى أن يشتروا الدواء  من صيدلية سليم فارس”([328]).

كانت تؤخذ معظم الأدوية من عند العطارين، ويركِّبها المريض بنفسه. وكثيراً ما كان يخطئ فتؤذيه أكثر أو ربما تشفيه بإذن الله([329]).

ومارس مهنة الأجزاجي في الجيش، عدد كبير، تحدثت عنهم الوثائق المعاصرة. وحوَّلت أماكن ومحلات إلى أجزخانة، وربما كان ذلك، لرواج مثل هذه المهنة وأرباحها الجيدة حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“إن الحرمة مارغريتا بنت جرجي أجزاجي بالعساكر الشاهانية ابن حنا كوري من طائفة اللاتين”([330]).

كما نلاحظ في الوثيقة أن والد الحرمة كانت مهنته الصيدلة (اجزاجي).

ونقرأ أيضاً:

” وذلك من الأجزخانة التي كانت قبلاً قاعة نشا الكائنة باطن دمشق، بسوق البزورية، بالصف الشرقي”([331]). أي الصيدلية التي أنشئت مكان قاعة لصناعة النشا.

وقد شرح القاسمي في قاموس الصناعات الشامية، الفرق بين الصيدلي والأجزاجي فقال: “الصيدلي هو بائع أصناف الأجزاء الأصلية التي تدخل في العلاجات، كالحشائش والزهورات والبذورات وما إلى ذلك. وهذه الحرفة قبل وجود الأجزاجي، كانت في غاية الانتشار والرواج. أما الأجزاجي فهو بائع الأجزاء ومحله الأجزخانة أي محل الأجزاء، وهو بائع العقاقير الواردة من بلاد أوروبا. قسم يكون بسيطاً وآخر مركباً. وكل منهما يروق للنّاظر شكله، لما فيه من إبداع وصنعة من تلك الهيئة الحسنة السهلة التناول للمريض، من مسهِّل مانع أو سفوف أو حبوب أو لصوق وغير ذلك مما لايأنفه المريض، لسهولة استخدامه من الخارج أو الداخل بلا مشقة”([332]).

وقد ذكر أن هذه الحرفة من أحسن الحرف وأكثرها ربحاً عند اشتداد المرض والجائحات، (حتى اليوم هذه هي حال الصيدلي). وقد كانت الأدوية التي تؤخذ قديماً من عند العطار، معروفة الأصل ورخيصة الثمن، فأصبحت اليوم بفضل الصناعة الأوروبية وتقدمها مضاعفة الأسعار، لا يستطيع تحمل نفقاتها وغلائها فقير أوغني.

وقد وجدنا في سجل المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية، أن هناك كراساً خاصاً بالمجلس الملي البطريركي، يتناول فيه جرداً قام به المجلس لصيدلية أحد  المتوفّين، حفاظاً على حقوق أولاده القاصرين الموجودين في قرية معلولا([333]).

ومن خلال قراءة الوثائق وتحليلها وجدنا أن هناك وظائف ومهناً جديدة دخلت على الحياة الاجتماعية الدمشقية مثل (اللوكاندة جي) أي صاحب اللوكاندة (الفندق) ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“اشترى الخواجة ديمتري الأزمير بنوري اللوكندة جي من طائفة الروم ومن سكان محلة سوق ساروجة بما له لنفسه…. يحدها لوكاندة بيد أمين جدي زاده “([334]) وقد كثرت في تلك الفترة (اللوكاندات ) في مدينة دمشق لكثرة السّـيّاح والزوار الأجانب الذين نزلوا فيها، ولتوجه التجار والقناصل والمبشرين نحو المدينة وغيرها من مدن سورية.

وظهرت أعمال التأمين على الحياة وشركاتها في مدينة دمشق، حيث جاء في إحدى الوثائق التالي: “ادعى ميخـائيل السبع من كتبة أهالي(*) دمشق الشام على فارس الخوري المقيم بالشام، بأنه منذ ثلاث سنوات كان قد تقـاول معه على ضمـان حياته لمدة عشرين سنة بمبلغ (400 ليرة فرنساوية) واتّفقا أن يؤدي له في كل سنة قسطاً مقداره (عشرون ليرة فرنساوية) إذ دفع له ثلاثة أقساط أي ( 60 ليرة فرنساوية) مدة ثلاث سنوات. وأراد بعد ذلك، إيقاف المقاولة. ولهذا يكون فارس أفندي مكلفاً ومجبوراً أن يرجع له المبلغ المدفوع منه، وبذلك تم الاتفاق بينهما. ودفع له عشرين ليرة فرنساوية، وعندما تسلم عقد المقاولة الواردة من الشركة المعروفة بشركة ( كيرلسام) تبين له منها بأنه لا يحق له إيقاف المقاولة في أي وقت كان، وحيث أن هذه المقاولة مناقضة للمقاولة(*) الأولى، فقد طالبه بإرجاع المبلغ له فأبى ذلك، فطلب جلب فارس للمحاكمة والحكم عليه بتحصيل المبلغ المذكور والمصاريف”([335]).

في هذه المرحلة اعتبر السلطان عبد الحميد وإدارته ان إصلاح التعليم هو أساس كل إصلاح في الدولة، ولذا حقق التعليم العالي قفزة طيبة تمثلت بزيادة عدد المدارس والمعاهد العليا (المكاتب) وعدد طلبتها بشكل ملحوظ، فقد اعيد تنظيم مكتب (الملكيّة) عام1877م وجرى توسيعه، وإضافة المقررات الحديثة إلى مناهجه. ومنحت تسهيلات هامة للطلبة الداخليين القادمين من الولايات، وكانت (الملكية) هي المؤسسة الأولى للتعليم العالي وظلت مركزاً فكرياً هاماً، وموئلاً للأفكار الحرة المعادية للاستبداد. وأنشئ أيضاً ما لا يقل عن 18مكتباً حديثاً لمختلف الصنائع والعلوم والفنون كالمالية والحقوق (حقوق مكتبي) والفنون الجميلة والتجارة والهندسة المدنية والبيطرة والشرطة والجمارك والطب. أما الجامعة التي صادفت عقبات عديدة في الماضي فلم تفتح أبوابها فعلياً وبشكل مستمر إلا في آب عام1900م، باسم (دار الفنون)، وعرفت فيما بعد باسم (جامعة استنبول). ولتزويد الجامعة بالطلبة المؤهلين أنشئت المدارس الرشدية (الإبتدائية) في مراكز الولايات وعددها تسع وعشرون، وفي مراكز المتصرفيات المرتبطة مباشرة بالعاصمة وزيدت معاهد المعلمين التي تاسس أولها عام1848م. وافتتحت المدارس السلطانية واحدة في دمشق واخرى في حلب ولكن إلزامية التعليم لم تتحقق بسبب تردي الأوضاع المالية في الدولة.([336])

13- الرعاية الاجتماعية في دمشق في فترة الدراسة (صندوق مال الأيتام)(*):

كان عدد الأيتام في فترة الدراسة كبيراً، وذلك بسبب كثرة الحروب التي خاضتها الدولة العثمانية أو فُرضت عليها، مع روسيا واليونان ودول البلقان، مما أدى إلى حصول مجازر جماعية ضد الرعايا العثمانيين في تلك البلاد، وبالتالي وُجد الآلاف من الأيتام في دمشق، وبعضهم كان يجمع الغربة إلى اليتم، الأمر الذي دفع الدولة إلى تشكيل ما عُرف بـ: ” ديوان مال الأيتام في دمشق “.

وكان يرأس هذا الديوان، مدير يعينه القاضي العام، ومهمته حفظ أموال الأيتام، واستثمارها وتنميتها والإنفاق عليهم، ريثما يبلغون سن الرشد، حيث تُسلَّم إليهم أموالهم بعد ذلك، انطلاقاً من قوله تعالى: ” ويسألونك عن اليتامى، قُل: إصلاح لهم خير”. وقوله: “وآتوا اليتامى أموالهم “، وقوله: ” إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلماً، إنَّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ” صدق الله العظيم([337]).

وكان المدير يشتري العقارات لحساب الأيتام، ثم يبيعها في الوقت المناسب، أو يقرض أموالهم بما يسمّى بالمرابحة الشرعية، أي بفائدة تتراوح بين 10-20% بحسب مدة القرض.

ولما كانت الفائدة محرمة شرعاً، فقد كان مدير الأيتام أو من يُعيَّنُ وصياً على الأيتام، يحتال على الشرع ويذكر أن الفائدة هي ثمن بضاعة اشتراها المقترض، كما هو واضح في الوثائق التي سنعرضها.

وكانت الدولة العثمانية بدورها، تتابع صندوق مال الأيتام باستمرار، وتدقِّق في حساباته بصفة دورية، كما هو مبين في الأوامر السلطانية التالية:

إلى قاضي دمشق:

إن إدارة أموال الأيتام، بموجب النظامنامة الخاص بها، وتطبيق الإدارة والمعاملات الخاصة بأموال الأيتام، خوفاً من الضياع والتلف، والوقاية اللازمة الواجبة على المسؤولين، تطلبُ تأمين ما يلزم لهذه المعاملات المختصة بأموال الأيتام حسب النظام وليس بالأعمال التي تؤدي لضياع أموال الأيتام.

وسبق أن أكَّدنا ضرورة مسك هذه الأموال وحفظها حتى لا يتوجب ضياع مال اليتيم، وأن تكون لمصلحته وحفظه من الضياع، صوناً لحق الأيتام ولزيادة أموالهم لمنفعتهم، ولإصلاح صناديق الأيتام بصورة دائمة ومراعاة معاملاتهم.

لذلك تطلب منكم أن تبلغوا كافة نوابكم وموظفي دوائر الشرع، أن يكونوا حريصين دائماً وأبداً على مال اليتم وحفظه بأمانة المراعاة، وعدلكم اقتضى”([338])

وفي الأمر السلطاني التالي، يظهر مدى الاهتمام بالتدقيق بحسابات صندوق مال الأيتام من قبل الإدارة العثمانية:

إلى قاضي دمشق:

إن مفتش مالية ولاية سورية سعادة (حسن تحسين أفندي) قد أرسل بلائحته في الشام، إلى مديرية الأيتام، وأعرب فيها عن أثمان التركات وحسابات القروض، بعد اطلاعه وتدقيق موجودات الصندوق للاقتراضات الحاصلة مقابل الرهائن من المجوهرات ومعاملاتها المحفوظة والمسلمة من جانب المدير المسؤول بمعرفة المفتش الموما إليه.

وقد ظهر نقص في النقود، حين إجراء التسليم. ويتوجب إعلام مجلس إدارة أموال الأيتام، بنقص الصندوق ولزوم بيان أموال الأيتام وفق جداول المحاسبة الواجب سرعة تنظيمها وإرسالها للعمل بكل جهود متطلبة…”([339]).

كما نلاحظ من الأمر السلطاني، فقد كان هناك تفتيش على أموال صندوق الأيتام، وأوامُر بتقديم كشف صحيح عن مال الأيتام يطابق أموالهم المودعة.

ووجدنا في أحد الأوامر السلطانية، بلاغاً من النسخة المصححة للمادة الرابعة من نظام أموال الأيتام، جاء فيه: إلى قاضي دمشق – المادة الرابعة:

“إن اليتيم والمجنون والمعتوه الذين لا ولي لهم ولا وصي معلوم يدير شؤونهم. وأولياؤهم لم يعينوا لهم وصياً مختاراً لإدارة شؤون حياتهم، يُعَيّن لهم الأوصياء بمعرفة مجلس الولاية أو من ديوان التمييز، تحت وصاية ونظارة ومعرفة النواب، لابتغاء أوصياء على الأيتام والمجانين والمعتوهين، من ثقاة الموثقين، لخدمة هؤلاء ومصالحهم لترعاها بنظارة أمناء مجالس الشرع أينما وجدوا. ويتم انتخابهم ويجري تعيينهم أوصياء حَفَظَة، وإدارة معيشتهم”([340]).

كما نلاحظ، هناك اهتمامٌ من الإدارة العثمانية بتعيين أوصياء من قبل مجلس الولاية على اليتيم والمجنون والمعتوه، إذا لم يكن لهم وصي من ثقاة المجتمع.

وسنقدم فيما يلي، نماذج من الوثائق الشرعية، حول طريقة استثمار أموال الأيتام في دمشق، في مرحلة الدراسة. علماً أن مركز الوثائق يحتوي على آلاف الوثائق المشابهة. وذلك في محاولة لإعطاء صورة حيّة عن مجتمع دمشق في عصر عبد الحميد الثاني، مع الإشارة إلى أن هذه الرعاية كانت تشمل، كما ذكرنا سابقاً، الأيتام والمعتوهين والمجانين أيضاً.

وثيقة حول “طريقة استثمار مال اليتيم عن طريق البيع الصوري”.

لدى القاضي محمد صالح أفندي قطنا / نائب القاضي العام:

اشترى الحاج راغب بن صالح النديم، من سكان زقاق البرغل في دمشق، وهو الوصي المختار على ولد شقيقه القاصر زكي بن محمد، بموجب إعلام ثبوت الوصاية المؤرخ  يوم 13 ربيع الثاني، اشترى بمال اليتيم المذكور المخلف له عن والده، والموضوع بصندوق مال الأيتام، من السيد محمد الكزبري حصَّة مقدارها قيراطان من جميع البستان المعروف ببستان القصّاع، خارج دمشق بأراضي العنّابة(*)، مع الحوش الموجود في البستان المذكور بثمن مقداره (7200) غرش. بسعر الليرة الفرنساوية من ذلك (4500 غرش) دفعت من مال القاصر. والباقي ومقداره 2700 غرش ثمن بضاعة تدفع بواقع 45 غرشاً في الشهر، وقبل البائع ذلك.

وهذا البيع هو بيع وفاء بمنزلة الرهن. ويحق للوصي بيع الحصة في سوق المزاد لمن يرغب. وشهد الشهود على العقد وصار نافذاً، ووافق عليه مدير مال الأيتام بدمشق الشيخ خليل أفندي المرادي”([341]).

وهذا البيع هو بيع صوري يعرف بالبيع المُنْزَل بمنزلة الرهن. وخلاصته أنه يحق للبائع العدول عن البيع إذا لم يدفع المشتري ماعليه، خلال مدة تحدّد في العقد، وهي هنا (60 شهراً) أي خمس سنوات. وعليه فإنه يمكن اعتبار هذا البيع قرضاً بفائدة لمدة 5 سنوات. القرض 4500 غرش والفائدة 2700 غرش يعبّر عنها عادة بكمية من الصابون أو الساعات، لأن القاضي لا يعترف بالفائدة. وذلك كله لحفظ مال اليتيم.

وهناك أمر مهم لحماية مال اليتيم، وهو تحديد سعر الصرف للقرش أمام الليرة الذهبية. وهي هنا 112 غرشاً لليرة الفرنساوية. فإذا حدث في نهاية المدة أو أثناءها، أن صارت الليرة مثلاً بـ 125 غرشاً، يُزاد المبلغ المطلوب بنسبة انخفاض  قيمة العملة.

وفي وثيقة أخرى نقرأ مايلي: ” لدى القاضي محمد صالح أفندي قطنا، أقرت الحرمة فاطمة الشاوي الوصيّة على أولادها من زوجها المرحوم السيد كمال بن سعدي التوتنجي وهم: عمر و توفيق وسعيد ولطفيّة القاصرون عن درجة البلوغ، أنها أقرضت من مال الأيتام، المحفوظ في صندوق مال الأيتام السيد أحمد بن ياسين الكزبري، مبلغاً مقداره (13040) غرشاً على النحو التالي:

8050 غرشاً وهو قرض شرعي على أساس أن سعر الليرة العثمانية المجيدية 128 غرشاً. ورهنت على سداد الحصة ومقدارها 6 / 24 قيراطاً من بستانه المذكور الكائن في القصّاع مع الحوش الموجود فيه.

و 4890 غرشاً، وهي ثمن ساعة اشتراها البائع المذكور ويسدد قيمتها على 60 قسطاً بواقع 81.5 غرشاً لكل قسط، اعتباراً من تاريخه. وإذا خالف المقترض الشروط، يتم بيع الحصة في سوق المزاد.

وشهد الشهود ومعهم مدير مال الأيتام بدمشق السيد خليل المرادي”([342])

هذا القرض المذكور في الوثيقة أعلاه لمدة خمس سنين هو 8050 غرشاً والفائدة 4890 غرشاً، خلال خمس سنوات أي بواقع 978 غرشاً في السنة، وهي نسبة عالية تصل إلى أكثر من 21 % سنوياً.

وكانت هذه القروض في العهد العثماني، تعتمد على نصوص شرعية ضعيفة وهي جواز إقراض مال الوقف أو اليتيم بمرابحة شرعية، بعد حصوله على الضمانات الكافية:

ونقرأ في وثيقة أخرى مايلي:

” لدى القاضي محمد صالح أفندي، قطنا، وبتكليف رسمي من قبل القاضي العام، اشترى السيد خليل بن راغب بن خليل المرادي مدير مال الأيتام، ولمصلحة الأيتام، وهم محمود ومحمد ومصطفى وبهيجة أولاد الشيخ عبد الرزاق من الحرمة عائشة بنت محمود القزّاز حصَّة مقدارها 21 / 24 قيراطاً من جميع الدار بمحلة الشاغور البراني بزقاق المعصرة رقم (1) بيعاً وفاءً منزلاً بمنزلة الرهن بمبلغ 2018 غرشاً و 30 بارة وذلك على النحو التالي:

1265 غرشاً على شكل قرض شرعي و 753 غرشاً و 30 بارة ثمن بضاعة اشترتها البائعة على أن تدفع ثمنها بواقع 60 قسطاً، مدة كل قسط شهر واحد. وإذا أخلَّت بالشروط يقوم مدير مال الأيتام ببيع الدار بالمزاد”([343])

نلاحظ في الوثيقة، أن القرض كان 1265 غرشاً، والفائدة 753 غرشاً و30 بارة لمدة خمس سنوات. أي بواقع 125.5 غرشاً في السنة، البائعة. وإذا أخلَّت البائعة بالشروط، يقوم مدير مال الأيتام ببيع الدار بالمزاد.

وفي وثيقة أخرى نقرأ عن شراء كدك وخلو دكان من صندوق مال الأيتام مايلي:

لدى القاضي محمد صالح أفندي، وبتكليف رسمي من قبل القاضي العام، اشترى مدير مال الأيتام بدمشق الشام، الوصي على أولاد محمود الحمزاوي مفتي دمشق الشام سابقاً، من السيد محمد علي العطار بن هاشم القباني من محلة السنجقدار بسوق ساروجة، جميع كدك وخلو الدكان الكائنة في باطن دمشق بسوق البزورية الغربي التي نمرتها (103) بثمن مقداره ثلاثمائة واثنتان وخمسون ليرة ذهبية عثمانية على حكم التفصيل الآتي ذكره:

220 ليرة عثمانية قرضة حسنة استقرضها ذلك البائع المرقوم أعلاه يوم تاريخه من مال القاصر والمبلغ الباقي ومقداره 132 ليرة ذهبية عثمانية تتمة المبلغ المذكور أعلاه ثمن ساعة حلايلية ابتاعها البائع المقترض..”([344])

نلاحظ من الوثيقة أن مبلغ 220 ليرة عثمانية من ثمن الدكان قرضة حسنة من مال القاصر، والمبلغ الباقي فائدة ثمن ساعة وهو 132 ليرة ذهبية عثمانية تدفع على أقساط. ذكر ذلك حتى لا يذكر الفائدة فهي غير شرعية وغير مستحسنة لدى القاضي الشرعي.

وفي أخرى نجد مايلي:

أقرَّ صالح بن أحمد طربين من سكان محلة صالحية دمشق، أن عنده وبذمته بحق صحيح لازم شرعي إلى أيتام المرحوم الصبّان النقشبندي مبلغ 3000 قرش و 200 قرش على حكم التفصيل:

مبلغ 2000 قرش سعر الليرة المجيدي 125.50قرش قرضة حسنة استقرض ذلك المقر المذكور، وقد قسَّط ذلك على ستين قسطاً متساوية حساباً. عن كل قسط، عشرون قرشاً في ختام كل شهر([345])” هذا قرض بالفائدة لمدة خمس سنوات والقرض هو 3200 قرش والفائدة 2000 قرش لمدة خمس سنوات أي بواقع 400 قرش في السنة وهي نسبة فائدة جيدة.

ونقرأ في وثيقة أخرى، حول استثمار أموال صندوق الأيتام في شراء دار في حارة اليهود، من أحد اليهود الدمشقيين مايلي: ” اشترى محمد أبو الخير أفندي مدير مال الأيتام بدمشق حالاً المنصوب من قبل سيدنا الحاكم الشرعي وصياً شرعياً على أولاد المرحوم علي الصبّان النقشبندي المتوفى وهم: عبد القادر وفاطمة وزكية القاصرون عن درجة البلوغ، من الخواجة ناحيم بن نسيم فارحي من سكان حارة اليهود، فباعه لجهة القاصرين ما هو منتقل إليه بالإرث الشرعي، جميع الحصة من جميع الدار الكائنة في باطن دمشق بحارة اليهود، وذلك بثمن مقداره (2329 قرشاً) سعر المجيدي الأبيض 23 قرشاً. قرضة حسنة استقرضت من مال القاصرين، وألف وأربعمائة قرش الباقي (1400) قرش ثمن ساعة ابتاعها وقبضها البائع المرقوم من مال القاصرين”([346]).

كما نلاحظ، فاستثمار الأموال كان بشراء دار في حارة اليهود. والقرض هو 2329 قرشاً والفائدة 1400 قرش. وكان القاصر الذي يبلغ سن الرشد يدعي على مدير مال الأيتام ليسترد أمواله ويقوم باستثمارها، بنفسه كما نقرأ في الوثيقة التالية: ” ادعى السيد أديب تقي الدين الشاب العاقل البالغ باعترافه من سكان ثُمن الشاغور الجواني على رفعتلو عارف أفندي مدير مال الأيتام بدمشق حالاً ابن عبد القادر اللاذقاني قائلاً: إني بلغت سناً ورشداً وصار عمري اثنتين وعشرين سنة وصرتُ قادراً على تعاطي أمور مصالح نفسي بدون واسطة ولا وصي. اطلب فكَّ الحجز عني. وهذا المدعى عليه واضع يده على مالي المخلَّف لي عن والدي الموضوع بصندوق مال الأيتام ومقداره (247 قرشاً)”([347])

فالوثيقة أعلاه توضح كيفية فك الحجز عن أموال القاصر عندما يبلغ سن الرشد.

وقد لجأ جميع المواطنين من كل الطوائف إلى المحاكم الشرعية. وكان يكلَّف الحاكم الشرعي بحق الوصاية على الجميع، مسلمين ومسيحيين، فقد عثرنا على وثائق كان الحاكم الشرعي يراقب ويعطي حق الوصاية على أيتام، لأشخاص من طوائف أخرى غير طائفة المسلمين، مما يقوي تماسك المجتمع([348]).

وخلاصة القول: لقد تنوعت عناصر السكان في مدينة دمشق في الفترة المدروسة، حيث برزت فئات الحكام والموظفين والعلماء الذين لعبوا دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية مع رجال الدين والأشراف إلى جانب طبقة الأعيان التي أدَّت دوراً على جانب كبير من الأهمية في دمشق، من حيث السيطرة على الأموال والعقارات، بالإضافة لفئة العامة من فلاحين وحرفيين وتجار التي تمتّعتْ بالحيوية والنشاط في الأعمال الزراعية والصناعية والعلاقات التجارية الداخلية والخارجية.

وانتشرت الديانات السماوية في المدينة، وآمن بها أهلها. فالغالبية الدمشقية من السكان، مسلمة بالإضافة إلى أهل الذمة من نصارى ويهود دمشقيين.

ونلاحظ في تلك المرحلة، ظهور فئة المستأمنين من أهل دمشق وأصحاب المهن العلمية والفنية التي تواجدت حديثاً في المدينة.

ومما يلفت الاهتمام، بروز ظاهرة الرعاية الاجتماعية في فترة الدراسة، والتي تمثلت بصندوق مال الأيتام، وذلك بالاعتماد على وثائق جديدة غير منشورة ذُكرت في حينه.

الفصل الثاني

المجتمع الدمشقي ومظاهره

1- العادات والتقاليد .

2- أوضاع المرأة الدمشقية في الفترة المدروسة، 1876م – 1908م .

3- الأزياء وتطورها.

4- المواسم والأعياد.

5- قافلة الحج الشامي .

6- وسائل التسلية واللهو في المجتمع الدمشقي .

المجتمع الدمشقي ومظاهره

1- العادات والتقاليد

– أصول الزواج عند الدمشقيين

عرفت مدينة دمشق بعاداتها العريقة، مثل المناسبات السعيدة والحفلات، خاصة حفلات الزواج والأعراس. فقد ذكر معاصرو تلك الفترة اهتمام الناس بأن تكون هذه الحفلات على مستوى جيد، حفاظاً على هيبة العائلة أمام الآخرين في المجتمع. ويذكر بشير العظمة عن جدّه مايلي:

“كان جدي يستدين بالفائدة الفاحشة في المناسبات، حفاظاً على هيبته وموقعه، كأحد الأكابر، والزواج مناسبة لتأكيد الانتماء الطبقي. وقد استدان لعرس ولديه ورهن أرضاً واضطر إلى التنازل عنها بعد ذلك”([349]).

وقد اهتمت الإدارة العثمانية بعقود الزواج، وأرسلت الاعلامات والأوامر السلطانية لتنظيم العقود، وضرورة إبلاغ رجال الدين (الإمام والقسيس) لدائرة النفوس، بصكوك الزواج (النكاح) لديهم، لقبض ما يترتب على ذلك من رسوم، حيث نقرأ في الأمر السلطاني ما يلي:

“يتوجب على الإمام و القسيس، إعلام دائرة الأحوال المدنية، وتقديم نسخة عن صكوك أو عقود النكاح الجارية من قبلهم، وفقاً لأحكام نظام إدارة النفوس، ليتمَّ بموجبه، إعطـاء التصريح أو الإذن نامة لطـالب الزواج، ويُسـتَوفى خرجٌ قـدره (5 قروش) أو ثلاثة قروش أو قرش واحد بموجب تعليمات نظارة الداخلية الواردة في المادة الثالثة منها. وأما الذين يمتنعون عن إرسال معاملاتهم إلى دائرة النفوس، لإحالتها بدورها إلى المحكمـة الشـرعية، فسوف تؤخذ منهم (30 قرشاً) بسـبب عـدم إخبارهم دائـرة النفوس، لذلك يستوفى (10 قروش) لقاء تمغة(*) كل ورقة تصريح بعقد النكاح، من قبل الشرع، وضرورة الحفاظ على أموال الخزينة وعدم إتلافها وإجراء ما يلزم”([350]).

واختلفت عادات أهل دمشق في الخطبة والأعراس؛ فللمسلمين عادة وللنصارى أخرى، ولليهود غيرها.

أ – الزواج عند المسلمين:

تقام الاحتفالات بمناسبة زف العروسين إلى بعضهما. وتجري عادة قبل وأثناء وبعد الزفاف. وكان يبدأ الاستعداد لها قبل أيام من إقامتها، وتتم على مراحل، على مستوى العروسين والأهل والأصدقاء([351]).

وقد اعتاد المسلمون من أهل الشام، على أنه عندما يطلب أحد شباب الأسرة الزواج، يتفق أبواه على تزويجه، فتخرج أمه وقريباتها إلى الخطبة والتفتيش عن عروس توافقه، فيدخلن دور الفتيات اللاتي يعرفْنَ أو يسمعْن عنهن من ذوات الصيت الحسن والأخلاق القويمة. وبعدما تمعن أم العريس النظر فيهن وفي طراز حياتهن وأشغالهن، تختار الفتاة المناسبة التي تراها أجمل شكلاً، وأكمل أدباً من سواها، فتعود إلى ابنها وتصفها، فإذا راقت له، تخبر زوجها بالأمر، فيذهب هذا مع بعض أقاربه إلى أبي الفتاة ويخطبها منه. وقد اصطلحوا على أن يطلب أبو البنت مهلة للسؤال عن أحوال الخطيب. فإذا وجدها جيدة يتفق مع أهل العريس على المهر، ويقررون العقد الذي يكون عادة في دار الفتاة المخطوبة([352]).

وعادة، كانت الدور تستقبل الخاطبات عندما تصبح الفتاة في سن الخامسة عشرة، إلى الخامسة والعشرين، حيث يُطلب من الفتاة تقديم القهوة والشراب لهن، فتتأمل الخاطبات قدها ونقل أقدامها وأدبها في تقديم الشراب في الإياب والذهاب. ومتى لقيت القبول يذهبن إلى الحمام معها ويرين جسدها([353]).

وينقلن ذلك إلى الخاطب، وعميد الأسرة، مع وصف شكلها وطولها وحُسنها وغير ذلك. فإذا وجدها مناسبة اتفقوا على المهر، وقرروا العقد، ويُدعى الأهل والأصحاب من قبل الطرفين إلى حفلة العقد، ويوكّل كل من الخطيبين أحد الأقارب من الأهل، ويرسله مع شاهديه إلى دار الفتاة. وعندها يعقد شيخ المحلة أو أحد الأساتذة العقد الشرعي، ويدعو للخطيبين بالسعادة والبنين، ثم تقدم الحلويات والمرطبات، ويتقبل ذوو العروسين التهاني، وينصرف الناس.

والمهر قسمان: مقدّم ومؤجّل. فالمقدم يدفع عاجلاً، والمؤجل يبقى في ذمة الزوج إلى وقت الحاجة كوفاة أو طلاق وغير ذلك([354])…

وعندما يستحضر الزوج المهر المعين، يرسله إلى والدي العروس، أو وليها، ويُعين له يوم العرس، فيأخذ أهل العروس باستحضار الجهاز، والقديم منه كان مؤلفاً من سجادة وثلاثة مقاعد طواطي بمساندها تملأ عادة بالقطن أو الصوف، ويكون وزنها وغلافاتها تابعة لمقدار المهر ومكانة العروسين الاجتماعية، ثم هناك فرش ولحف ومخدات أو صندوق ومرآة، وصدر نحاس وهو صينية كبيرة تستعمل في الولائم، ثم اسكلمة، ثم صينيتان صغيرتان من المعدن أو الفضة لوضع فناجين القهوة وأقداح المرطبات، ثم بعض قطع الأواني الفضية للزينة، وكذلك مصباح وثياب وحلي وإلى غير ذلك مما يعدونه من اللوازم التي لابد منها([355]). وكان الجهاز يتخذ بأكثريته من المصنوعات الوطنية، ومن مصنوعات البلاد الشرقية، بحيث تبقى أسعاره في بلادنا ولا تذهب لغيرها.

أما الجهاز الحديث فهو يتألف من مقاعد أفرنجية ( الكنبات) وسجادات متنوعة وخزانة متحركة ذات مرايا للثياب، وأخرى بلورية للملابس البيضاء، ومغسلة ذات مرآة مع طقم للتمشيط وطقم السرير الذي يعدّه العريس ويهيئه من قبل، ثم من فرش ولحف ووسائد متعددة، وحلي وأوان فضية ومعدنية، وملابس متنوعة، وغير ذلك من الكماليات التي يكون معظمها من المصنوعات الأجنبية، وتذهب أثمانها إلى بلاد الأجانب، وقد تزيد هذه المواد أو تنقص بحسب الذوق أو المقدرة. ولما يكتمل الجهاز، ويكون ذلك عادة قبل العرس بثلاثة أيام، يرسلونه إلى دار العريس محمولاً بواسطة الحمالين، يرافقهم شيوخ المحلة أو العائلة. والقصد من ذلك، إشهار الجهاز وإعلام الناس. وقد وجد من يسجل الجهاز عند شيخ الحارة تأكيداً على ذلك، بحسب الطبائع والأخلاق. ويتمَّ قبل الزفاف عادة نقش يدي ورجلي العروس، ويشترك من أهلها وذويها من يرغب بذلك، وتقوم النقاشة بهذا العمل([356]).

– مرحلة نقل العريس والعروس إلى دارهما: كان رفاق العريس يقومون بإلباسه ثيابه الجديدة، وذلك ما بين الصلاتين (المغرب ـ والعشاء)، وبعد ذلك يأتي المجمري وهو لابس جبة حمراء مزركشة وعمامة مطرزة وبيده عصا ضخمة يتوكأ عليها، ويحمل بيمينه (مجمرة) فيها جمرات من الفحم المتقد، يصب عليها البخور والحصلبان، والعود فينطلق الدخان ذو الرائحة الطيبة، ويصيح المجمري بصوت عريض حسن” سعيد من يصلي على النبي – القلب العامر يصلي على النبي)([357]). ويكون سائراً أمام موكب العريس المؤلف من الأقرباء والأصدقاء، مع من يطبِّلون ويزمِّرون. ويحمل بعض المشاركين السلاح، إلى أن يصل الموكب إلى دار العريس، وسط الأهازيج والزغاريد. وتسمع أهازيج الرجال في الخارج مع زغاريد النساء داخل البيت.

وليلة العرس تجلب للعروس ماشطة وتكون في الأغلب الداية التي أولدتها، وهي تقوم بوظائف خاصة كالتمشيط وخلافه، وتخرج العروس في شيء يقال له (السربوش)([358])، ويسمى المقنزع. وتوضع في تختروان (الهودج) وتُنقل إلى بيت العريس في موكب من النساء وسط الزغاريد والأغاني. وعندما تبلغ باب الدار وتستقبل بالزغاريد، تذهب مع المدعوات ورفيقاتها إلى بيوت الموائد فيأكلن عشاءهن، ثم يفِّتلن العروس حول البحرة، وينشدن لها الزغاريد الخاصة بذلك، ثم يجلسنها على مقعد مرتفع من الإيوان ليراها الجميع. وهناك تجليها([359]) المغنيات بغناء خاص، ويرقصن أمامها إلى أن يأتي العريس، فتنهض على استحياء، وتستقبله وهو يأخذ بيدها ويذهبان معاً إلى الغرفة المعدَّة لهما، ويذهب معهما أبو العريس أو أخوه الأكبر الذي يهنئه، فيقبّل العروسان يده، ثم ينصرف.

وتقضي النسوة المجتمعات تلك الليلة في طرب، فيرقصن ويغنين إلى الفجر، ثم يذهبن عند الشروق إلى دورهن. ولا بدّ من عودتهن في غضون الأسبوع الذي تدوم فيه الأفراح للتبريك والتفرج.

ب – أعراس الريف:

جرت العادة في قرى غوطة دمشق وريفها، أن يُجلب النَوَر الذين يتقنون الضرب على الطبل، لإحياء حفلات الأعراس. وكان يرافق ذلك فترات من الطرب، خاصة إذا رافق الطبال زمّار. ويأخذ الأولاد يلعبون بالسيف والترس. وتدوم أوقات الطرب ثلاثة أيام. وفي اليوم الرابع يزفون العروس إلى عريسها([360]).

ويتم قبل ذلك، تدوير العريس حول القرية مع الشموع المشتعلة. وعند زفِّ العروس تحمل كل واحدة ممّن يولّفن موكبها، شمعة بيدها وتكون أمام العروس شمعة كبيرة تمسكها إحدى القريبات. وكانت العادة أن تركب العروس على حصان أو جمل يرافقها الراقصون والنساء اللواتي يزغردنَ إلى أن تصل إلى بيت عريسها حيث يكون بانتظارها وبيده قطع النقود والحلوى فيرميها عليها أملاً في السعادة وكثرة الذرية، فيتزاحم الأولاد لالتقاطها. وتُعطى العروس قطعة من العجين لإلصاقها على عتبة الباب قبل دخولها عنواناً للمحبة والبركة.

ويبدو أن تقاليد الاحتفال بالعريس، كانت واحدة بين قرى دمشق تقريباً وريف بلاد الشام بشكل عام. وإن كان هناك اختلاف في بعض التفاصيل الصغيرة، فأغنياء الفلاحين كانوا يوجهون الدعوات في مثل هذه المناسبة، لجميع الأقرباء من القرى المجاورة، ويولمون الولائم ويذبحون الذبائح ويُقدَّم الطعام في المضافات والبيوت المعدة لذلك. وكان الأقرباء بالمقابل، يقدِّمون الهدايا في مثل هذه المناسبة للعريس وأهله.

جـ – أعراس البدو:

يتزوج البدوي ما بين سن 15 – 25 وقلما يتأخر إلى سن الثلاثين. ولا يتزوج البدوي أو البدوية إلا ممن توازيه أو يوازيها، رفعة وحسباً ومنزلة وذلك حسب المراتب في القبيلة، الكبيرة، والمتوسطة، والصغيرة. وذلك كي لا يضيع النسب. وكانت الفتيات البدويات يتزوجنَ وهن صغيرات السن. ولا تستشار الفتاة البدوية في اختيار شريكها إلا عند عقد القران. وزواجها يتم بحسب القاعدة الشرعية. وتتم خطبتها بعد أخذ رأي والديها. وعند قبولها يأتي ولي العريس مع جماعة من ذوي الجاهة لتأكيد الخطبة وإعلاءً لشأن أبي العروس ومعهم ما يلزم للطعام من ذبائح وبرغل وطحين وسمن وقهوة.. وتبدأ المراسم بذبح الذبائح وإيلام الولائم، ويقدِّم الخطيب لخطيبته كوفية حريرية معقودة على نقود ذهبية عنواناً للرضى والقبول.

وبصدد مراسم العرس لدى البدو، فإن الاستعدادات تتم قبل بداية الاحتفالات وتبدأ عادة يوم الأحد، وتجتمع النساء والرجال كل مساء حيث يغنون ويدبكون حتى يوم الثلاثاء، حيث تشكل قافلة(قطار) من نساء ورجال القبيلة، ويتوجهون إلى منزل أهل العروس، على ظهور الخيل والإبل، ويطلقون العيارات النارية في الهواء([361]). وتأتي نساءُ الأهل بالعروس ويلبسنها أثواب العرس ويعطرنها، وهن يغنين وينشدن، ويذبح لهن ذبيحة خاصة. وفي المساء تأتي قريبات العروس فيحممّنها ويزينها، وفي الصباح يأخذن العروس ومعها أمها إلى مضارب خيام العريس وتُسمّى هذه القافلة (قطار العرس)، ويكون العريس قد أعدَّ نفسه، فيما تَعدُّ للعروسين خيمة منفردة يسمونها (البرزة). وفي اليوم الثاني، يقدم العريس لعروسه نقوداً ( نقوطاً). ويتوافد الأصدقاء في اليوم التالي، لتقديم التهاني والهدايا للعروسين. وبعد أسبوع تزور العروس أهلها وتأخذ معها هدايا لهم، وتعود من عندهم بمثلها.

د – الزواج عند المسيحيين:

يصف القساطلي ذلك بقوله: ” كان النصارى في ما سلف، كالمسلمين لا تظهر نساؤهم على رجالهم وكان اختيار العروس عندهم كاختيار المسلمين لها. وهذه عادة مضرة جداً بالنسبة للمسيحيين الذين لا طلاق عندهم، وذلك خوفاً من التحايل بين الأخوات فتزوَّجُ أخرى بدل التي رأتها النسوة. أما الآن فقد تغيَّرت الأحوال وصار الخطيب قادراً على أن يرى عروسه التي تناسبه، وتكون باختيار الطرفين”([362]).

أما هدية الخطبة في الفترة المدروسة، فليس لها عادة أو شروط عند المسيحيين. فمنهم من يعطي الخطيب، ومنهم من يأخذ منه. وسابقاً كان العرس سبعة أيام متوالية يأتي خلالها المدعوون بهدايا يسمونها (حمولة). وأما في الفترة المدروسة فقد اقتصرت أيام العرس على ثلاثة أيام، وبعد ذلك صار يوماً وليلة، كما هو معروف اليوم. وتكون الأعراس أيام الآحاد، فيدعى الأهل والأصدقاء رجالاً ونساءً ويستجلبون آلات الطرب. وعند الغروب، يذهب وفد إلى دار العروس للمجيء بها يتقدمهم (الاشبين) وكيل الزوج، الذي يوزع الشموع على الحاضرين الذين يلتفون حول العروس، ويذهبون بها إلى الكنيسة حيث يكللها الخوري ويبارك لهم ثم إلى دار العريس، ينشدون ويرتلون أشجى الأنغام. وعندما يدخـلون دار العريس، تجلس النساء في غرفـة على حـدة، حيث يقيم الخوري صلاة الإكليل، ثم يُحطْن بالعروس ويجلينها بالرقص والغناء والشموع، ثم يأخذنها إلى الغرفة المعدَّة للعروسين. وفي صباح اليـوم الذي يلي العرس، يقدم العريس هديـة بحسب مقدرتـه. وفي أول يوم عطلـة بعد يوم العرس، يجتمع الرجـال من أهل العروس ويأتون إلى دار العريس وفي مساء أول يوم عطلـة يلي هذه الزيـارة، يذهب العريس بعروسه إلى دار حمويه([363]).

مُنِعَتْ عند النصارى قضايا المخالفات في عقد الزواج الشرعي، إذْ كانت تعتبر مشكلة عند المخالفين لأصول وقوانين الدين في الزواج، ويصدر بحقهم صك الحرمان، وهو حرمان من الحقوق الدينية (مباركة الزواج، والعماد، وحضور القداس)، والزواج خارج أنظمة الكنيسة باطل ولو كان مدنياً، والبقاء بزواج غير شرعي هو زنا، حيث نقرأ في محفوظات البطريركية الإنطاكية الأرثوذكسية ما يلي:

“أصدر البطريرك غريغورس الرابع صك الحرمان بحق شخصين تزوجا خلافاً للزواج الشرعي. ويقول الخوري ميخائيل الحداد كاهن رعية بلدة صحنايا إن رأس الفتنة هي والدة العروس، وعليها يجب إيقاع العقاب([364])” وهكذا حاول المسؤولون عن قضايا الزواج لدى معظم الأديان، تنظيم الواقعات وضبطها، ومنع المخالفات الشرعية.

هـ – أعراس اليهود:

كانت أعراس اليهود مزيجاً من عادات المسلمين والنصارى([365]). وكان الزواج يتم لديهم في سن مبكرة أكثر من المسلمين، والبعض منهم يخطب في سن مبكرة جداً، أو قبل الزواج بأشهر قليلة، على اعتبار أن زواجهم لا يتم إلا من أبناء دينهم وبين الأقرباء. وفي مثل هذه الحالة تكون الفرصة مهيّأة لتعرف العروسين، كل منهما على الآخر. وأهم ما ميَّز اليهود في هذا المجال، سؤال الشاب عن الفتاة وما لديها من مال، وما يريد أهلها وهبها منه([366]). ومتى تمت الخطبة يكتب بين الخطيبين ما يسمى (قنيان) أي عهد، ويعينون فيه مقدار المهر المدفوع من الطرفين، ويذكرون فيه ما اتفق الطرفان عليه من شروط. وفي اليوم المحدد تنعقد جمعية يسمونها (كتبة) فيتسلم الزوج الأمتعة والنقود التي تعهدت الزوجة بتقديمها إليه. وبعد ثلاثة أيام تكون حفلة الزفاف المعروفة باسم (قدوس)([367]).

وكان عرس اليهودي مشهوراً بما يظهر فيه من مظاهر الفرح، إذْ كانت تقام وليمة العرس لمدة سبعة أيام كاملة، بحضور الأقرباء والأصدقاء. وكان يظهر في هذه المناسبة بين نسائهم، عديد من النساء المسلمات والمسيحيات الدمشقيات المدعوات للعرس، فتعزف الموسيقى ويبدأ الجميع بالرقص، والمهرجون بتقديم ألعابهم. وكانت عادتهم أن يشترك الجنسان (ذكوراً وإناثاً) في إحياء حفلة العرس.

وكانت العروس تجلس على كرسي ذي ذراعين في وسط الديوان المفتوح، أو على ديوان في فجوة أو زاوية، وخلفها ثلاث شموع ضخمة طويلة مشتعلة، في حين تكون العروس مغطاة بحجاب القز الأحمر الشفاف لدرجة يشف عما تحته، وتكون أجفانها مطبقة، أما بشرة وجهها فمطلية بالحمرة([368])، وثيابها من الحرير وتزين جسمها المجوهرات والحلي. وكانت تجلس والدتها أو احدى قريباتها إلى جانبها. أما بقية النسوة فيجلسن مُحجّباتٍ على بعد خطوة وراء العروس، وتبقى العروس على هذا الوضع لمدة ساعة، حتى ظهور الرجال القادمين لإتمام بعض الإجراءات الدينية للعريس في الكنيس. وحالما تنتهي تلك الطقوس الدينية، كانوا يأتون بموكب يتقدمهم الحاخام و اثنان أو ثلاثة من الربانيين، ويدخلون العروس فتتوقف الموسيقى والغناء ويقود الأبُ ابنه العريس وإلى يساره عروسته ليغطي رأسيهما بنقاب صوفي وشمس (طليطه) أي طيلسان، ثم يقدم الزوج إلى زوجته قطعة من الفضة فتأخذها منه، ويشهد بذلك رجلان ليس لهما قرابة بأحد الطرفين وحين تتسلّم الزوجة القطعة المذكورة من الزوج يخاطبها بقوله: ” هاري آت ميقديش لي بي طباعت زكيدات موشي وإسرائيل”. أي أنت مقدسة لي بهذه القطعة مثل دين موسى وإسرائيل. ويعود الوالد إلى الوراء، ويقدم زجاجتين من الخمر للحاخام الكبير، فيبارك ذلك بدعاء طويل باللغة العبرية، ويشرب منه جرعة، ثم يدار على الحاضرين، فيشرب كل واحد منهم جرعة، ثم يعاد إلى الحاخام فيرميه إلى الأرض فينكسر.. وقد تسفح الخمرة على الأرض، وتعاد الزجاجتان الفارغتان مرة أخرى إلى الحاخام.. وبعد ذلك ينزع الحجاب عنهما، ويتقدم العريس من الديوان لتقبل التهاني من أصدقائه، ثمّ يصحبه موكب الرجال إلى بيته الخاص، ليتجمعوا على وليمة كبيرة تكون معدة لهذه المناسبة، وتحتوي على الفاكهة والحلويات الفاخرة المنوعة.

وعندما يصل إلى ذلك البيت، تكون عروسه قد وصلت إلى بيت الزوجية بصحبة النساء. وتستأنف الموسيقى عزف الألحان ويرافق ذلك الغناء. وتبقى قريبات العروس عندها حتى نهاية الأسبوع. أما بقية النساء فيذهبن مع الليل إلى بيوتهن([369]). وبعد زواجهما، كان على العريس الامساك عن زوجته، خمسة عشر يوماً، وأن ينطبل أي ينغمس في حوض خصوصي. وعلى الزوج أن يدعو، في ثاني يوم من زواجه، عشرة من رؤساء الدين ليولم لهم، وعلى رئيسهم، قبل الأكل، أن يبارك على المائدة سبع مرات، كما يبارك كأس الخمر يوم الزفاف([370]).

و – المهور عند المسلمين الدمشقيين:

وكما تفاوتت النفقة فقد تفاوتت مهور الزواج: “عندما يقرُّ قرار الخاطبين على المهر الذين يكون للعذراء من 250 غرشاً، إلى 500 غرش يكتب الكتاب (العقد) في بيت أهلها، بحسب الشريعة” ([371]).

إن زواج القاصرات كانت ظاهرة في تلك المرحلة، حيث تزوّج الفتاة تحت السن القانوني وتقبض الأم مؤخر صداقها ونفقة عدتها الشرعية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“حضـر خليل والحرمة نفيسه الوصية على ابنتها زينب القاصرة عن درجة البلوغ، وخلع زوجته القاصرة المذكورة بطوعه واعترف بمؤخر صداقها عليه بـ(400غرش) وجعل لها نفقـة لعدتها الشـرعية (130غرشاً) وأقبض ذلك للوالدة”([372]).

وذكر بدر الدين الشلاح أن مهر عروسه كان ” 50 ليرة عثمانية ذهبية والمتأخر 25 ليرة ذهبية” ([373])  وهذا مبلغ كبير حيث كانت عروسه عمرها 12 عاماً، وهي قاصرة عن سن البلوغ والرشد كما هو واضح.

ومن المتعارف عليه أن مهر النساء من الذوات كان مبلغاً كبيراً، وصل بعضه آلاف القروش كما ذكرت الوثائق([374]).

وعندما يتزوج الرجل الثري للمرة الثانية، يفرض أهل العروس مهراً كبيراً، خاصة إذا كان هناك تفاوت كبير في السن بين الرجل وزوجته الثانية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

” إن الموكلة تستحق بذمة بعلها مبلغاً وقدره (5 آلاف قرش) مؤخر صداقها عليه. وكتب لها مهراً بـ (15 ألف غرش) 10 آلاف مقبوضة حين إجراء العقد والباقي في ذمته، مؤجلاً” ([375]).

وكان من مبطلات الزواج عند المسلمين، ظهور الرضاع بين الزوجين ومازال يؤخذ به حتى اليوم. نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

أن فتاة قررت بدعواها أن ابن عمّها قد عقد نكاحه عليها وبناء على ظهور الرضاع فيما بينهما، فقد أبطل الحاكم الشرعي حصول هذا الزواج([376]).

وفسـخ القاضي الشرعي عقد الزواج وأبطله عندما ظهر أن المرأة متزوجة بآخر حيث نقرأ في الوثيقة مايلي:

“تزوجت بهذا الحاضر ولكونها باقية في عصمتي والزوج الثاني لم يدخل بها حتى الآن، لذلك أطلب فسخ النكاح الثاني وإجبارها للذهاب معي للدار. كان الحكم بفسخ النكاح الثاني” ([377]).

وخلاصة القول: تباينت المهور حسب الأوضاع المادية للزوج ومكانته الاجتماعية.

ز – الطلاق عند المسلمين:

عانت المرأة في مدينة دمشق، من الطلاق الذي كان يحدث لأسباب مختلفة ذكرتها الوثائق، كانت وجيهـة أحياناً وتافهـة أحياناً أخـرى. وكما هو معلوم، فالطـلاق (أبغض الحلال) كما وصفه الشرع، حيث ذكرت الوثائق أن أحدهم حلف على زوجته بالطلاق لأنها ذهبت من دون إرادته للفرجة على موكب الحج عند عودته من المدينة المنورة مع أختها:

” حلف علي بالطلاق بالثلاث بأن لا أذهب مع أختي للفرجة على موكب الحج بعودته لهذه السنة. وإذا ذهبت وتفرجت وقع الطلاق المذكور. وصرت بائنة منه البينونة الكبرى”([378]).

وظهرت استبدادية الرجل ضد المرأة في كثير من حوادث الطلاق، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

” قررت المدعية بدعواها بأن زوجها قال لها علي الحرام أن لا تخرجي من داري بلا إذني وعندما خرجت بلا إذنه بانت منه البينونة الصغرى، لأنه مسبوق قبله بطلاق واحد ” ([379]).

وبالنسبة لتلك المرحلة، فإنه من المنطقي أن يتحكم الزوج، ويفرض إرادته على زوجته، وأن تنصاع لما يريد. ولكن أن يحدث الطلاق لمثل هذه الأسباب، فهو أمر غير مقبول ومسؤوليته تقع على الطرفين، لأنه أبغض الحلال.

ثم إن ممارسات الزوج السيئة كانت تجبر المرأة أحياناً على طلب الطلاق حيث نقرأ في إحدى الوثائق ما يلي:

” أشهد على نفسه انه إذا شتم زوجته أو ضربها أو لعب بالقمار، تكون زوجته المدعية طالقة ثلاثاً وبعدها بـ 8 أيام ضربها وشتمها. فبناء على ذلك بانت منه البينونة الكبرى، طالبة مقدم صداقها (100 غرش) و(2 ليرة فرنساوية) من مهرها المؤخر”([380]).

وإذا لم يذعن الزوج لطلب الزوجة بالطلاق، كانت تبرئ ذمته من مهرها المؤخر مقابل(*) الطلاق وهذا لم يكن يحدث برأينا لولا معاناة المرأة وصعوبة استمرارية العيش مع ذلك الرجل. ونقرأ في إحدى الوثائق حول ذلك مايلي:

“طلبت المرأة من زوجها أن يخلعها من عصمته وعقد نكاحه، على براءة ذمته من مهرها المؤخر، وقدره (20 ليرة ذهب فرنساوية ) ومن نفقة عدتها ومن نفقة متكسرة لها في ذمته لها وقدرها (800 قرش) ومن سائر الحقوق الشرعية المتعلقة بالزوجة، فأجابها لطلبها وخلعها”([381]). ولا ندري ما هو سبب ذلك الطلب إذ لم تذكر الوثيقة ذلك. يمكن أن يكون معاملة الزوج السيئة، أو ربما تكون لهذه المرأة نوايا أخرى، لا ندري ما هي، وربما تريد أن تتزوج بآخر. والله أعلم.

لقد عانت المرأة الدمشقية من الطلاق، حيث تشتت الأسرة، وخاصة الأولاد. وتعاني الأم المطلقة، حين يكون الأولاد موضع مساومة، وبالتالي أين سيعيش الأولاد هل مع الأم وزوجها الجديد، أم مع الأب وزوجته الأخرى (الخالة). وقد تحدث الكارثة بضياع الأولاد واستغلالهم من قبل الغرباء. فهناك كثير من حوادث الإجرام والسرقات راح ضحيتها الأحداث نتيجة غياب سلطة الأم والأب، وعدم شعورهما بالاستقرار والأمان، وبالتالي التوجه نحو الممارسات اللاأخلاقية وضياعهم وضياع حياتهم أحياناً في غياهب السجون أو قتلى…

نقرأ في إحدى الوثائق التالي:

“إن المذكور تحرر من نفقة ولده الصغير لأن الحاضنة تزوجت بأجنبي، هو السيد محمود بن حسن. وقد سقطت حضانة ولدها لزواجها بالأجنبي المذكور، فيطالبها بتسليم الصغير. وأمر القاضي برفع النفقة وتسليم الصغير لوالده”([382]).

وبعد الطلاق بالثلاث، لا يحق للزوج إعادة زوجته إلا برضاها، وبعد أن تتزوج بآخر، يتم طلاقها منه، وبهذا الصدد نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“بانت الزوجة من عصمته البينونة الكبرى، فلا يحل له من بعد، حتى تنكح زوجاً غيره، ثم بعد تمام ذلك، يعيدها إذا أرادت بمهر جديد وعقد جديد”([383]).

وإذا ما توفي الزوج أو امتنع عن دفع نفقة زوجته، تركت المرأة بلا معين. فحتّى أولادها أحياناً يتخلون عنها، فتضطر لطلب نفقة عن طريق الحاكم الشرعي من أحد أولادها المقتدرين، حيث هي لا دخل لها، ولم تكن تعمل خارج المنزل بشكل عام في تلك المرحلة. نقرأ في إحدى الوثائق عن امرأة مطلقة مايلي:

“ولكونها عازبة ومطلقة من بعلها والد المفروض عليه منذ ست سنوات حسب إقرار المطلق الحاضر بالمجلس، فرض على ولدها عن كل يوم (غرش واحد ونصف غرش) حساباً عن كل شهر (45 غرشاً) والاستدانة والرجوع إلى ولدها”([384]).

هذه الحالات كانت في المجتمع الدمشقي على اختلاف طبقاته. وقد أردنا أن نذكر أنه إلى جانب نساء دمشق اللواتي كن يعشن في البيوت الجميلة الهادئة، مع أفراد الأسرة بين الرياحين والبحيرات الجميلة، كان هناك نساء يعانين من ظلم المجتمع، وعدم مقدرتهن على العمل فتكفين أنفسهن بأنفسهن. وهي مشاكل مهمة كبَّلت المجتمع الدمشقي ولا نزال نرى آثارها حتى اليوم.

وعندما كانت تهجر المرأة دار زوجها لسبب ما، ويطلبها للعودة إلى داره وترفض العودة معه، فإنها كانت تُعتبر في نظر الشرع ناشزة. حيث نقرأ في إحدى الوثائق التالي:

“فرض على نفسه محمد بن عبد القادر السيوفي رسم نفقة ولديه من زوجته الحرمة خالدية بنت صابرين، المرأة الكاملة الناشزة المتمنِّعة عن الذهاب معه إلى الدار التي أعدها لسكناها، لأجل إطعامها، كل يوم ثلاثة قروش، عن كل شهر تسعين قرشاً وأذن لوالدة الصغيرين الناشزة لصرف القدر المفروض إلى الصغيرين”([385]).

وخلاصة القول: إنّه من قراءة وتحليل كثير من الوثائق، وجدنا عدداً لا بأس به من حالات الطلاق التي حدثت لأسباب مختلفة، منها جوهرية ومنها بسيطة تافهة لا تستدعي الطلاق. ونظراً لانتشار تعدد الزوجات في تلك الفترة، فقد كانت المرأة المطلقة تجد من يرغب في الزواج بها. ولم تكن النظرة للمطلقة تحمل أي نوع من أنواع الازدراء أو الشك، كما هي الحال اليوم.

ح – النفقة عند الدمشقيين(*):

تدرجت قيمة النفقات في مدينة دمشق، حسب غنى أو فقر من سيدفعها. وفي الفترة المدروسة، وجدنا من خلال قراءة وتحليل الوثائق الشرعية، تفاوتاً في مقدار النفقة بين رجل وآخر. فمثلاً فرض على أهل بعض القاصرين مبلغ شهريٌ ومنه أكلهم وشربهم وكسوتهم وسائر لوازمهم. ويسلم هذا المبلغ اللازم للزّوجة، لتصرفه على أولادها. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“يحتاج أسعد القاصر عن درجة البلوغ، لأجل طعامه وشرابه وكسوته وحمامه وأجرة مسكنه ولوازمه الشرعية إلى نفقة، وقد حُدّدت بقرش كل يوم. أي ثلاثين قرشاً في الشهر”([386]).

وتسقط حضانة الأم وتنقطع النفقة إذا تزوجت بأجنبي (أي بآخر غير والد الأبناء).

ويفرض القاضي الشرعي نفقة لزوجة غاب زوجها عن مدينة دمشق ولا تزال في عصمته كما وجدنا في هذه الوثيقة:

“فرض الحاكم الشرعي للحرمة عايشة الكردي زوجة مصطفى الكردي الغائب عن دمشق، من سكان صالحية الشام المستقرة في عصمته، لأجل طعامها وشرابها وكسوتها وسائر لوازمها، نفقة وتقدّر بقرشين في كل يوم. أي ستين قرشاً كل شهر. وذلك طوال فترة غيابه عن دمشق”([387]).

وكانت نفقة أهل الذمة (النصارى واليهود) تدفع وتخصص في المحاكم كما هي حال المسلمين، حيث ذكرت الوثائق مايلي:

“ادعت الحرمة لبيبة بنت شمشم من طائفة الروم، على ميخائيل سويد من السريان الكاثوليك، بمحلة النصارى، أنه فرض على نفسه برضاه رسم نفقة ولده المتولد من أخيه لأجل طعامه وشرابه، في المدة المرقومة (164 قرشاً) بمدة سنة واحدة وأربعة أشهر   و4 أيام. فرض لها الحاكم الشرعي (10 غروش) كل شهر وأذن بصرف ذلك على الصغير”([388]).

وأحياناً يفرض الشخص برضاه نفقة للأولاد (أولاده، أو أولاد ابنه الغائب عن المنزل) لحين رجوعه خاصة عندما تكون فترة غيابه طويلة، كأن يذهب للحج أو الجندية وغيرها حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“فرض عثمان النعال على نفسه، من باب السريجة بزقاق الجواميس، نفقة ولد ولده الغائب عن دمشق وأعمالها في صحبة ركب الحج الشريف لأجل طعامه وأجرة رضاع الصغيرة لحين حضور ولده الغائب المذكور” ([389]). لم تذكر الوثيقة الأم، فقد تكون متوفية واعتنى الجد بالصغيرة وتكفلها بغياب والدها الذي يعمل بصحبة ركب الحج الشريف.

وفرض الحاكم الشرعي نفقة على الأخ لأخته التي لا معيل لها، والتي لا كسب لها ولا من ينفق عليها سوى شقيقها([390]).

وكانت نفقات أولاد الجنود في تلك الفترة كما يلي، حيث نقرأ في إحدى الوثائق: فرض الحاكم الشرعي على خليل يوزباشي في الأوردي الخامس الهمايوني ابن أيوب أغا، من سكان سوق ساروجة، لتمنعه عن أداء النفقة بحسب الطلب والالتماس، نفقة ابنته بعد طلاقه من والدتها عن كل شهر من تاريخه، ثلاثة ريالات مجيدية أبيض”([391]).

أي أن مقدار النفقة التي فرضها الحاكم الشرعي لابنه اليوزباشي بين 60 -66 قرشاً. وهو مبلغ مقبول بأسعار تلك الفترة، ومقارنة بنفقة أخت المعلم الابتدائي التي ذُكرت في الوثيقة السابقة.

عبد الحميد الثاني -م11

وقد قرأنا في إحدى الوثائق، أن أحد الأغنياء من تبعة دولة أجنبية، دفع خمسة([392]) ريالات مجيديات نفقة عن كل شهر أي (100 – 110 قروش) وهذا مبلغ جيد بالنسبة لكلفة العيش في تلك المرحلة.

“جدول نفقة لمختلف الطوائف في دمشق”

مقدار النفقة شهرياً لمن تدفع المصدر
200قرش، للحرمة مريم بنت النعال. لرضيع عمره  7 أشهر، لولداته المطلقة أجرة رضاع. س شرعي دمشق 871 ـ و45 ت 5 محرم الحرام 1302، 1885.
60 قرشاً للحرمة عايشة بنت الكردي نفقة زوجة غاب زوجها لأجل طعامها وكسوتها…. س شرعي دمشق(780) و(756) ت 7 محرم الحرام1303هـ، 1886م
1.5 قرش كل يوم 45 قرش كل شهر لأخت الشيخ محمد البيك معلم ابتدائي التي لا معين لها سواه س شرعي دمشق 1075 و1909, ت 16شوال 1373هـ، 1896م
قرشاً واحداً كل يوم،  30 قرشاً شهرياً القاصر بن علي أسعد س شرعي781 و3 ت28محرم 1302هـ
لمدة أربعة أشهر وأربعة أيام 164غرش، وكل شهر عشرة غروش. لابن حبيب سويد من طائفة السريان الكاثوليك س شرعي دمشق 837، و159, ت16شوال 1373هـ،  1887م
350 غرش أجرة خادم و750غرش شهرياً صاغ الميري بسعر الليرة (100 غرش) نفقة ولدي شحادة السقال (موسى وزكي) سجل شرعي دمشق 210، ت 11شعبان 1317 هـ، 1890م
قرشين اثنين بينهما مناصفة نفقة ماير بن شحادة اليهودي لولديه من مخلوعته سجل شرعي دمشق 1013، و77 ت5 جمادى الأولى 1311هـ،1894م

من الجدول نأخذ فكرة موجزة عن طريقة دفع النفقة ومقدارها عند كل الطوائف وهناك أمثلة كثيرة في المحاكم لحالات مختلفة.

جدول مهور عند المسلمين

مقدار المهر وضع الزوجة لمن يدفع المصدر
250-500غرش للعذراء كرد علي: خطط الشام ج6 ص290
400غرش قاصرة/مؤخر صداق يدفع للأم س7076، و1299، ت1314هـ, 1897م
50ليرة عثمانية ذهبية العروس قاصر عمرها12عام يدفع للأب الشلاح: للتاريخ والذكرى، ص24
آلاف القروش مهر نساء الذوات س1216،و60، ت1319هـ، 1902م
مؤخر صداق 5 آلاف قرش ومهر 15ألف قرش الزوجة صغيرة والزوج ثري (زواج ثاني) للأب س1254،و14، ت1321هـ, 1904م

من الجدول نلاحظ اختلاف المهور عند المسلمين وذلك حسب عمر الزوجة، وحال العريس الاجتماعية والاقتصادية.

2- أوضاع المرأة الدمشقية في الفترة المدروسة 1876-1908م .

بقيت المرأة الدمشقية ضمن أطرها التقليدية، بعيدة عن الشأن العام والعلم والعمل والمشاركة في الحياة خارج المنزل، إلا في بعض الحالات التي سنذكرها والتي أخذت تظهر في تلك المرحلة، نتيجة تسرب الأفكار الحديثة مع الجاليات الأوروبية وبعض الفئات الدمشقية المتعاملة مع الغرب، إضافة إلى بنات الأعيان والأثرياء اللواتي ملكن العقارات وتاجرن بها وبغيرها. حيث وصف بشير العظمة والدته وهي نموذج للمرأة الدمشقية في تلك المرحلة كما يلي:

“كانت الوالدة أميّة كبنات جيلها جميعاً”([393]).

وقد عاشت معظم النساء في غاية الاحتشام والهدوء فكنّ يظهرْنَ غير متبرجات في كل الأحوال، وعلى وجوههن المناديل (مسلمات ومسيحيات). والمسيحيات كُنّ قلة في مدينة دمشق بالنسبة للمسلمات. وقد رأى عبد الجواد القاياتي الذي زار دمشق، أواخر القرن التاسع عشر، أن:”التكشف(*) من أعظم الدواعي المثيرة المهيجة لسواكن الشهوات([394])”.

لعبت المرأة الدمشقية في تلك المرحلة، دوراً سلبياً في نهوض المجتمع الاقتصادي خارج مسْكنها، فقد لازمت المنزلَ وأسرتها، وكانت مخلصة لواقعها الأسروي. وَوُصِفَت النساء الدمشقيات بجمال الطلعة وحسن الهندام ورقة اللهجة. وهنَّ على العموم، ربات بيوت ومربيات أولاد من الطراز الرفيع “ألا تُعتبر تربية الأولاد تربية صالحة، مساهمة في نهوض المجتمع من كل الجوانب؟” وإذا اغتربت الدمشقية كوَّنت لها جواً خاصاً من بنات بلدها. وتعطي البيت الذي تدخله طابعاً خاصاً بها.

وذكر بعض المؤرخين المعاصرين لتلك المرحلة في مذكراتهم، حبَّهم لمجالس النساء والاستماع إلى كلامهن وحكاياتهن الحلوة، عندما كانوا صغاراً ([395]). إلا أن الأعراف غالباً ما كانت تحول دون اجتماع النساء والرجال في المجالس، لذلك اقتصرت حياة المرأة على الاجتماع مع النساء من أهلها وأقربائها. وكانت أجمل الاجتماعات لدى النساء هي التي تعقد في الحمامات، حيث اللهو والغناء وسماع الموسيقا. وفيما عدا الزيارات والحمامات، لم يكن ثمة أماكن تذهب إليها النساء، فلا مسارح ولا مقاهٍ سوى التنزه في البساتين المجاورة الخاصة بالمدينة، في فصل الربيع المزهر. ولم يكن يحق لرجل أن يجالس امرأة إلا إذا كان قريباً أو من الذين يحرم عليها الزواج منه أصلاً أو رضاعاً([396]).

عاشت المرأة في منزلها ودارها الدمشقية (حماة، كنة، بنات، أخوات) ونادراً ما تكون المرأة وحيدة. والشرع يقضي بإقامة مؤنسة عندها([397]). وكانت أعمال المنزل وتزيين نفسها والعناية بالأولاد والرياحين، هي كل ما يهم المرأة داخل جدران المنزل الدمشقي.

وفي تلك المرحلة، وجدنا أن بعض النساء خرجن للعمل كمعلمات أطفال في الكُتّاب، لتعليم الأولاد مبادئ القراءة وقراءة القرآن الكريم فقط([398]). وعملت المرأة في مدينة دمشق وريفها أعمالاً؛ مهمة، فقد ذكر قاموس الصناعات الشامية أعمالاً خاصة بنساء المدينة مثل(*)” الأسطة، البلانة، الغسالة، الرسامة، الماشطة، النقاشة”([399]) وعملت المرأة الريفية أعمالاً مختلفة مع الرجل في الحقل إضافة إلى أعمال المنزل، من طبخ وكنس وإعداد الخبز وغير ذلك، وتربية الأولاد.

وقد وجدنا من خلال الوثائق، أنَّ المرأة الدمشقية مارست أعمالاً خلال العهد العثماني، رغم ما ذكر على ألسنة بعض المؤرخين المعاصرين، من لزومها المنزل وعدم قيامها بأعمال مهمة. فقد باعت واشترت العقارات والمحال التجارية والمقاهي ومارست الشراكة التجارية لتكثير أموالها، وعقدت الديون باسمها. وقد أشارت الوثائق إليها باسم الحرمة بنت فلان حيث نقرأ في إحداها مايلي:

المدعي: أسعد كعيكاتي صايغ بالشام.

المدعى عليه: الحرمة أنيسة بنت جلالة من سكان سوق الغنم بالشام.

والدعوة أن له ديناً عليها مستحق الأداء مقداره (848 قرشاً) وهي ممتنعة عن الدفع، وموجود لها عند متري حنا الجوهرجي بالصاغة (جوز لودان(*) ألماس وزنار فضة وجوز سلاسل فضة وخاتم ألماس) ولوفاء مطلوبه المذكور يطلب الحجز على المجوهرات السابقة؛ أعطي القرار بالحجز” ([400]).

وأسست بعضهن الشركات مع الرجال، بُغية الربح، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي: ” بيان مجلس الشركة المكتوبة بين السيد أحمد عثمان وأمين أغا الدرزي وفيما بين فاطمة شريفة خانم حسب ما يأتي توضيحه ”

رأس مال السيد أحمد عثمان 10080 غرشاً

رأس مال السيدة شريفة خانم 4040 غرشاً

موجودات الشركة 15120 غرشاً

دفع أقساط وخلافة 24120 غرشاً

تنزيل رأس المال المحرر أعلاه 15120 غرشاً

بيان صافي الأرباح إلى عمر الشركة 9000 غرش (كما وردت في الوثيقة)([401])

ووضعت إحداهن رصيدها (أموالها) في أوضة (غرفة) تجارة دمشق، حيث حاول أحد التجار التلاعب بأموالها، لكن صاحبة المال كانت قد صدقت ذلك في مركز الطائفة التابعة لها.تقول الوثيقة:

” ادَّعت الست تقلا (ليس لها صفة) على انطون الزيات، تاجر من أوضة التجارة، مقيم بالشام بدفع الدين عليه للست تقلا (5356غرشاً) والقيمة رصيد حساب المدعية المذكورة لغاية تاريخه مصدقة من جانب بطريقخانة الروم الكاثوليك بالشام”([402]).

وقد وجدنا أن زوجة الثري قنصل هولندة واليونان بالشام (عبده بك قدسي) مارست الأعمال التجارية والصرافة، وذلك بعقد الديون بفوائد من أجل الحصول على الأرباح وتكثير أموالها الخاصة، أسوة بزوجها الذي كان له باع طويل في هذا المجال، حيث نقرأ في الوثيقة مايلي:

“ادعت مارينا مصابني زوجة عبده بك مقدسي، مقيمة بالشام، على عباس شموط تاجر بالشام بدين لها عليه بموجب سند مع الفائض”([403]).

وعقدت بعضهن الديون، وحجزت على عقارات مقابل الدين، عند عدم تسديد المدين الدين في الوقت المقرّر، حيث نقرأ في الوثيقة مايلي:

“ادعت الحرمة هدية بنت المرحوم يوسف فارس على الخواجة موسى يازجي بدين مقداره (15000 غرش) استدانه منها بحساب الفائض واستدان أيضاً (190 ليرة فرنساوية ) ومقابلة ذلك مرهون عندها بيت للمديون (بزقاق الموصلي) بطريق الفراغ بالوفاء بالدين. وتطالب ببيع الرهن لاستيفاء الدين”([404]).

وقد باعت المرأة الدمشقية في الفترة المدروسة واشترت العقارات، حيث ذكرت الوثائق ذلك بوضوح كما يلي:

“اشترت الحرمة عمشة بن عبد الله العشا جميع الطاحونة الكائنة في صالحية دمشق الشام”([405]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“اشترت مريم جرجس أديب المرأة العيساوية من سكان القيمرية، من صاحب الرتبة المطران أغاييوس، جميع كدك(*) وخلو المخزن السفلي الكائن داخل خان الجوخية”([406]).

“واشترت الحرمة أسما من الشيخ مصطفى إمام جامع الشابكية، جميع الدار الكائنة بحارة داور أغا بسوق ساروجة” ([407]).

كما استأجرت واستحكرت(**) كثيراً من العقارات والأراضي في قرى مدينة دمشق وريفها حيث نقرأ في إحدى الوثائق التالي:

“استأجرت واستحكرت الحرمة خديجة جميع قطعة الأرض التي مساحتها عشرة أقصاب تربيعاً”([408]). ونقرأ في وثيقة أخرى:

“استأجرت واستحكرت الحرمة زاهية قادن بنت الجوربجي وابنتها شفيقة البيطار بنسب من المأجور، وذلك جميع بياض وقرار أرض الدكان الكائنة بسوق المرادنية، باطن دمشق”([409]).

وقرأنا في إحدى الوثائق أن امرأتين قد استأجرتا قهوة خانة للاستفادة من أرباحها:

“استأجر الوكيل عن المرأتين القهوة خانة المعروفة بقهوة البرغوتي بمحلة العمارة البرانية([410]).واستأجرت المرأة دكاناً لبيع الفول بمالها لنفسها، من أحد معتبري محلة، بين البحرتين في العمارة الجوانية والدكان بسوق الجمال في سوق ساروجة المعدَّة لبيع الفول”([411]).

ومن دراسة وتحليل الوثائق لا حظنا أن أكثر النسوة اللواتي مارسن نشاطاً اقتصادياً، كُن من بنات الأعيان والذوات ومن معتبري مدينة دمشق كما وصفتهم الوثائق:

“اشترت الحرمة كلثوم بنت حسن الحسيني الجزائرلي، بما لها لنفسها، جميع الحصة من عمارة وبناء الحوش بأرض المرج القبلي ويُعرف بقرية قرحتا المشتمل على عمارة وحوش ومساكن وجنائن وحواصلي وبوايك وغراس في أرض القرية”([412]).

وسكنت بنات الأغنياء والأعيان في استانبول (الآستانة) وتملكت أو ورثت عقارات في مدينة دمشق، عملت على بيعها واستثمارها. وقد وكلها إخوتها الرجال عن بعض أعمالهم حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“حضر عبد الله زاده من أهالي صوفيه، من أعمال أدرنة، مدير مال قضاء بصرى تابع لواء حوران، ووكل وأناب عنه أخته لأبيه الحرمة مهري خانم الغائبة في الأستانة والمقيمة في (سراح خان باشندة محلة سندة) في بيع وفراغ القطع والجفلكات(*) الكائنين في سنجق صوفيه حوالي 300 قطعة أرض وجميع الفرون(**) الكائنة في نفس صوفية بسوق بانين باش، والدكانتين بالفـرون المذكورة”([413]).

وباعت المرأة واشترت من امرأة أخرى، ووقفت في المحكمة وباشرت قضاياها الخاصة بنفسها حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“اشترت الحرمة أنيسة الزيبق، من خانم الدرويش من باب سريجة 22 قيراطاً من 24 قيراطاً من الدار الكائنة ظاهر دمشق العائدة بالارث الشرعي بمحلة قبر السيدة عاتكة”([414]).

وقد خلَّفت النساء الموسرات مخلَّفات مهمة جداً وعقارات وجدناها مذكورة في إحدى الوثائق كما في المثال التالي:

“توفيت المرأة والدة المدعي ثم توفي زوجها الوارث لها، ويطالب الأولاد بالإرث الشرعي وهو عبارة عن كازينو في مرجة دمشق قرب جسر الحديد، وجميع العربخانات(***) في المرجة والدار العلوية الراكبة على العربخانات والفرن بمحلة تحت القلعة، والدكان بسوق الخيل سوق ساروجة، وخمس دكاكين بالسنجقدار، والدكان المخزن في بركة المدورة والدار الصغيرة على العربخانات، ودكان بسوق الخياطين، ودكان قرب باب المحكمة الشـرعية، ودكان بسوق الخيل” ([415]).

كما نلاحظ من الوثيقة فإن المرأة كانت ثرية وتملك كثيراً من العقارات والدكاكين وغيرها…

وذكرت الوثائق أنه إذا ما توفيت امرأة، فإن ما يخلف عنها بعد مصاريف الجنازة، يوضع تحت تصرّف مدير مال الأيتام بدمشق ليتولى أمر الصرف على الأيتام، وهذا دليل على وجود ورثة صغار. نقرأ في الوثيقة:

“الأموال البالغة 12015 غرشاً، حيث وزعت 7681 مصاريف وفاة. ويعود إلى صندوق مال الأيتام ما تبقى من التركة وهو مبلغ 2020 غرشاً فقط”([416]).

وانتشرت في تلك المرحلة عادة تعدد الزوجات، حيث قرأنا ذلك في كثير من الوثائق والسجلات ففي إحدى الوثائق جاء مايلي:

“توفي اليوزباشي بالعساكر الزاندرمة السواري بمركز ولاية سورية وانحصر ارثه الشرعي في زوجاته الثلاث” ([417]).

ونقرأ في وثيقة أخرى أن تاجراً كان بذمته أربع نساء:

“محمد بن مصطفى سليق المتوفى والمنحصر ارثه الشرعي بزوجاته الأربع”([418]).

وأن أحد التجار تزوج بثلاث جوارٍ من بنات عبد الله ولم ينجب أولاداً حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“المرحوم علي باشا ميرلوا أركان حرب متقاعد ابن عبد الله توفي في دمشق وانحصر ارثه الشرعي في زوجاته الثلاث وهن فاطمة ونفيسة وخديجة بنات عبد الله بدون أولاد..”([419])

نلاحظ من الوثيقة أن الزوجات الثلاث جاريات وقد تزوّجهنَّ المرحوم وانحصر ارثه الشرعي بهن.

وتعدُّدُ الزوجات كما هو معلوم، يؤثر على حياة المرأة والأسرة، ويخلق مشكلات جمة يصعب السيطرة عليها فيما بعد. إلا أن هناك بعض العائلات يعشن من دون أي خلاف، حسب تصرفات الزوج وعدله بين الجميع.

ومنعت السلطنة العثمانية زواج العثمانية بالإيراني، بأوامر واضحة وصارمة، ومعلوم  أن الفرس أقضوا مضجع الدولة العثمانية بمحاولاتهم المستمرة استرداد العراق وقد برز هذا الخلاف بالشكل الطائفي وهذا المنع هو قرار سلطوي وليس ديني.

وقد قرأنا في الأمر السلطاني بهذا الخصوص ما يلي:

“يمنع باتاً تحرير أي علم أو خبر عن زواج لامرأة عثمانية على رجل إيراني. فهو أمرٌ غير ممكن حسب الأنظمة المتبعة في الدولة العلية، لذلك نؤكد على جميع النواب والدوائر الشرعية والبلديات والمخاتير عدم تنظيم أية معاملة عقد زواج ويكون مسؤولاً عن ذلك من يتجرأ على تنظيم زواج من الإيراني على زوجة عثمانية وسيعاقب المتجاسرون على ذلك بأقصى العقوبات وأشدها” ([420]).

وقد انتشرت ظاهرة زواج البدل (الشغار) أي يأخذ ابنتهم زوجة له، ويعطي أخته زوجته لابنهم، وقد كانت تسبب طلاق الزواج عند العائلتين نتيجة طلاق زوج منهما، وقد استمر دور المرأة في العناية بأسرتها والحفاظ على دورها الذي فُطرت عليه ولا تزال. وقد شهدت الفترة المدروسة، بداية ظهور أفكار تحرر المرأة التي كانت جزءاً من أفكار النهوض التحرري المجتمعي. وكانت تطرح بشكل جدي بين المتنورين من مفكري دمشق وسورية والبلاد العربية. وهذا ما اتضح من خلال مقالات ومؤلفات أحمد فارس الشدياق وفرنسيس فتح الله مراش، وحبيب الحداد، وعبد الرحمن الكواكبي. وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، الملامح الأولى لولادة الحركة النسائية، حيث أسست (جوليا الحوراني) بمساعدة زوجها إبراهيم الحوراني عام 1879 م أول جمعية نسائية كانت (باكورة سورية). وهكذا رفعت هذه التحولات من مكانة المرأة العربية الدمشقية التي كانت جزءاً من النهوض الشامل للمجتمع.

3- الأزياء وتطورها(*):

عُرف الإنسان في تلك المرحلة من ملابسه وزيه إذ إنّ الملابس لم تقرر وضعه الاجتماعي فحسب وإنما حَدََّدَتْ دينه ومذهبه وصناعته([421]) وأصله.

فقد كان لكل طائفة من الطوائف الدينية، أزياء خاصة في الملابس منها للعمل وغيرها للمواسم والأعياد([422]).

ولبس رجال الدين المسلمون القنباز(**) وعليه معطف رقيق، ووضعوا عمائم مطرزة فوق الطرابيش، ضيقة من أطرافها إلا من ناحية الجبهة، فإذا كانت العمامة([423]) ساترة أطراف الطربوش ومنحطة إلى الآذان، فإنها تشير إلى أن أصحابها من العلماء الزاهدين. وان كانت من القماش الأبيض الرقيق فإما أن يكون صاحبها إماماً أو خطيباً لمسجد أو قاضياً أو مفتياً أو شيخ مدرسة لتحفيظ القرآن. وان كان القماش أخضر وملتفاً على تاج، كان لابسه من السادة الرفاعية. وان كان على طربوش(*) كان من السادات الأشراف([424]).

وإن كان القماش أسود فصاحبه من القادرية، وان كان يلبس قلنسوة طويلة من الصوف الأحمر، فذلك يدل على أنه من السادة المولوية. ومنهم من كان يضع العمامة التجارية الكبيرة، تستر عامة الطربوش، وهي مصنوعة من الشال المقلم أو من القطن الملون أو الحرير.

وأُلزم أهل الذمة (نصارى ويهود) بموجب الأحكام الشريفة الهمايونية، بلبس (الغيار) أو لباس يميزهم عن المسلمين. واعتمد التميز غالباً على اللون والشكل والطراز، حيث لم يختلفوا عن المسلمين من ناحية ارتداء القنباز والسروال، إلا بالألوان. فكانت قنابيزهم ميالة إلى اللون الأصفر، وعلى رؤوسهم الطرابيش ذاتها، ولكنهم يقيمون فوقها المناديل. وإذا رأيت أحدهم يلبس قنبازاً مائلاً للصفرة وطربوشاً فوقه منديل، أدركت أنه نصراني، بالإضافة لحلق لحيته وإطلاق شواربه. وقد راجت صناعة الطرابيش في تلك الفترة، ولبسها الرجال المسلمون والمسيحيون، فقد ذكر قاموس الصناعات الشامية مايلي:

“الطرابيشي هو بائع الطرابيش، يستجلبها بائعها من البلاد التي يُعمل بها، وهي أصناف، منها العادي ثم المصري فالمغربي، وكل منها له شرابه حسب البلدان مثل الملكية والعسكرية والعباسية. وهذه الحرفة في شامنا رائجة جداً لعدم الاستغناء عن لبس الطربوش. فالغالب يلبسون الطربوش العباسي. وهي حرفة شريفة تنتج ربحاً طيباً”([425]).

أما طبقة العمال والصناع فقد لبست القنابيز الكتانية والحريرية والقطنية حسب المهنة. حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“وقنباز ديما عتيق وقنبازين ديما صغار”([426]).

وفي تتمة الوثيقة نقرأ:

” جميع الأمتعة المشتملة على قنباز غزل وحرير كموني وقنباز آلاجاكواز مقلم “. فإذا كانت المهنة شاقة كان القنباز عادياً. أما إذا كانت الحرفة نظيفة خالية من اعتلاق الأوساخ، فيلبس القنباز الحريري.

وأما المتعلمون من المسيحيين([427]) فقد لبسوا اللباس الإفرنجي، وصغارهم السروال الإفرنجي القصير، وجوارب طويلة حتى الركبة. ولبس اليهود نفس الطراز المسيحي، إنما كان الغالب على اليهود الامتناع عن حلق اللحى إذ كانوا يطلقونها. وكانت طرابيشهم قصيرة يسترها منديل أو أكثر من منديل، ويربطون في أعناقهم كيس الدراهم، ويدخلونه في صدورهم داخل الصدرية، وتحت المتيان(*) خوفاً من الضياع.

ولبس موظفو الحكومة ودوائر الدولة اللباس الإفرنجي (جاكيت أشبه بالمعطف القصير) وصدرية وسروالاً ضيقاً فوقه معطف من جنسه ” ومن جميع الأشياء المذكورة ساكو(**) جوخ”([428]). والساكو هي الجاكيت وتُلبس وقت العمل، أما خارج العمل، فقد كانوا يلبسون كالناس الآخرين. ويذكر أن الملابس الرسمية لأصحاب الرتب المدنية والعسكرية ” كانت معطفاً طويلاً مزركشاً بالقصب، تعلوه الأوسمة التي تلمع على الصدور، والسيوف مدلاة على الجوانب، وشرائط حريرية معلقة بها بعض الأوسمة. وهذه الشرائط تختلف ألوانها بحسب الأوسمة. ومعظم الأوسمة مرصعة بالألماس والجواهر. وهكذا كنا نجد صدور بعض رجالات الدولة، مزينة بالأوسمة التي ينالها صاحبها بحيث تكاد تشبه واجهة مخزن مجوهراتي أكثر منها صدر رجل مدني”([429]).

ونقرأ في إحدى الوثائق عن رواج صناعة الكُوفيات مايلي:

“الدكان باطن دمشق بالشاغور، بجادة الظط المعدة لنسج الكوفية، اشتراها عزرا ساسون الموسوي”([430]). حيث كانت تستخدم الكوفية كغطاء للرأس حتى اليوم، حيث نجد دكاكين معدة لبيعها في سوق مدحت باشا، في مدينة دمشق، ويقبل على شرائها أهل ريف دمشق.

طرأ في تلك الفترة، تغير هام على الأزياء، فقد أقبل الناس على شراء الملبوسات الأوروبية. ولبس الموظفون والمثقفون الزي الأوروبي، وحافظ كثير من السكان على الزي التقليدي حتى منتصف القرن العشرين تقريباً، بعد إدخال تعديلات عليه أدت إلى تبسيطه وخفض تكاليفه. ونجد في إحدى الوثائق وصفاً لبعض هذه الملابس. “فردة شال، قنباز آلاجة، وقنباز ديمة وصدرية، ولباس ساكو مع عباية وقنباز”([431]).

إن التغيرات الأهم كانت في أزياء النساء، فقد هجرن بسرعة، الزي القديم وبَـَدا الفرق واضحاً بين أزيائهن وأزياء الرجال. وأقبلن أكثر من الرجال على استعمال الأقمشة الأوروبية([432]).

ولبست النساء ملابس خاصة داخل الدور، وملابس للسهرات والاحتفالات. فملابس الدور هي ثوب بسيط وسروال طويل من جنس الثوب. وكُنَّ يجعلن السروال أطول من الساق بنحو نصف ذراع، ويثنين الزيادة تحت الركبة ويعقدنها هناك بالقيطان، ويستعملن فوق الثوب ” المضربية” أو الفروة، ويتزيَّن بتكة حريرية (زنار) أو بشال خفيف([433]).

وصُنِعَتْ ملابس المناسبات من البروكار الغالي الثمن (الذي اشتهرت به دمشق). تصل أطرافها السفلى إلى الأرض وتنسحب عليها وهي ذات (شاحط) أي ذيل طويل. ولم يكن اللباس النسائي يُظهر من المرأة إلا عنقها وصدرها ولكنه كان يظهر مفاتن خصرها بالمشدّ (الكورسيه) تمشياً مع الذوق العام([434]).

وكانت قواعد التجميل في ذلك الوقت، غاية في الدقة والإتقان، فعرفت النساء البودرة والدزكن (هو سائل أبيض تدهن به الوجوه لتزيدها بياضاً وجمالاً). واستخدم الكحل، وكان الشعر طويلاً غير مقصوص، ترفعه النساء عالياً على رؤوسهن. وثابرت النساء على ارتداء أثوابهن حتى تتمزق. ولا عيب في ذلك. “وقد رأى عبد العزيز العظمة، وهو في السابعة من عمره، أمه تلبس ثوباً حريرياً اسمه قنباز استانبولي طويل الذيل، ترفع الزيادة إلى خصرها، وتربطه بزنار حريري ( تكة طرابلسية) وقالت إنه قنباز عرسها”([435]).

وكانت المرأة الدمشقية تغطي، رأسها بقماطة الرأس وينسدل شعرها جدائل من تحتها (عبارة عن منديل صغير من حرير خفيف). أو الكاز (وهو نوع من نسيج ولكنه غير حريري وتجعل أطرافه سجفاً تتخلله قطع الألماس والأحجار الكريمة).

وتغير الحال المدني عند النساء الدمشقيات في الفترة المدروسة، نهاية الحكم العثماني، نتيجة استيراد البضائع الأجنبية والأقمشة الأوروبية إلى المدينة. وما يدل على التغلغل الأجنبي في الاقتصاد الوطني ومنافسته والقضاء عليه، حتى إن الموضة الحديثة غزت البيوت الدمشقية: “فقد تغير الزي؛ فالنساء تكون ملابسهن موحدة وقد أقلعن عن الملابس القديمة. ومنذ مدة أخذن يتبعن الأزياء الإفرنجية، فصرت تراهن كل يوم بزي جديد، وقد تولد لديهن بغْضُ الأقمشة الوطنية، وهن يحسبن كل قماش غير موسوم بوسام إفرنجي كشيطان رجيم. ولكن في المدة الأخيرة، ولشدة الضيق عند رجالهن، تغيرت ميولهنَّ قليلاً وَعِرْنَ منسوجات الوطن بعض الاعتبار، وصرن يلبسْنَهُ ولا تخرج امرأة من بيتها دون إزار، ويسبلن غالباً المناديل على وجوههن كي لا يراهن أحد..”([436]).

واستعمل بعض الرجال والنساء في الشتاء، الجوارب البلدية التي تصنع في الدور، من القطن أو الصوف. أما في الصيف فلا يستعمل أحد منهم الجوارب أبداً. ولبس الدمشقيون القبقاب في الدار فقد قال أحدهم:

“حذاؤنا في الدار قبقاب خشبي نطرب لإيقاعه الرتيب على أحجار الطريق أو أرض الدار، ويقوم بوظيفة جرس يعلن الحركة والسكون”([437]).

واستخدم الناس الحذاء المكشوف إلا عند أصابع القدم، وسمي كندرة ولونها إما أسود أو أحمر. ويشير قاموس الصناعات الشامية إلى رواج هذه الصنعة رواجاً كبيراً، والى أن أرباحها تضاعفت وأصبح لها أسواق متعددة، وذلك لكثرة الطلب على هذه الأنواع، وعدم استغناء الناس عن لبسها وظهور المدنية لعالم الوجود([438]). وهذه الصنعة لم تكن موجودة في أوائل القرن التاسع عشر، فما كان آنذاك إلا الخف والبابوج الأصفر والصرامي الحمر.

وانتقد كثير من المعاصرين، ظاهرة التفرنج في الأزياء والملابس، بعد أن غزت التجارة الأجنبية وبضائعها الأسواق الوطنية وفتحت الأبواب على مصاريعها لتجارة الغرب وراجت الدعاية لصنائعه المزخرفة، غزو ثقافي.

عبد الحميد الثاني -م12

“وأخذ البعض يقلع عما اعتاده من الأزياء والثياب الشرقية. وأهمل الرجال لبس القنباز، وأخذ بعضهم يقلّد أهل الساحل بلبس السروال العريض، مع المتيان والصدرية والدامر”([439]).

4- المواسم والأعياد:

اعتاد أهل دمشق على عادات معينة في مواسم مختلفة من السنة، وتهيئة الحلوى الخاصة بكل موسم([440]). وتعددت أعياد المدينة بتعدد طوائفها، وكان لكل طائفة عاداتها وتقاليدها تمارسها بحسب العيد وأهميته الدينية والاجتماعية. وسنحاول تقديم صورة بسيطة لهذه الأعياد وطقوسها ومظاهرها الاجتماعية، حسب أهمية الشرائح الاجتماعية في تلك المرحلة، وأهمية تلك الأعياد بالنسبة لها من جهة أخرى([441]).

يحتفل المسلمون بعيدين دينيين رئيسين، هما عيد الفطر، وعيد الأضحى. الأول في شوال، ومدته ثلاثة أيام، والثاني يوم 10 ذي الحجة بعد وقفة عرفات، وهو أربعة أيام وتكون وقفته في يوم عرفات. وفي كلا العيدين يصنع أهل دمشق أنواعاً من الحلوى المشهورة على عادتهم، مثل المعمول بالجوز والفستق والعجوة (التمر). ويُضحَّى بالخراف يوم عيد الأضحى، وتوزع على الفقراء بعد صلاة العيد. وهي واجبة على كل من استطاع من المسلمين([442]). يأتي بائعو غصون (الآس) في عيدي الأضحى والفطر، إلى المدينة، وينتشرون في الشوارع، ليشتريها الناس ويحملوها إلى قبور الأعزاء صباح أول يوم العيد قبل طلوع الشمس. وتوزع الصدقات قبل الذهاب للصلاة. ثم يزور الناس الأئمة والخطباء والوجهاء الذين يمدون الموائد من الصباح حتى المساء. وكانت عبارات التحية كانت عندهم (عيد مبارك) وردها (علينا وعليكم) أو (أيامكم سعيدة) وردها (أيامكم أسعد)([443]).

ومن المألوف أن يشارك المسيحيون إخوانهم المسلمين في المدينة، التهنئة بالعيد حيث، كتب فارس الخوري إلى محمد كرد علي في 8 ك1    1904 يقول:

“وأخذت أطوف من بيت إلى بيت، مهنئاً أركان الولاية ووجهاء المدينة بعيد الفطر”([444]).

ولم يكن ثمة عيد عام يحتفل به الجميع في يوم واحد، إلا عيد الجلوس السلطاني للسلطان عبد الحميد الثاني. ففي ذلك اليوم يحتفل المسلمون والنصارى واليهود، ويُزينون البلد بالمصابيح والقناديل([445]).

وتحتفل الإدارة العثمانية الحكومية بالعيد، بمراسم رسمية، حيث تطلق حكومة دمشق المدافع إيذاناً بانتهاء رمضان. ويودَّع هذا الشهر بالحفلات التي تجري في المساجد، وتزْيين الدوائر الرسمية. وفي أول يوم للعيد، تصطف الفرق العسكرية أمام المسجد الأموي الكبير، وتقدم التحية للوالي والقائد العسكري في المدينة، ثم تبدأ مراسم إخراج الشموع والزيوت المعدة لإرسالها مع قافلة الحج([446]).

ولا تختلف مراسم عيد الأضحى عن مراسم عيد رمضان، إلا في تقديم الأضاحي وتوزيعها بعد صلاة العيد (فصلّ لربك وانْحر).

ومن عادات عيد الأضحى، أن يصعد الناس في مدينة دمشق إلى حي الصالحية وقاسيون، بعد عصر يوم الوقفة ويلبوا كما يلبي الحجاج على جبل عرفات، حيث إن الصالحية سكن الصالحين وأضرحة الأولياء وذوي المقامات والمزارات التي كانت جديرة بالاحترام والتقديس.

وبالإضافة للعيدين عند عامة المسلمين، هناك الاحتفال بيوم عاشوراء وإيفاء النذور([447]).

“ولم يبرح بعض من لا يعتد بعقولهم، ينذرون بعض نذور غريبة، وهي ما يسمونه بالنوبة، يقيمون لها حفلة هي عبارة عن دعوة بعض الفقراء والمشعوذين الذين يضربون على الطار والطبل، ويلعبون بالشيش وبعض قطع من السلاح الأبيض، ويطفئون بأفواههم النيران، فيجتمع عليهم الأطفال، وهي عادة أصبحت على وشك الزوال”([448]).

ومن المواسم المهمة عند المسلمين، عيد المولد النبوي في (12ربيع الأول). وكان يعين في كل حي ليلة لقراءة المولد، وتجري مختلف الألعاب وتوزع الحلوى، وتقيم الحكومة حفلة المولد نهاراً في المسجد الأموي، وتدعو دائرة الأوقاف كبار الموظفين ووجوه الأحياء ويوزع الملبس. وفي ليلة المعراج (ليلة 27 رجب الحرام التي أسرى فيها الرسول (ص) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، تتلى في المساجد وبعض الدور، قصة المعراج، فيسمعها الناس خاشعين. وفي النهار يصنعون حلوى تسمى (العقيدة)من السكر والدبس المغلي والملون. أما في نصف شعبان أو ما يُسمّى ليلة التجلي الأعظم، فقد كان لهذه المناسبة دعاء خاص اعتاد الناس تلاوته. وفي النهار يصنعون الغريبة([449]).

ويحيي الناس ليلة القدر إلى وقت السحور، بعد أن يشاهدوا حفلات الذكر عند مختلف الطرق، خاصة المولوية منها في المساجد وأهمها المسجد الأموي. وتشترك النساء بالصلاة في مكان أعد لهن وراء الستار. ومن مراسم شهر محرم في اليوم الأول منه (رأس السنة الهجرية) أن يتبادل الناس التهاني ويقدموا المآكل والملابس لذويهم. وفي هذا الشهر، ذكرى فاجعة كربلاء (ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام) ويجتمع فيها المسلمون الشيعة في أماكن واسعة لسماع تفاصيل الفاجعة ويبدأ البكاء والحزن والآلام، وتقـرأ آيات من القرآن الكريـم على أرواح شهداء الفاجعة([450]).

وهنا لابد من كلمة حق، وهي أن المسلمين جميعاً يشتركون بالحزن والآلام لتلك الفاجعة بآل الرسول الكريم. ولقد مرّت السنون وأصبحت المجتمعات الإسلامية في حاجة شديدة إلى الاتحاد والتماسك ضد الأعداء. ويمكن الاكتفاء بتلاوة آي الذكر الحكيم وإهدائه إلى تلك الأرواح الطاهرة دونما ضجيج ولا مهاجاة، مما يوسع شقة الخلاف”([451]).

ويصوم المسلمون يوم عاشوراء ويفطرون على طعام الحبوب، ويوزعون الطعام على الفقراء والجيران. ومنذ العاشر من محرم يبدأ الناس الاستعداد لاستقبال أهلهم من الحجاج. ومن مواسم المسلمين في مدينة دمشق، خميس الأموات، وهو يقابل خميس الأسرار عند المسيحيين ( قبل عيد الفصح الشرقي بثلاثة أيام) وقد دعوه خميس الأموات وجعلوه خاصاً لزيارة الموتى والتصدق على أرواحهم.

– أعياد النصارى الدمشقيين في تلك المرحلة:

كانت أعياد النصارى الدمشقيين كثيرة على مدار العام، إذْ لا يمر أسبوع من دون مناسبة دينية أو عيد لأحد القديسين أو ذكرى الأسرار المقدسة، يقدم فيه صاحب العيد الشموع للكنيسة وحسنة للكاهن، وكمية من الخبز (القربان) (القداسة) المصنوع لهذه المناسـبة وتميـزه علامة الصليب على الشـكل الآتي:

x1∑\  وتعني هذه الحروف اليونانية (يسوع المسيح المظفر)([452]).

A  K /M

ويُرسل منه صاحب العيد إلى بعض المنازل في الحي في مدينة دمشق، كعيد مار الياس، أو عيد مارجرجس وغيره. وعلى صاحب العيد المسمى باسم أحد القديسين، أن يستقبل الناس للتهنئة ويدعو الكاهن للغَدَاء والعشاء مع الأقرباء والأنسباء. وعند المسيحيين الدمشقيين صيام لمدة سبعة أسابيع (الصوم الكبير) عن البياض (أي الصيام عن أكل المواد الحيوانية). حيث يقضي الناس أيام الصيام بالصلاة والعبادة. وأنا مع قول للسيد المعلم (السيد المسيح) ” ليس ما يدخل إلى الفم يدنسه وإنما ما يخرج منه”.وبالإضافة للصيام المعتاد فإن الصومَ عن الجوارح ومجاهدة النفس الأمارة بالسوء أفضل طرق الصيام، بالإضافة للصوم عن الطعام الحيواني الذي ينظف الجسد ويهدئ الروح، ويدعى هذا الصيام صيام عيد الفصح الكبير. وفي الأحد الثالث من الصوم يُلبس الأهالي الأطفال ملابسهم الجديدة ويحمّلونهم أغصان الزيتون والشموع الصغيرة المزينة، ويذهبون إلى الكنيسة، ويدور الكاهن والصبيان (خدام القداس) داخل الكنيسة حاملين الشموع والصليب وهم يرنمون ترانيم دينية مثل ” المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة”.

يحدث هذا في أحد يدعى أحد الزهور، ثم في الأحد السادس يفعلون نفس الشيء ويسمى (أحد الشعانين) إذْ يحضر الناس قداس العيد عند بزوغ الفجر (ليلة القيامة) ثالث يوم بعد الجمعة العظيمة، ثم يذهبون للبيت لتناول طعام العيد المكوَّن من المواد الحيوانية التي امتنعوا عن أكلها مدة الصيام البالغة (خمسين يوماً)، ويلونون البيض ويسلقونه. ويذهب الرجال لزيارة الأقارب، وتبقى النساء في الدار لاستقبال المهنئين الذين يحيّي بعضهم بعضا بالعيد قائلين (المسيح قام) ويرد صاحب البيت (حقاً قام) العيد الآتي تفرحون بأولادكم، المسيح قام. وهذه العبارات هي من ضمن العقيدة المسيحية إذْ يؤمن المسيحيون بأن السيد المسيح حمل الله الذي حمل خطايا العالم وضحى بنفسه في سبيل الآخرين، حيث صلبه اليهود في موضع الجلجلة، وقام في اليوم الثالث من الأموات حسب (الاعتقاد المسيحي). (أو تكونوا بالقدس الشريف) ولم يكن الاهتمام بعيد الميلاد، في الخامس والعشرين من كانون الأول كبيراً، كما هي الحال اليوم.

وتكون هذه المواسم والأعياد عادة، عند كل الطوائف المسيحية، متشابهة لأن الاعتقاد بالدين والعقيدة واحدٌ، والاختلاف يعود إلى المبشرين الذين جاؤوا في تلك المرحلة، وعملوا على تقسيم الطوائف الشرقية الأصل والانتماء، إلى طوائف شرقية وأخرى غربية تتبع الكنيسة البابوية في روما. إلا أن الانتماء الوطني الذي كان إضعافُه هدفاً لهذه العملية، بقي على حاله. والمسيحيون، أكانوا شرقيين أم غربيين، هم أبناء دمشق والوطن السوري، والعربي بشكل عام.

– أعياد اليهود الدمشقيين:

تقيّد اليهود في مدينة دمشق، شأنهم شأن جميع اليهود التقليديين، بالأعياد والمناسبات اليهودية المتعارف عليها فيما بينهم وأهمها:

يوم السبت: وهو عطلة أسبوعية تتوقف خلاله كل الأعمال، سواء الخاصة منها أو العامة، بسبب الاعتقاد أنه يوم استراحة الرب، بعد خلق الكون في ستة أيام، لدرجة أنه يوم لا يحق لأحدهم أن يشعل النار فيه(*). ويراقب اليهود بعضهم في التمسك بالسبت، ويلبسون فيه لباساً خاصاً ويقرؤون التوراة بأصوات مرتفعة([453]). ويقدس اليهود القرّاؤون يوم السبت أكثر من اليهود الربانيين، فحتى الطبخ يوقفونه يوم السبت.

– عيد رأس السنة، ما بين نهاية أيلول حتى العشر الأولى من (ت1) ومدة العيد يومان، يمضونهما في المنازل ولا يقدمون المعايدة لأحد. وفي هذا العيد يأكلون اليقطين تيمناً بحلاوته، ليكون العام الجديد حلواً مثله. ويأكلون الرمان لتكون السنة مليئة بالخير كحب الرمان.

عيد الغفران:

(كيبور) وهو يصادف في (10 ت1). لمدة يوم واحد، فلا يشعلون النار فيه ويصلي الرجال أثناءه، أما النساء فيبقيْنَ في المنازل.

عيد المظلة (سكوت)

ويكون في (15 ت1). وهو ذكرى أيام التيه في صحراء سيناء. مدته تسعة أيام، آخر يومين منها للمعايدة، وآخرها للصلاة.

عيد حنوكا:

يصادف في (26 ك1). ويمتد حتى (15 ك2). يشعلون فيه الشموع مدة 9 أيام من شمعة واحدة كل يوم حتى تسْع شموع في اليوم التاسع.

عيد الشجرة:

يكون في (15 شباط). وترسل فيه الهدايا. وخلال العشاء تجمع الفواكه ويبارك عليها (الطازجة والمجففة).

عيد البوريم (المسحرة):

يصادف في (15 آذار)، ويمتد يومين. وهو عيد حكاية سفر استر الذي دونه اليهود في التوراة. نتيجة استخدام نسائهم في تغيير مواقف الرجال بالحيلة والخداع (يمكن العودة للتوراة ولذلك السفر ومعرفة التفاصيل حول العيد).

عيد الفصح (بيسح)([454])

عيد إيخا:

في (9 أب) ذكرى نفي اليهود إلى بابل على يد نبوخذ نصر الذي حدث عام (586 قبل الميلاد) وفي اليوم نفسه (9 أب) اقتحم الروماني تيتوس الهيكل الثاني ودمره، وشرد اليهود من جديد، وذلك عام 70م لذلك يعلنون الحداد والصوم فيه.

عيد شفعوت:

(إعطاء التوراة) ويصادف في حزيران. ويأكلون فيه أطعمة ذات لون أبيض مثل الحليب وغيره.

– الاحتفالات المدنية:

هناك مراسم وأعياد تقام بمناسبة جلوس السلطان أو ولادة أمير أو استقبال الولاة. وكان أشهر الأعياد الرسمية، في فترة دراستنا، هو عيد جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على العرش. وهناك نُصب أمام السّرايا في دمشق، وهو مبنى وزارة الداخلية اليوم، وقد بُني بتاريخ 1318 هـ/1900 م، وقد بنيت السرايا والنصب احتفالاً باليوبيل الفضي لجلوس السلطان عبد الحميد على العرش، كما هو مدون عليه([455]). وقد شاركت دمشق في هذه المناسبات، طوعاً أو كرهاً. وكانت تزين الحوانيت والأبنية الحكومية ودور كبار رجال الدولة، كما كان رجالات الأحياء يقومون بعراضات، ليلاً ونهاراً بشكل مرتب منظم. ونهاراً يتجه الموكب إلى دار الحكومة، وكل مَنْ فيه يحمل سلاحه([456]).

وهناك الاستعراضات العسكرية كانت تقام بإيعاز من الحكومة، فيسيرون منظمين لابسين الدروع، وبأيديهم الرماح ووراءهم حَمَلَة السيوف، ووراء ذلك المشاة، ويتبخترون أمام دور وشرفات القناصل الأجانب وكان الوالي يشعر بالفرح تجاه ذلك، في الوقت الذي كانت فيه جيوش الأجانب تلحق الهزيمة بالجيش العثماني والآمنين من المواطنين، وكانت تلك المظاهر تعويضاً عن ضعف السلطنة في تلك المرحلة.

وخلاصة القول: لقد احتفل أهل دمشق بالأعياد والمناسبات الدينية كعيدي الأضحى والفطر عند المسلمين، وعيد الفصح والميلاد عند المسيحيين، وعيد رأس السنة العبرية، والغفران عند اليهود الدمشقيين. وكانت هذه الأعياد مناسبة للتواصل والتسامح، واللحمة الوطنية بين الطوائف الذين يباركون الأعياد فيما بينهم دون تمييز.

5- قافلة الحج الشامي:

اهتم السلاطين العثمانيون بقافلة الحج، ورافقها ولاة دمشق ذهاباً وإياباً، مما جعل لواليها مكانة مهمة بين الولاة العثمانيين. وكانت سلامة قافلة الحج هي المعيار الحقيقي لنجاح السلطان أو فشله، حيث لُقب سلاطين آل عثمان بحماة الحرمين الشريفين.

اعتبر الطريق بين دمشق والمدينة المنورة، من أقصر الطرق وأكثرها سلامة وأمناً، حيث ظلَّ الحكام طيلة العصور الإسلامية، وحتى العصر العثماني، يهتمون بالطريق إلى مكة والمدينة المنورة، وتعميرها واستتباب الأمن على طولها. ثم إن انطلاق قافلة الحج من مدينة دمشق، سهَّل التمازج والاختلاط بين المسلمين ودفعهم للإطلاع على الأفكار والمستجدات في بلاد الإسلام، ووسّع التبادل الاقتصادي، مما ساهم في دعم اقتصاد مدينة دمشق([457]).

فإذا انفق كل حاج (50 ليرة) يكون ما ينفقه الحجاج سنوياً مئة ألف ليرة سورية. ولا يخفى كم كانت تنتفع دمشق من هذه المبالغ. وقد كان كثير من أهلها ذوي العيال الكبيرة الذين لا ثروة عندهم، يتعيشون من البيع بالأمانة، للحجاج أو من إنزال بعضهم في بيوتهم”([458]).

وكان الركب الشامي أو موكب الحج في العهد العثماني” يسير سيراً مطَّرداً، لا خلل فيه، يقوده أمير الحج الذي يعيَّن من قبل السلطان، لتأمين راحة الحجاج”([459]).

ويخرج الركب من مدينة دمشق (باب الكعبة) في منتصف شوال، ويبلغ المدينة أواسط ذي القعدة بعد أن يقطع 27 رحلة([460]).

شاركت أحياء دمشق كافة في مظاهر الاستعداد لتسيير قافلة الحج، مع عشرات الآلاف من الصناع وأصحاب الخدمات الذين يعيشون على هذه القافلة وتجهيزها. ومن أولى مراحل الحج هو القيام بالدورة، وهي إخراج المحمل من المستودع الكائن في جامع الجسر بالسنجقدار. ويدور الموكب في شوارع دمشق، حتى سوق الحميدية، ثم تغادرالقافلة دمشق في موكب حافل يسير فيه الوالي – أمير الحج ويحمل فيه المحمل والصنجق، وترافقه قوات كثيرة، ويغادر الموكب بين الثاني عشر والعشرين من شهر شوال ويتجمع الحجاج عند بوابة الله (سميت بذلك لأنها تؤدي إلى بلاد الحجاز والقدس) جنوب دمشق في الميدان. ويودع الحجاج أقربائهم، ومن ذلك المكان تتوجه القافلة نحو المزيريب (التي تبعد 103 كم) جنوب دمشق، حيث يرافق القافلة إلى هناك عدد من أقرباء الحجاج والباعة، ويودع الراغبون من الحجاج ودائعهم في قلعة المزيريب. ويرافق القافلة إلى الحجاز قاضٍ، عرف بقاضي الركب الشامي للنظر في القضايا الطارئة، واختير عادة من بين نواب القاضي الحنفي بدمشق أو من المتقاعدين أو العلماء المدرسين.

وكان المحمل يتألف من صنـدوق هرمي مغطى بقماش أبيض، مكتوب عليه آيات قرآنيـة، ويُحمل على جمل أبيض مزين بأقمشة مزركشـة، ويتقدم موكب الحج([461]).

واهتم العكّام بخدمة الحجاج والحفاظ على أمتعتهم وشؤون الجمال. وكان السّقاة يرافقون القافلة لتأمين المياه للحجاج، مع عدد كبير من العسكر لحماية القافلة من البدو، على طول الطريق، حيث تعرضت القافلة مراراً للنهب وإبادة حاميتها.

واهتم “الصرة(*) أميني” بتوزيع صدقات السلطان والأمراء على فقراء الحرمين الشريفين والبدو، وكان شاغل أمير الجردة([462]) هو تأمين النجدة السريعة التي توجه لتلتقي الحجاج بطريق العودة وتقدم لهم الطعام. وهناك مجموعة تبشر بعودة الحجاج تسمى الجوقدار (الجوخدار)([463]).

وحَدََّدَت السلطنة الأجور اللازمة للحجاج، عن ركوبهم وحمولاتهم بموجب المقررات المذكورة.

“ففي سنة 1303 هـ / 1886 م/ المصادفة لسفر الحجاج الكرام إلى الحجاز تقرر تعرفة الأجور للحجاج المسلمين ونقلياتهم.

ويجب وجود أجرة مقطوعة بعلم محافظ موكب الحج وأمين المستودعات للحجاج. وقد تقرر أن تكون الأجور كالآتي:

إن حمولة (التختروان)(**) لا تزيد عن ماية وخمسين أقة مع وجود حمل زايد احتياط عدا المأكولات وأجرة الطعام والخيمة والشعلة وسائر لوازمها، بالتمام لإحضارها من قبل المقدم، وقد خصص أجرها بثمانية آلاف وللحاشية أربعة آلاف. وراكب مع خرج للجمل الواحد (1500 عزيز رايج للبلد من العملات بسعر الليرة الذهبية العثمانية 125.50 غرشاً”([464]).

ونظَّمت الإدارة العثمانية شؤون الحجاج وخروجهم من دمشق وعودتهم إليها سالمين، لأن نجاحها في ذلك وعودة القافلة سالمة، هو نجاح لوالي دمشق والسلطان العثماني في أعين المسلمين عامة.

وكانت كلفة قافلة الحج سنوياً تبلغ ما بين (136-140) ألف جنيه إسترليني. منها مئة ألف يتولى أمرها الصرة أميني، وهو هذا العام (1320هـ / 1903 م) شخص يدعى باقي بك، وهو أوراق مديري (مدير الأرشيف) في الصدارة العظمى، والمبلغ المتبقي ما بين 30 – 40 ألف جنيه يخصص للكيلار (المخزن) أو شراء المؤن اللازمة للحج من مختلف الأنواع. إضافة إلى شراء المؤن ودفع الرواتب وشراء عدد كبير من الهدايا التي تتألف من العباءات المطرزة الثمينة والمراكيب(*) المغربية الحمراء، والقنابيز (مفردها قنباز، وهي ملابس تغطي الجسم كله) وبالات الشيت وغيرها من الهدايا، وتمنح لمختلف شيوخ البدو على طول الطريق، وهم يأتون إلى نقاط محددة للقاء القافلة، حيث يتلقى كل منهم اللفافة التي تحمل اسمه([465]).

وأسهم الحجاج الوافدون على اختلاف مشاربهم، إلى مدينة دمشق، في مواسم الحج. بتنشيط عمليات التجارة الدولية، حيث حملت القافلة معها مواد متنوعة في الذهاب والإياب. وبالتالي استفاد صغيرهم وكبيرهم من سفرهم مع القافلة وحماية الدولة لها، ونقلوا بضائعهم من دمشق للحجاز، وبالعكس.

في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، تحول الحجاج الأتراك إلى الطريق البحري، عبر قناة السويس، مما أدى إلى خسارة التجارة الشامية الداخلية بين المدن الكبرى (دمشق، حلب، حمص، القدس) فخسرت دمشق تجارتها مع الروم والآستانة وبر الأناضول وتحول ذلك إلى الموانئ البحرية([466]).

واغتنت الحياة الثقافية في مدينة دمشق، نتيجة تجمع الحجاج فيها كل عام، حيث يأتي العلماء المسلمون إليها بهذه المناسبة، ويقيمون فيها ويتبادلون الآراء والأفكار الثقافية الجديدة، كما أن ذلك ساعد على نشر بعض طرق التصوف مثل:

“الطريقة النقشبندية في دمشق أواخر القرن السابع عشر، على يد المرادي([467]) الذي جاء دمشق مع الحجاج، وهو من بخارى”(**) (وهو الشيخ محمد مراد النقشبندي) المتوفى سنة 1132 هـ وهوجد آل المرادي بدمشق.

ورغم اهتمام سلاطين آل عثمان بتسيير قافلة الحج الشامي، وتأمين كل ما تحتاجه، لم يقم أيَّ منهم بأداء فريضة الحج، بما في ذلك السلطان عبد الحميد الثاني الذي أعلن نفسه على أنه خليفة المسلمين وحامي الحرمين الشريفين([468]).

وخلاصة القول أنّ قافلة الحج لعبت دوراً مميزاً في حياة دمشق الاقتصادية والدينية والاجتماعية ذهاباً وإياباً. وكان نجاح رحلة الحج نجاحاً وقوة لوالي مدينة دمشق لأنه كان يرافق القافلة ويؤمن سلامتها.

6- وسائل اللهو والتسلية في المجتمع الدمشقي وما استجد عليها:

عُرف أهل دمشق باللطف وحب الاجتماع والمرح ولين المعاشرة، وكانت لهم وسائل تسلية لملءِ أوقات الفراغ المختلفة داخل البيت وخارجه([469]). حيث كان يجتمع الأهل والأصحاب في السهرة ليلاً خاصّة أيام الشتاء حيث لا توجد وسيلة في تلك الأيام، لتخفيف عناء المشاق والتعب التي يعاني منها الإنسان الدمشقي إلا سهرات السمر والسهر خاصة في ليالي الشتاء الطويلة.

ويستقبل الدمشقي الأصحاب في (البراني أو السلاملك) المستقل عن الدار بكل حاجاته. ويسمي الدمشقيون المكان الذي يجتمعون به (قناق)(**) حيث([470]) اعتاد بعض الأعيان والأغنياء من أصحاب القناقات أن يعقدوا سهرات الطرب والكيف كل ليلة. ويوجد في بعض القناقات جوقات موسيقية فيها أشهر المغنّين والموسيقيين وكانت السهرات تعقد إما من وقت لأخر، أو كل يوم في دار تخصص للسهرة دون انقطاع أو يتداورون ذلك، كل أسبوع في دار واحد منهم([471]). ويلعبون فيها الورق والشطرنج (دون مراهنات) أو يروون النوادر من الظرفاء. وقد تحولت بعض السهرات الشرقية (في الفترة المدروسة) إلى سهرات دمشقية ذات طابع غربي غناء وموسيقى، وقد يتبارى الساهرون بالأشعار والأمثال ويقرؤون بعض السير، ويلعبون ألعاباً مختلفة. وفي الختام يدعوهم صاحب الدار إلى مائدة عليها الحلويات والشاي والقهوة.

والدمشقي كريم مضياف، يقدم لضيفه كل ما يستطيع، مما تقتضيه واجبات الضيافة. وكان أهل تلك الفترة، يمضون السهرات بعيدين عن كل ما يسيء للصحة ويفرط بالمال. ومما يلاحظ أن وسائل اللهو وملء الفراغ، كانت قليلة خارج الدور، حيث بدأت هواية صيد السمك بين المسيحيين المتصلين بالإفرنج، وأخذ الناس يتجّمعون في المقاهي العديدة في مدينة دمشق، يشربون القهوة ويشاهدون خيال الظل (قرة كوز)([472]).

ووجد في مدينة دمشق، أكثر من مئة([473]) وعشرين مقهى لشرب القهوة والشاي وممارسة بعض الألعاب، حيث كان يؤمّها الناس في الصيف والربيع والخريف، وانتشرت المقاهي في سائر أنحاء المدينة، كما يتضح من قراءة وتحليل الوثائق التالية:

“بقرية كفرسوسة يحدها شرقاً قهوة محمد خليل” ([474]).

“جميع القهوة خانة ظاهر دمشق بمحلة العمارة تعرف بقهوة البرغوتي” ([475])

“تابع ثُمن القنوات لصيق مضيف قهوة الحور..”([476])

“القهوة خانة ظاهر دمشق بمحلة المحايري سوق ساروجة”([477])

“القهوة خانة ظاهر دمشق محلة السويقة الميدان التحتاني”([478])

“قهوة خانة ظاهر دمشق بمحلة سوق الخيل سوق ساروجة”([479])

“جميع القهوة خانة الكائنة بالشاغور لصيق باب البريد”([480])

و”ثمن فنجان القهوة بها بغير سكر خمس بارات، فيقصدها الناس لأجل التسلية والاجتماع بعضهم ببعض”([481]) . كثرة المقاهي في المدينة دليل على كثرة من يرتادها من الناس، لقضاء أوقات الفراغ والتسلية، وحضور بداية المسرح، والكوميدا (خيال الظل) الذي انتشر في البلاد في تلك الفترة وسماع الحكواتي الذي كان يقرأ القصص المسلية، وكثرة الغرباء الذين تواجدوا في المدينة.

شرب الدمشقيون في المقاهي القهوة والشاي شتاء، وأنواع المرطبات صيفاً والتدخين بالتبغ والنارجيلة على الدوام. ويكون اجتماعهم بعد العشاء طلباً للراحة([482]).

وأقدم مقهى في دمشق، كان مقهى (ديمتري) وهو يوناني انتقل إلى دمشق وفتح مقهى على الطراز الحديث، فكان مجتمعاً لأرقى طبقة من طبقات الدمشقيين الذين لا يرتادون (القناقات) ولا يفتحون دورهم للاستقبال. وكان موقع مقهى ديمتري في مرجة دمشق([483]).

وكان يُعرض في المقاهي (قرة كوز) خيال الظل، طليعة السينما اليوم([484]).

ونلاحـظ أن معظـم ملاكي هـذه المقاهي من الأعيان والوجهـاء حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“استأجر مفخر الأماجد الكرام يحيى الكركوتلي من سـكان سوق ساروجة، من صاحب الفضيلة عبد الحميد الأسطواني نائب قضاء دوما، فأجره جميع القهوة خانة الواقعة في سوق الخيل، لصيـق جامـع يلبغا، بأجرة قدرها عن كل سنة (108 غروش)([485]).

واختلفت أجرة المقاهي، ففي محلة سوق الخيل التابعة لسوق ساروجة، أجرة كل سنة (108 غروش) كما رأينا. وفي الشاغور 42 غرشاً عن كل سنة.

وكان في دمشق في تلك المرحلة قهاوٍ يسمونها كازينات، وهي في سوق الخيل والصوفانية خارج باب توما. وثمن فنجان القهوة فيها عشرون بارة، وعشر بارات في البقية، فيستطيع الغريب من أي رتبة كان، أن يصادف شيئاً من أسباب الراحة. وإذا قصد الاختلاط مع الناس، يجد لطفاً ودعة فيمنْ يحادثهم. وهذا من دلائل إجماع الأهالي على محبة الغرباء([486]).

ونقرأ حول الكازينو خانة في محلة سوق الخيل الوثيقة التالية:

“استأجر رفعتلو مصطفى يوزباشي ابن أحمد (الدوركلي) جميع الكازينو خانة والواخور والثلاث دكاكين ظاهر دمشق بمحلة سوق الخيل، تابع سوق ساروجة بالصف الشمالي المشتملة على الكازينو ومنافع شرعية”([487]).

كما نلاحظ من الوثيقة السابقة، فإن مستأجري أو مقتني الكازينو خانة أو المقاهي، كانوا من الوجهاء والأعيان الذين رغبوا في زيادة الأرباح من دخول هذه الأماكن الجيدة، بالإضافة لرغبة الناس في السمر والسهر فيها.

أما الإفرنج فقد أقاموا حفلات تنكرية ومساخر وكرنفلات، وانتشر بصورة تدريجية لعب الورق والنرد (طاولة الزهر) وشرع بعض الدمشقيين المتفرنجين بتقليد الجاليات الأوروبية والاهتمام بعطلة نهاية الأسبوع.([488])

وفي الفترة المدروسة كما ذكرنا سابقاً، وجدت قهاوٍ كثيرة في مدينة دمشق، خاصة في مرجتها، حيث يجتمع الناس بها ليلاً ونهاراً “وكان للقهاوي اعتبار كلي في سالف الزمان، لأن جماعة الانكشارية كانوا يجتمعون فيها ويصورون عددهم الحربية فوق الوجاق، وكانوا يعتبرون تلك الصور كراية يحامون عنها، وكان من قتل قتيلاً وتوصل إلى وجاق القهوة، يسلم” ([489]).

وكانت معظم المقاهي تبنى على ضفاف بردى وفروعه، وفي كل مقهى قسم شتوي وآخر صيفي يسمى بالـ (مصيف).([490])

وانقسمت مقاهي دمشق إلى قسمين: بلدي ومدني. ففي المقاهي البلدية، يجلس الناس على الحصر والكراسي المربعة، أمام مناضد خشبية موازية للكراسي، وتقدم فيها النراجيل والقهوة، ويقضي الناس أوقاتهم فيها في لعب الضاما والدومينو والورق والنرد.

أما المقاهي المدنية، فمقاعدها من الكراسي الخيزران، وفيها حسب قيمة المقهى، ما يلزم من أدوات كالشطرنج والبيلارد والبيزيك وجميع أنواع لعب الورق، ويلعب فيها الناس جميع أنواع الميسر الحقيقية كالبوكر والباشكا والأتوزنر([491]). وهذا النوع من المقاهي والألعاب التي سادت فيها، جاءت مع الأجانب الذين كثر عددهم في تلك الفترة، في مدينة دمشق، من حكم السلطان عبد الحميد الثاني، نتيجة التغلغل الثقافي الأجنبي الذي سبق الاحتلال العسكري. والذي قابله ضعف السلطنة وعدم مقدرتها على الوقوف في وجه ذلك.

ولعب الحكواتي دوراً مهماً في المقاهي، حيث كان يقص على الناس أخبار عنترة والظاهر بيبرس وغيرها من القصص الحماسية، جالساً على دكة عاليـة، بحيث يراه جميع من في المقهى، فيقـرأ فصـلاً من القصة ويجني البخشيش”([492]).

وجذب حي اليهود في مدينة دمشق الذين كانوا يريدون التمتع بالحياة الصاخبة، واقتناص المتعة، حيث يقضون السهرة مع أصدقائهم، بصحبة الفتيات والراقصات (اليهوديات) ويشربون الخمرة ([493])، حيث سمح بعض اليهود لبناتهم لجذب الشباب من الطوائف الأخرى وجعلهم يبتعدون عن العلم والتقدم بالإدمان على النساء والخمور، لإضعاف المجتمع الدمشقي لتسهل السيطرة عليه من قبل الغرب.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“المغنية الموسوية خانم بنت يحوز لاطي العثمانية، من سكان محلة اليهود بالشام”([494]).

ودخلت في تلك المرحلة، مهنة التمثيل إلى مدينة دمشق، وأصبحت هناك حرفة تدعى ممثل الروايات، وهو من يمثل الروايات المسماة التياترو. والقائم بذلك شركة مؤلفة من جملة أشخاص يعينون وقتاً بمحل مخصّص يمثلون به، وبصدر ذلك المحمل، إيوان يعرف بـ (المسرح). ولقد راجت هذه الحرفة في مدينة دمشق منذ عام 1295هـ/1878م. وما بعدها نحو ست سنوات، رواجاً كبيراً، واهتم بها من يديرها، وسميت وقتها(القوميدا) ونشأ منها مفاسد جمة، حيث صدر أمر من مقام الصـدارة بمنعها، ولكنها عادت مع الغرباء، وهي حرفة مهمة تنتج ربحاً جسيماً” ([495]).

ونقرأ في إحدى الوثائق، حول انتشار العمل المسرحي في تلك الفترة في مدينة دمشق، ما يلي:

“ادعى عبد العزيز الجاهلي من محلة البحصة، على سليمان صدقي المقيم في دمشق، بخصوص طلب دين بمبلغ (469 قرشاً) بقية إيجار ألبسة وبنات ممثلات لأجل تمثيل رواية عمرو بن العاص”([496]).

وذُكرت الملاهي الليلية في المدينة، ففي بعض المسارح كانت تمثل الفرق المصرية أو كان يغني على تخوتها المغنون والمغنيات(*)، وأكثرهم من مصر، ولا سيما ألماظ وعبده الحامولي.

إن انتشار العمل المسرحي الهادف في مصر وسورية (بلاد الشام) دليل انتشار الوعي القومي والثقافي الذي ينبه الأفكار، ويؤدي إلى النهوض والتقدم الاجتماعي والثقافي، والتحرر من الجهل والفوضى.

النزهات الدمشقية:

كانت النزهات الدمشقية مميزة، حيث كان الدمشقيون يقضون نزهاتهم خارج المدينة، على ضفاف الأنهار وفي المروج الخضراء بعد انقضاء فصل الشتاء، واخضرار الأرض، وتفتح الأزهار. ويسمون هذه النزهات بـ (السيران).

وكان يحيط بمدينة دمشق، جنائن وبساتين مليئة بالأشجار المتنوعة الثمار، وهي أماكن للتنزه عند أهالي المدينة، ولها مكانة خاصة، يلتقون فيها جماعات بصورة عائلية” ومن أهم تلك المتنزهات وأعظمها، وادي الربوة، ثم المرجة الخضراء([497]).

ومن المتنزهات، ساحة بوابة الميدان الفوقاني. وساحة السخانة، والصوفانية، وقبر الشيخ رسلان الدمشقي، قرب الميدان، ومتنزّه باب شرقي([498]). ولا يتيسر للرجال مخالطة النساء بحكم العادة، والعكس هو القليل.

ووصف القساطلي مُتنزَّهات دمشق حيث قال:

“أجمع الباحثون وأهل السياحة على أن دمشق كلها مُتَنزَّه، وعدّوها جنة الأرض، لنضارتها وكثرة بساتينها وحدائقها”([499])

وقد راجت العربات في مدينة دمشق أكثر ما تكون، في فصل الربيع والصيف وجزءٍ من الخريف، وذلك لرغبة الناس في تلك الأوقات، باستنشاق الهواء العليل من الغوطة والبساتين، فينطلق المتنزهون بالعربات إلى متنزهاتها الشهيرة، كدمر والربوة والوديان وجهات الغوطة وعين الفيجة. وكان يقود العربة العربجي. وتوجد العربات عند أصحاب العربات الذين يؤجرونها، وعند كثير من الوجهاء الذين اقتنوها لمصالحهم الخاصة([500]).

ووصف البارودي (السيران)عندما كان طالباً في مكتب عنبر في مذكراته، فقال “كانت المدرسة تقيم في فصل الربيع من كل عام، سيراناً للطلبة، تجمع نفقاته منهم، فتحضر لهم (نوبة) آلات موسيقية وتستأجر لهم حديقة أو بستاناً يقضي الطلاب يومهم فيه حتى المساء. والسيران بوجه عام (كان في ذلك العهد جزءاً من حياة الناس)([501]).

وقد قال فيهم عبد الجواد القاياتي مايلي: “الغالب على أهل دمشق الميل إلى اللذائذ والشهوات في المأكولات والمشروبات والملابس الفاخرة والألوان الزاهية، ويغالون في شم الهواء والخروج إلى البساتين، وإعداد المأكولات اللذيذة، لذلك يسمونه (الثيران) السيران” ([502]).

أما النزهة الخاصة بالنساء، كما هو واضح في الشاهد التالي: “إن إحدى الغنيات كانت تطوف على الدور وتدعو السيدات إلى حديقة مستورة (مثل جنينة باب السلام) وجنينة خالد زادة، وتأخذ من كل سيدة دراهم، حسب مقدرتها. وفي اليوم المحدد، تفد المدعوات إلى الحديقة، فيستمعن إلى الغناء ويتفرجن على الرقص أو يشاركن فيه، ويتأرجحن ويلعبن ألعاباً خاصة، ويأكلن ماحملنه معهن في الحديقة من الزاد. وقبل الغروب يَعدْنَ إلى الدار، وقلبهن طافح بالسرور، وتُعاد السماطات كلما سنحت الفرصة([503]).

من خلال ما سبق نلاحظ أن مدينة دمشق قد تنوعت فيها الأعمال وتعددت الطبقات الاجتماعية. وكلٌ كان له دور مهم في حياة المدينة العريقة.

وقد شكلت الإدارة العثمانية والموظفون رأس الهرم الاجتماعي مع طبقة العلماء ورجال الدين وطبقة نظّار الأوقاف والأعيان. تليها طبقة العامة من صناع وزراع وفلاحين وتجار وأصحاب مهنٍ. وتآلفت الأديان بين الجميع مسلمين و مسيحيين ويهود دمشقيين، وظهرت في الفترة المدروسة، أهمية طبقة المستأمنين والمتفرنجين من أهل دمشق الذين شكلوا البرجوازية الوسيطة فيما بعد، الذين أصبحوا تابعين للغرب وهم الذين حكموا المنطقة العربية بعد خروج المستعمر وكانوا أدواته الطيعة.

وقد سادت عادات وتقاليد معيّنة في المجتمع الدمشقي بصدد الزواج والطلاق ودفع المهور والنفقات. وكانت المرأة تمارس بعض الأعمال وحالات ديون لتكثير الأموال، وتنوعت الأزياء الدمشقية، وتبدلت الأذواق في تلك المرحلة.

واحتفل الدمشقيون بأعياد وطنية ودينية مهمة، وكانت وسائل التسلية واللهو محدودة، واستجد عليها في تلك المرحلة، أمور غربية مثل الكازينوهات وما تقدمه وكذلك المسرح. وقد ذكرت الوثائق كثيراً من التطورات التي حصلت على المجتمع الدمشقي آنذاك.

الفصل الثالث

الواقع الاقتصادي في دمشق ما بين 1871 – 1908م

– تمهيد

أ – الزراعة:

1- المحاصيل الزراعية المنتجة.

2- الأجانب وعلاقاتهم بالريف الدمشقي في تلك المرحلة .

ب – الصناعة:

1- عراقة الصناعة الدمشقية وأهميتها.

2- الواقع الصناعي في المدينة خلال فترة البحث.

3- أهم الصناعات الدمشقية.

4- أحوال الصناع الدمشقيين في الفترة المدروسة 1876-  1908م .

جـ – التجارة والمواصلات:

1- التجار الأجانب وعلاقتهم مع التجار المحليين.

2- الميزان التجاري في دمشق في فترة الدراسة.

3- المحاكم التجارية في دمشق.

4- الشركات الأجنبية العاملة في مدينة دمشق وأثرها على التجارة.

5- التحول التجاري في دمشق وقيام شركات وطنية.

6- الأسواق والخانات الدمشقية وأهميتها التجارية في تلك المرحلة.

7- الأسعار والفائدة.

8- العملات المتداولة في دمشق في الفترة المدروسة 1876 – 1908م .

9- المواصلات وتطورها:

أ – النقل البري والبحري .

ب – الطرق المعبدة.

جـ – السكك الحديدية .

د – البرق والبريد والهاتف .

تمهيد

إن التوجه الاستعماري الأوروبي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نحو ممتلكات السلطنة العثمانية في ولاياتها العربية، بعد النهوض الصناعي والزراعي لدول الغرب، للحصول على تجارة المشرق ومواده الأولية كان من العوامل الأساسية في  الضعف الاقتصادي العربي عامة، ومدينة دمشق خاصة، حيث أَثَّر التغلغل الاقتصادي الأجنبي على وتيرة التقدم الزراعي والصناعي، وأضعف التجارة الداخلية وجعل ميزان التجارة الخارجية يرجح لمصلحة الشركات الأجنبية ووكلائها في المنطقة.

وقد برزت عوامل عدة أثَّرت على الاقتصاد الدمشقي، وأدَّت إلى الضعف والتراجع والتبعية، منها ما هو داخلي مرتبط بأداء الإدارة العثمانية وسياستها تجاه ولاياتها وتعاملها مع الجاليات الأوروبية، ومنها ما كان خارجياً مرتبطاً بالمصالح الأوروبية الاستعمارية، و دخول الأنظمة الرأسمالية طور الامبريالية العالمية.

إن التغلغل الاقتصادي الأوروبي في تلك المرحلة، أدَّى إلى تغيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية مهمة على جميع الصعد الداخلية في مدينة دمشق، وبالتالي أُحدث نظام اجتماعي وسياسي جديد انبثق عن قبول نمط العلاقات مع العثمانيين على العموم. وكان من نتيجة ذلك الانقسامات الاجتماعية في المجتمع المدني، وبين المدنيين وأهل الريف، وبين الأقلية والأكثرية([504])، هذه الانقسامات كانت نتيجة توضع الثروة في أيدي البرجوازية الوسيطة الناهضة من تجار وملاك الأراضي، وازدياد فقر كافة الناس في المدن والأرياف.

ولتسليط الضوء على الواقع الاقتصادي الدمشقي، لابد من شرح أحوال كل من الزراعة والصناعة، والحركة التجارية في المدينة، في الفترة المدروسة، بشكل مفصّل، ومن خلال الوثائق. وسنتحدث فيما يلي عن نظام النقد العثماني والمصارف ثم نُلقي الضوء على حركة الزراعة والصناعة والتجارة في دمشق، في فترة البحث.

أ- الزراعة:

كان اعتماد اقتصاد دمشق خاصة والسلطنة العثمانية عامة، على الزراعة، حيث ساد النظام الإقطاعي، وتركزت ملكية الأراضي بأيدي أصحاب الوجاهة والأعيان والأغاوات الذين ملكوا وتصرفوا، بمساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

كان الفلاح في مدينة دمشق الخاضعة للعثمانيين، فقيراً معدماً، يعمل في الأراضي ولا يملكها، ويعيش تحت رحمة مالك الأرض، الذي كان يعيش في المدن، ويمارس أعمالاً أخرى، ولا يترك للفلاح إلا القليل يسد به رمقه مع أسرته، دون الحصول على مقابل جهده([505]).

وعندما توجه الأوروبيون، بعد الثورة الصناعية، نحو المشرق العربي، بقصد الحصول على المواد الخام الزراعية والرعوية اللازمة لصناعتهم، توجه مالك الأرض نحو تحسين الزراعة بسبب الحاجة لبعض المحاصيل اللازمة لأوروبا، بأسعار مغرية نوعاً ما. لذلك طرأ على الزراعة تغير كبير، واتسعت مساحة الأراضي الزراعية في ريف دمشق، المخصصة لزراعة مواد التصدير. ولم يكن ذلك نتيجة سياسة السلطنة، وإنما بسبب واقع الحال والسوق اللذين شجعا مالك الأرض (الإقطاعي) للسّير بذلك الاتجاه([506]).

وما ذكرناه لا يعطي مؤشراً على تحسن أوضاع الفلاح، لأن المستفيد من هذه التطورات كان مالك الأرض، والدولة العثمانية التي فرضت مزيداً من الضرائب النقدية على الفلاحين، فبقيت الزراعة في ريف دمشق تقليدية قديمة متخلفة، إضافة لسرقة ومصادرة الأراضي من قبل وجهاء وزعماء القرى والبادية. وهذا ما أخر الانتقال من الطرق([507]) القديمة للإنتاج الزراعي، إلى الأساليب الأكثر تطوراً، الأمرُ الذي وقف عائقاً أمام توسيع المساحات المزروعة في ريف دمشق وغيره من مناطق المشرق العربي([508]).

كانت ملكية الأراضي مقسمة بموجب قانون تسجيل الأراضي الصادر فترة التنظيمات لعام 1858م على النحو التالي:

1- أراضي المُلك.

2- الأراضي الأميرية – أراضي بيت المال

أ –  الأراضي المملوكة – المعطلة الخالية (الوفاة، نزوح، التصرف بها…..إلخ)

ب –  الأراضي المملوكة بحق القرار – الأراضي المستحقة الطابو.  – أراضي تم وضع اليد عليها مدة جاوزت عشر سنوات. – المالكانات.

جـ –  الأراضي المشاع – ملكية جماعية

3- الأراضي المتروكة: لأجل عموم الناس، الطريق, المحتطب، البيادر، المرعى…..

4- الأراضي الموات.

5- الأرض الوقف(*).

6- أراضي السلطان هي في الأصل أرض أميرية([509]).

شكل الفلاحون قاعدة النظام (الاقتصادي – الاجتماعي) الإقطاعي في ولايات الإمبراطورية العثمانية، وعاش الفلاح في ظل ذلك النظام، حياة قاسية، حيث رضخ لظلم الملاك والملتزمين والإقطاعيين.. وقد ذكرت الوثائق كثيراً من عمليات اغتصاب أراضي الفلاحين من قبل المتنفذين والإقطاعيين. نقرأ في إحدى الوثائق:

“أن محمد محي الدين عجينة من قرية برزات في ولاية سورية، ادعى على الشيخ محمد العاني المقيم بمحلة العمارة بالشام. حيث إنه منذ خمسة عشر عاماً من سفر المدعي، وضع يده على حصة المذكور بطريق الغصب، وهي تسعة قراريط من الأرض المغروسة في قرية حرستا البصل التابعة لدوما..”([510]).

من الوثيقة نفهم أن المدعو محمد العاني قد اغتصب أرض محمد محي الدين عجينة أثناء غيابه وسفره بعيداً عن أرضه. والآن يطالب بها. وأحياناً كان بعض المتنفذين في القرية يغتصبون أراضي مجاورة لهم تخص امرأة تعود إليها بالإرث الشرعي من والدها، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى صالح القزاز الوكيل عن المرأة فاطمة بنت عبد الرزاق خثفة من داريا، تابع قضاء وادي العجم.. على حسن وسليم الديراني من قرية داريا، أن المدعى عليه منذ أربع سنوات، اغتصب قطعة أرض من أصل الكرم المرقوم من جهة الغرب، مساحتها إحدى وعشرون قصبة(*) من موكلة المدعي، بالقصبة المتعارفة بين أهالي القرية، ونصب سياجاً بين الأرض التي اغتصبها من المذكورة وبين كرم المدعية (الآيل إليها بالإرث الشرعي من والدها) فيطالبه بالقطعة المغتصبة ورفع يده عنها” ([511])

كما نلاحظ فإن القطعة المغتصبة من الأرض، كبيرة، ويطالب الوكيل باستعادتها.

ونقرأ في إحدى الوثائق أن هناك خلافاً بين أهالي قرية حلبون وورثة المرحوم حسن بيك البارودي، حول أراضي القرية التي كان يمتلكها البيك، مما استدعى تدخّل والي ولاية سورية الجليلة، عثمان نوري باشا، لحل الخلاف([512])..”

فمن هذه الوثيقة تتوضح أهمية و نفوذ مالكي الأراضي الزراعية والقرى في ريف دمشق، إذْ كان الفلاح أحياناً يعمل في أرضه، بهمة وصدق مقابل أن يحصل على القليل، للعيش. ويحدث أحياناً أن يطرده صاحب الأرض منها كما نقرأ في الوثيقة التالية:

“إنه عندما فلحها زرعها وتكبد عليها مصاريف تزيد عن أربعة آلاف غرش وكسور، قد تجاسر بالقوة الجبرية واغتصب منه الأرض المذكورة بما عليها من الزرع وامتنع عن إعطائه مصروفاته وأتعابه لذلك يطلبه للمحاكمة([513])..”

وكانت قرى بكاملها في أطراف مدينة دمشق، ملكاً لأرباب الوجاهة من أعيان المدينة، حيث انتقلت عن طريق نظام (المالكانات) الذي هو أصل النظام الإقطاعي في الغوطة.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“إن الحاج سليم الذيتاني من محلة الميدان التحتاني، اشترى من مكرمتلو أبو السعود محاسن زاده، جميع عمارة حوش المرجانة الكائن بوادي العجم من أعمال دمشق([514])…”

في الوثيقة السابقة، نلاحظ ذكر كلمة حوش التي هي عبارة عن اصطبل وبايكة وأراضٍ زراعية وبهائم وسكن للفلاحين (هذا هو معنى الحوش في غوطة دمشق).

وتعاونت قسوة الطبيعة وسوء الأحوال الجوية، وضغط غزو القبائل البدوية على الفلاح الذي عاش في ريف دمشق، حياة فقر وكفاف، فكانت معظم وجبات الغذاء اليومي له، بسيطةً إذ كانت تتكوّن من الحنطة والشعير والبرغل. وأمّا اللحوم فلم يكن يتناولها إلا في المناسبات والأعياد والأعراس.

نقرأ في إحدى الوثائق الخاصة بوالي الموصل: مصطفى بيك: “أنه كان يملك حصصاً من قرية القريضة (قضاء دوما) وقرية حزرما (دوما) ودور وبساتين وغيض وكروم (قرية حزرما) وبساتين وحوش الصالحية (دوما) ومزرعة الزريقية وقرية بيت نايم (دوما) وقرية حانوتي، وقرية المحمدية وقرية قلايا تابعة دوما…” ([515])

فنحن نلاحظ من هذه الوثيقة، ضخامة المالكانات التي كانت تخص والي الموصل في دمشق، وهي حصة كبيرة من قرى دوما، ويتصرف الوالي بها وبفلاحيها.

وقد جمعت الضرائب من الفلاحين، لتلبية متطلبات الطبقة الحاكمة الإقطاعية، وبالتالي، كثر السلب والإثراء في صفوف الإدارة العثمانية، والحكام الموزعين في الولايات، مما أثر سلباً على أحوال الزراعة، وأدى إلى تدهور الاقتصاد الدمشقي خاصة، وفي أنحاء السلطنة عامة. وقد ذكر كثير من الأجانب الذين زاروا مدن سورية الكبرى (دمشق– حلب– القدس) نهاية القرن التاسع عشر، كيف أصبح قسم كبير من الأراضي المتاخمة لهذه المدن، صحراء، فتشتّت المزارعون، إثر ذلك، في مختلف المدن.

وكان الفلاح يكتفي بالحصول على ما يسد رمقه من الأرض، وانكمش على نفسه وأصبح لا يرى أبعد من حدود قريته التي يعيش فيها. وتأخر بشكل عام، الريف الدمشقي، بسبب سوء معاملة القائمين على أحوال الزراعة، من الإدارة العثمانية، بالإضافة إلى عدم قدرة هذه الإدارة على حماية القرى من اعتداءات البدو والحكام، فكان نتيجة ذلك، أن أهملت شؤون الزراعة، واعتدى بعضهم على الآخر، بقصد الحصول على أرض أكبر ولو بطريقة الاغتصاب.

نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى السيد صالح القزاز من مأذنة الشحم بالوكالة عن الحرمة فاطمة بنت عبد الرزاق من داريا، على حسن وسليم الديراني، أنه منذ أربعة سنوات، اغتصب قطعة أرض من أصل الكرم المرقوم، من جهة الغرب، التي مساحتها إحدى وعشرون قصبة من موكلة المدعي، ونصب سياجاً بين الأرض التي اغتصبها من المذكورة، وبين كرم المدعية، فيطالبه بالقطعة المغتصبة ورفع يده عنها” ([516]).

عبد الحميد الثاني -م14

وذكرت الوثائق بعض ما اغتُصب من أراضٍ وعُرض على المحاكم، وما لم يصل للمحاكم، ربما كان أكثر بكثير.

وارتبط الفلاحون بالأرض في الريف، وبالمرابين في المدينة أو مع المتنفذين مدفوعين إلى ذلك بالفقر والحاجة. وانقسم المحصول بين الفلاح والإقطاعي أو المرابي دون مراعاة جهد وتعب هذا الفلاح الذي كانت تقتطع منه ضريبة العشر(*).

وقد ذكرت الوثائق كيفية دفع هذه الضريبة، وطريقة توزيعها على قرى الريف وغير ذلك، كما نقرأ في الوثائق التالية:

“ادعى نقولا شاغوري الوكيل العمومي عن الخزينة بموجب سند مصدق خلاصته أنه: بحسب الوكالة العمومية من الخزينة الجليلة، يعرض أن أعشار قرية داريا صار إلزامها بالكفالة المتسلسلة إلى مختارها حسين الناموس والأعضاء الآخرين بمبلغ قدره (235000 قرش صاغ) وحصة الخزينة منه (97684 قرشاً) وبعد التأديات بقي بذمتهم 17072 قرشاً وربع القرش، وأن أنور أفندي في الشام دفع كامل المبلغ المذكور([517]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ ما خلاصته أن السيد مصطفى العلبي، ادعى على محمد علي دياب بأنه التزم أعشار قرية البلالية واستولى على حاصلات الأعشار المذكورة ودفع قسماً منها أي (557(**) مدّ حنطة ((بسعر المدّ 20 قرشاً)) و 478 مدّ شعير. سعر المدّ عشرة قروش ) عند المحل التجاري الخاص ببابيلي وشركاهم، بقصد التهريب… وأصدرت محكمة بداية دوما بتأديتها عن بدل العشر المذكور مبلغ (19600 قرش صاغ) مع أجرة الوكالة والمصاريف…”([518]).

نلاحظ من الوثيقة أن المدعى عليه الملتزم لأعشار القرية المذكورة استولى على حاصلات الأعشار، دفع قسماً منها وأخذ منها القسم الآخر.

وفي الوثيقة التالية نقرأ ما يلي:

“ادعى الوكيل عن رضى أفندي النابلسي مميز محاسبة الولاية، على عبدو الشيخ عمر… أنه ادعى على موكله (رضى النابلسي) بـ 4607 قروش و15 بارة، وذلك بدل التزام أعشار المزرعة العائدة لموكّله والكائنة في قضاء البقاع..”([519])

ففي هذه الوثيقة نلاحظ مقدار ضريبة أعشار إحدى المزارع التابعة لأحد متنفّذي الإدارة العثمانية الذي لم يدفع الضريبة ولم يُطَالَبْ بها.

والملاحظ أن عملية دفع الديون والضرائب المتعارف عليها في القرية، كان بالتكافل والتضامن من قبل أهل القرية، لذلك كان كل دين يوضع على القرية بكاملها، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى نقولا الزلحف وهو تاجر من الشام، على زراع قرية البويضة التابعة لمدينة دمشق، بدين مقداره ( 33 ليرة انكليزية ونصف الليرة) مع الفائض بالتضامن والتكافل..”([520]).

وكثيراً ما شعر الفلاحون بأن أرباب الأملاك الكبيرة، لم يملكوا أرضهم بطرق مشروعة، وأنهم اغتصبوها منهم واغتنوا بفقرهم. وكان بعض صغار المالكين أو صغار الفلاحين من الضعف والجهل، بحيث لا يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم.

وبموجب القانون السابق، فقد البدو حقوقهم في ملكية الأراضي، بسبب صدور قانون يجعل كل أرض صالحة لزراعة القمح، في المناطق المجاورة، ولا تتم زراعتها، مدة سنتين متتاليتين، سائبة ولا تخص أحداً، ويمكن أن تنقل ملكيتها للدولة مجدداً.

إن سرقة جهُود الفلاح من قبل المرابي والدولة ومُلاك الأراضي، أخّرت الانتقال من الطرق القديمة المستخدمة في الإنتاج الزراعي، إلى الأساليب الحديثة الأكثر تطوراً. والملاحظ في غوطة دمشق وريفها، أن أساليب الزراعة بقيت على حالها منذ سنين طويلة، فقد وقف التخلف في تقنية الري مثلاً، عائقاً كبيراً في وجه توسيع المساحات المزروعة، وبقيت الآلات القديمة هي المستعملة في رفع المياه (النصبة، الكرد، الناعورة…) التي تتحرك بقوة المياه أو الحيوان أو الإنسان.

وقد اقتصر نشاط المصرف الزراعي الحكومي منذ عام 1305 هـ / 1888 م. على منح القروض الصغيرة التي كانت تلائم الملكيات الزراعية الصغيرة. ولكن حينما يعجز الفلاحون عن سداد أي من الفائدة أو الدين الأصلي، يتم تجديد القرض عليه، وبالفائدة السنوية ذاتها التي تراوحت بين 25 % و 30 %.([521])

كان معظم الفلاحين(*) أميين، يؤلمهم ما يرونه من ترفع كبار المزارعين عنهم وقد كان هؤلاء يتعمدون هذا العزوف، لئلا يطمع الفلاح ويتعدى حدوده معهم. لذلك استُغِلُّوا كثيراً، ونهب الأعيان وكبار المزارعين مواسمهم، فيما كان الحمايات (البراءتلية) يحتفظون بجميع السجلات الضرورية، ومعهم توقيع أو خاتم (شيوخ القرية). وبالتالي كان يجري تلاعب بالحسابات، وضم القروض المترتبة على شيوخ القرية وعلى القرية ذاتها، وما أعقب ذلك من فرض نسب فائدة فاحشة([522])، لا تلبث أن تتراكم على القرية عاماً بعد آخر، فيعجز الفلاحون عن سدادها. وفي كثير من الحالات كانت ديون بعض القرى تتجاوز ثمنها لو أنها بيعت.

وكان أكثر ما أقلق الفلاحين المالكين لأراضٍ في قرى مثقلة بالديون أو لهم صلات تجارية معها، التهديدُ بتنفيذ قرار انتقال ملكية القرى المدينة، للحمايات إذا لم تسدّد ديونها. فكان مثلاً لأحد الحمايا، السيطرة آنئذٍ على ما يزيد على (14) قرية من أغنى قرى دمشق([523]). لذلك خاف الفلاح من الاقتراض من المصارف الحكومية، ولجأ إلى الصرافين والمرابين، حيث كان المصرف، عند العجز عن السداد، يأخذ الأرض مباشرة. لكن الصرافين لم يكونوا أقل استغلالاً من المصارف في سرقة الفلاح ولم ينجح مشروع إقامة بنك زراعي يقدم القروض إلى الفلاحين، وينقذهم من المرابين، بفائدة 30 % كما كانت من قبل، مع كفالة القانون لأرضهم عند عجزهم عن سداد الدين، إذ إنّ القانون لا يغطي الديون الزراعية. وكان الحصول على قرض أمراً صعباً مهما كان القرض صغيراً وليس وراءه إلاّ خسارة الوقت والمال. لقد كان البنك يقدّم قروضاً تعادل (50 جنيهاً إسترلينياً للفلاح، ولكن القليل من الفلاحين يملكون أرضاً تغطي هذه القيمة ولذلك اقتصرت قروضهم على ما يتراوح بين 3 جنيهات وعشرة جنيهات)([524]).

واقتصر نظام الالتزام بداية، على عدد محدود من موارد الدولة العثمانية، وجمعت ضريبة الأعشار من فلاحي قرى دمشق (دوما، القابون، داريا…)

وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“أبرز محمد رأفت سنداً على أهالي قرية القابون بمبلغ (710100 غرش) مقسطاً على ستة أقساط. كل قسط 11850 قرش صاغ الميري. والقيمة بدل التزام أعشار قريتهم سنة (1308هـ / 1892 م/ بين كل قسط وآخر شهر” ([525]).

ففي هذه الوثيقة، نجد مقدار الأموال التي تدفع للملتزمين عن القرية، مقسطة على ستة أقساط، بين كل قسط والآخر، شهر. وعلى أهل القرية معاً، أن يتدبروا أمورهم بدفع المبلغ.

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“ادعى أحمد البقاعي، وطلب من ذمة مؤيد زاده عن أعشار ما خصه من محصولات عن سنة 1319 هـ / 1902 م/ خمسين مدّ حنطة، عشرها ستة أمداد وربع، سعر المدّ (16 غرشاً) منها 100 غرش. وعن أرض الكندلين ماية مدّ شعير عشرها 12 مدّ ونصف، سعر المدّ (9 قروش) عنها (112 قرشاً) و20 بارة، وعن أرض المشروع ( 50 مدّ حنطة) عشرها 6 أمداد وربع المدّ. سعر المدّ (6 قروش) عنها 100 قرش، وعن الكرم الكبير ماية مدّ شعير، عشرها (12 مدّاً ونصف المد) سعر المدّ 9 قروش”([526]).

وفي هذه الوثيقة كما نلاحظ، شرحٌ مفصل لما كان يدفعه الفلاح كضريبة لملتزمي أعشار القرى والأراضي الزراعية من المحاصيل.

وفي مجال جباية الضريبة، كان هناك طائفة من الموظفين يعرفون باسم المباشرين. وكانوا يقومون بجباية الضرائب لحساب الخزينة. ولكن لم يكن معروفاً إذا كان هؤلاء المباشرون من الصرافين.

فالملتزمون كانوا حتماً من المسلمين، أما الصرافون فكانـوا من أهل الذمة (نصارى ويهود). وكانت الفوائد التي تعود على الصرافين، من هذه العمليات، تكمـن في الأرباح المالية العالية التي كان باسـتطاعتهم أن يعرضـوها على الملتزميـن، عن الأموال التي كانوا يقدمونها لهم، لمواجهة تبعات هؤلاء المقرضين([527]).

لقد عانى الفلاحون كثيراً من جور الملتزم الذي يجمع الضرائب الزراعية بطريقة الالتزام، وبموجب تكليف رسمي من الإدارة العثمانية. ففي إحدى الوثائق نجد ما يفيد أنَّ الملتزم حصل على وكالة عمومية عن الخزينة، وإشارة إلى إلزام جمع الأعشار من القرى إلى من سيقوم بجمعها([528]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ مايلي:

“ادعى الوكيل عن رضا أفندي النابلسي مميز محاسبة الولاية على عبدو الشيخ عمر حول بدل أعشار المزرعة خاصة الموكل.”([529])

كما نجد، فإنّ جمع الأعشار كان مهمة محاسبة الولاية ووكلائها. وإضافة لضريبة التزام العشور، كان هناك رسوم فرضها القانون على الفلاحين والبدو، لمصلحة (ملاك أراضيهم). وكان ينفق كل هذه الموارد ملاكُ الأراضي من إقطاعيين ونظّار الأوقاف الذين يستلمونها. ولم تكن الخزانة تأخذ منها شيئاً ([530]).

وقد انتقلت معظم أملاك الغوطة في مدينة دمشق، من مالكيها الأصليين إلى أيدي الأغنياء وأصحاب النفوذ والأفنديّة، بسبب أن كل دين أو مظلمة تقع كان يُلقى بها على(حجر الضيعة) أي على حساب القرية كلها، فتتجمع على القرية الديون، فيضطر أهلها لبيعها.ولو لم تلغ قاعدة حجر الضيعة، لخرج بعض أرض الغوطة من أيدي مالكيها الأصليين، بشكل واسع. والدليل هو نزع قرى زبدين، وبالا، والحديثة من أيدي أهلها، بسبب ذلك المصطلح أو القانون الضار.

وقد عانى الريف الدمشقي وفلاحوه من الأزمات والضائقات المالية والاجتماعية في تلك المرحلة، لذلك أخذ الفلاح يتوجه إلى المدن للاستدانة، مقابل محاصيل الأرض، إلا أنَّ صاحب الأرض أحياناً، بعد أن يصلحها الفلاح ويعمل بها، يسترجعها مع محاصيلها من دون أن يدفع له كلفة الزراعة والأتعاب. نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“خلاصة أنه اشترى الأرض وما نزعها ممن يعمل بها، وأذن له أن يفلحها ويزرعها مثل ما كان يفعل. وعندما تكبَّد عليها مصاريف تزيد عن 4000 قرش تجاسر بالقوة الجبرية، واغتصب منه الأرض المذكورة، بما عليها من الزرع، وامتنع عن إعطائه مصاريفه وأتعابه…”([531])

وكان الفلاح في ريف دمشق يستدين مقابل محاصيل أرضه ويعقد الديون مع مختلف الفعاليات الاقتصادية في المدينة (تجار، أصحاب، أملاك، أطباء، صيادلة…) ويبيع المحصول سلفاً بأسعار يحددها المَديْن (التاجر، أو صاحب الأملاك). وعند الموسم يمكن أن تتغير الأسعار، بسبب تلاعب رأس المال الأجنبي والاستثمارات الأجنبية والمحلية، في سوق المدينة، للحصول على أحسن المواد الأولية بأرخص الأسعار. وغالباً ما ترتفع الأسعار في الأسواق، ولكن على الفلاح أن يسلم المحاصيل حسب الاتفاق، وبالسعر القديم المتفق عليه والذي بموجبه زُوِِّدَ بالمال اللازم للقيام بالأعمال الزراعية([532]).

وقد رصدنا تاجراً من مدينة دمشق تعامل مع مزارعين وفلاحين في الريف وعَقَدَ الديون بفوائد على أن تسترد عند الموسم. وذكرت الفوائد صراحة في متن السند. وقد صُنفت هذه الفوائد إلى قانونية وغير قانونية، حيث أطلق عليها المتظلمون اسم الفوائد (الفاحشة) حسب ما تذكر الوثائق([533]).

وقد ألقى هذا التاجر الحجز على أراضٍ في دوما لمزارعين مع معصرة زيتون ومعصرة دبس([534])، وآلت إليه ملكية مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، نتيجة الديون المتراكمة على الفلاحين، وعدم مقدرتهم على سدادها([535]). وعندما ادعى التاجر على الفلاحين في المحكمة، صدرت الأحكام بحقهم غيابياً، بدفع المبالغ مع الفوائد، وسُمح لهم بالاعتراض، ولكن الاعتراضات كانت شكلية، ونتيجتها لصالح المرابي التاجر الذي تمتع بالقوة والنفوذ في المدينة، مقابل الفلاح الذي لا حول له ولا قوة، إلا عمله وكده في الأرض. وكمثال على مثل هؤلاء التجار والمرابين، نقرأ في إحدى الوثائق أنّ: “سليم أفندي الشاوي وهو تاجر مقيم بخان العامود بالشام قد بلغت ديونه على الفلاحين والمزارعين بموجب سندات عُرضت على محكمة تجارة دمشق لتحصيلها، وهو ما رصدناه من خلال الوثائق المتعلقة بها وتحليلها في الفترة ما بين عامي (1302- 1307) هـ / (1885- 1890) م. حوالي” 3527 غرشاً مع الفائض, و 348 ليرة فرنساوية وزهراوي واحد وتك واحد”([536]).

وقد كانت المبالغ السابقة ديوناً على زرَّاع وفلاحين من قرى دوما، حمورة، سقبا ([537])…

كما نلاحظ توجه تجار مدينة دمشق نحو منطقة حوران([538]) الزراعية الغنية بالمحاصيل خاصة الحبوب منها والأغنام، ومثالنا على ذلك، التاجر (نقولا الزلحف) الذي تعامل مع أهالي ومخاتير المنطقة الجنوبية (جنوب دمشق) ومُربي الأغنام، وفي تجارة العوابير (الأغنام الصغيرة) وقد طالب بالديون عند عدم سدادها في مواعيدها مع الفائض والرسوم([539]). وهو تاجر وصاحب أملاك، وشريكه يدعى يوسف زلحف- “يمكن أن يكون أخاه أو ابن عمه” وآخر اسمه إبراهيم زلحف.. فنحن أمام عائلة تجار تعاملت مع ريف دمشق وعقدت الديون مع الفلاحين، على أن تستردها عند الموسم حسب الاتفاق.

ومن القرى التي تعاملوا مع فلاحيها “بابيلا، وتسيل، نوى، كون (قضاء القنيطرة)، المغاربة الشرقية، صيدا (لواء درعا) كفرسوسة، قرية المنصورة(قضاء بعلبك) قرية كودية(من عرب النعيم) مختار قرية درعا([540])، عقربا([541])، البويقة” وهي تابعة لمركز ولاية سوريا” ([542]).

وذكرت الوثائق أن الديون كانت تدفع نقداً، وبكفالة المختار. وفي حال عدم دفعها من قبل مزارعي القرية، فالمختار ملزم بذلك، أي كانت تدفع بالتضامن والتكافل بين مختار القرية ومزارعيها. بالإضافة للرسوم وأتعاب المحكمة التي شكلت عبئاً إضافيا فوق الديون المترتّبة على الفلاح مع فوائدها. فمثلاً وجدنا أن مصاريف رسوم إحدى الدعاوى مثلاً بلغ (298 قرشاً)([543]) وهذا مبلغ كبير في ذلك الوقت، أضيف إلى المبلغ الأساسي وفوائده.

وقد أحصينا ديون هؤلاء التجار وأصحاب الأملاك من ( آل الزلحف) والتي عرضت على محكمة تجارة دمشق للمطالبة بسداد ديون بموجب سندات من الفلاحين والبدو في ريف دمشق، فبلغت حوالي: 1871 قرشاً، و30 بارة و214 ليرة فرنساوية و 16 مدّ حنطة.

ووجدنا في إحدى الوثائق أنه مقابل عدم تسليم (16 مدّ حنطة) في موعدها بالسعر الذي حدده التاجر قبل الموسم، تمَّ حجز (8 جمال(*) للمَديْن وهو من عرب النعيم الذي أودع جماله في بايكة يوسف الزلحف بالميدان([544]).

إن فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني كانت فترة برز فيها ضعف الفلاح نتيجة الفقر، والنهب لجهده وتعبه من قبل المرابي والإدارة العثمانية وقوة التاجر، وصاحب الأملاك، والمرابي (الصراف) في المدينة، والذي استثمر أمواله في ريف دمشق، وفرض فوائد عالية (فاحشة) على الفلاحين والبدو بمساعدة من الإدارة العثمانية وقوانينها ومحاكمها. وقد ذهبت سدىً، كلُّ اعتراضات الفلاح المسـكين أو البدوي الفقير لمصلـحة الدائن الأقوى نفوذاً أو مالاً ([545])، والمدعوم من الأجنبي غالباً بقوة الامتيازات التي أصبحت حقاً وامتيازاً لأوروبا ومواطنيها. والملاحظ أن كلَّ من ملك الأموال في مدينة دمشق تقريباً، توجه نحو الريف لاستثمار أمواله هناك، فوجدنا الملاّك والخيّاط والأجزاجي والطبيب والتاجر وغيرهم من أصحاب الأموال، قد تاجروا في شراء المحاصيل التي راجت محلياً وعالمياً في هذه الفترة ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“إبراهيم أنطوان تراك اجزاجي بالشام ادعى على الشيخ سالم من قرية معربا بدين مقداره 19 ليرة فرنساوية بموجب سند للأمر” ([546]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“إبراهيم مشاقة طبيب مقيم بالشام، ادَّعى على أحد مشايخ قرية التل بدين مقداره 1742 قرشاً وحجز قطعتي أرض مقابل ذلك (أرض الوادي وأرض الهداف)” ([547]).

واضطرت النساء الريفيات اللواتي كن وحيدات (أرملة – مطلقة) للاستدانة من أغنياء المدينة، وعندما تعجز إحداهنّ عن السداد، يحجز على ما تملك من أموال وحلي. نقرأ عن ذلك في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى سليم أفندي جدي وهو تاجر بالشام، على الحرمة فاطمة شمالي وكريمتها آمنة بكري بقرية دوما لامتناعهما عن دفع الدين، وحجز قطعتي أرض بدوما عائدتين لهما بالإرث الشرعي عن زوج الأولى ووالد الثانية..”([548])

وبرز في مدينة دمشق، في مرحلة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، دور الأعيان وأصحاب الأملاك الذين ملكوا الأراضي الواسعة في ريف دمشق وغيرها من المدن السورية، وسلموا تلك الأراضي للفلاحين ليعملوا بها مقابل حصة معينة حيث نقرأ في إحدى الوثائق عن مَلاّك أنه اشترى أرضاً وأبقاها مع أحد الفلاحين، وأذن له أن يفلحها ويزرعها مثل ما كان يفعل، مقابل حصة معينة “([549]).

وقد كان الأعيان يقدمون المال اللازم من أجل مستلزمات الزراعة، ويدفع الفلاح الضريبة، ثم يتقاسم المحصول مع الأفندي أو صاحب الأملاك، بموجب طريقة تُعرف بالمحاصصة، يتفق عليها، فإمّا ربع المحصول للفلاح وإمّا ثلثه وإمّا نصفه ([550]). وقد ناء الفلاحون تحت ضغط الديون وفوائدها، حيث وجدنا في بعض وثائق محكمة تجارة دمشق، أن الفلاح قد شكا من أن المال الذي يطالبه الأغا بدفعه، ناتج عن تراكم فوائد فاحشة كما نجد في الوثيقة التالية:

“ادعى صاحب أملاك على مزارع من قرية التل، بدفع دين 14 ليرة فرنساوية. وقد ادعى المزارع أن المبلغ هو متراكم عن فائض فاحش زايد عن الحد النظامي”([551]).

وقد كان أصحاب الأملاك يسيئون معاملة الفلاحين، عندما لا يستطيعون إيفاء الدين في ريف مدينة دمشق، فيحجزون على المحاصيل والحيوانات (غنم، جمال، خيول).

وكان الفلاحون والمزارعون في ريف دمشق يستدينون من صناديق الأقضية التابعة للإدارة العثمانية، لتغطية حاجاتهم. ولعب أمناء هذه الصناديق دوراً موازياً لدور الأعيان في عقد الديون. وبالتالي كانوا عامل ضغط على الفلاح المدين حيث سجَّل هؤلاء الأمناء الدين باسم الضيعة كلها ( القرية) أي يدفع أهل القرية الدين معاً. وإذا لم يدفع، تحجز أراضي القرية الزراعية، وربما تباع بالمزاد لاستيفاء الدين من فلاحيها. وكان المشتري دائماً هو من الأعيان وأصحاب الأملاك، فيأخذ الأرض بأسعار رخيصة. وعن ذلك نقرا في إحدى الوثائق مايلي:

“هذا دين بموجب سند للأمر… والسند ممضي و ممهور بوجه التكافل والتضامن من آخرين في قرية حمورة لوعدة(*) 45 يوماً “([552]).

ويذكر في السند عند حجز الأرض الزراعية لمصلحة الَدائْن إذا كانت الأرض مشجرة أو غير مشجرة، كما تبيّن لنا من الوثائق([553])

وتحدد الأرض عند بيعها أو حجزها، ويذكر ذلك من كل الجهات، ويُبْدَأُ بالقبلة، تيمّناً بالأراضي المقدسة بالحجاز بالنسبة لمدينة دمشق، ثم تذكر الجهات الأخرى كما ذُكر في الوثائق.([554])

استثمر موظفو الإدارة العثمانية من صنف المأمورين، وكتبة ضبوط المحاكم، أموالَهم في ريف دمشق، بسبب الحاجة للمواد الأولية الزراعية في تلك الفترة عالمياً، مما يفيد في الحصول على أرباح مهمة. وقدمت القروض للفلاح، أيضاً شعبةُ البنك العثماني في مدينة دمشق. وعند عدم تسديد الدين مع فوائده، تقوم بالحجز على المحاصيل والأرض، وتوقف بيعها، كما وضحت الوثيقة التالية:

“ادعى مدير شعبة البنك العثماني بالشام، على زُرَّاع من أهالي قرية البرج، وطلب حجز 75 قطعة أرض كائنة بقرية كفرحور، قضاء وادي العجم، خاصة المدعى عليهم، وتوقيف بيعها ” ([555]).

كما نلاحظ فإن الفلاح عانى من قسوة الطبيعة، والإدارة العثمانية، والأعيان و ملاك الأراضي، التي تعاونت جميعها في سلبه أرضه وجهده.

1- المحاصيل الزراعية المنتجة :

زرع أهل دمشق في أراضيهم الواسعة(*) زراعات متنوعة من حبوب وخضر وفاكهة. ويبدو أنه كان لأهل دمشق، إلمام ملحوظ بفن البستنة. يقول أبو البقاء البدري في كتابه: “كنت ترى الأشجار في بساتين دمشق، وكأنها السطور في كتاب. وقد تطرح الشجرة الواحدة أربعة أو خمسة أنواع من الفاكهة، وتزهر الوردة الواحدة أربعة أو خمسة ألوان من الورد، وهو ما يسمونه في صناعة الفلاحة، بالتطعيم”([556]).

وقد عانت زراعة الحبوب وغيرها من الزراعات في مدينة دمشق، من مشكلات صعبة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومن أهم هذه المشكلات، بدائيةُ الأساليب والطرق الزراعية وتأخر المواصلات التي كانت تعتمد بشكل أساسي، على الحيوانات. أضف إلى ذلك، المنافسة الدولية من قبل الدول المنتجة للحبوب والكوارث الطبيعية التي توالت على المنطقة، من جفاف وأمراض وجراد وغيرها، إضافة لهجرة كثير من فلاحي الريف إلى المدينة نتيجة الضائقة الاقتصادية التي عانوا منها في تلك المرحلة.

وقد شرحت إحدى الوثائق أن أحد مستأجري أرض زراعية، دفع أجرتها من حاصلاتها من البستان في صالحية دمشق. على النحو التالي:

“استأجر الشيخ محمد السقطي من محلة صالحية دمشق، من مجموعة مؤجري البستان الكائن بأراضي صالحية دمشق بالنيرب التحتاني، داخل بستان الحلبي (بستان الميادين) لمدة أربعة عقود، كل عقد ثلاث  سنين، بأجرة وقدرها عن كل سنة من المدة المرقومة(85 قرشاً و 18 رطلاً)(*) من الزيت البلدي عال يعدل عنهم ثلاث أحقاق وثلث حق(**)، وثلاثة وربع مدّ(***) زيتون أسود عال وعشرة أرطال رمان حلو وحامض منقول ذلك لدار المؤجرين والزيت والزيتون في كانون، والرمان في أيلولها”([557]).

فقد اشتهرت مدينة دمشق بزراعة الزيتون في الريف المجاور لها (دوما، صحنايا، داريا، قطنا وغيرها…) وهو من أجود الأنواع وأطيبه.

وحرص المزارع الدمشقي على الاستفادة من الأراضي التي حول المدينة ووفرة المياه لزراعة أنواع مختلفة من الخضر في مواسمها، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“البستان بالنيرب التحتاني بأرض صالحية دمشق قرب الجبخانة(****) المعروف ببستان قصر شمس الملوك، جميع الحصة وقدرها النصف من جميع المزروع النابت بأرض البستان المرقوم أعلاه المشتمل على دفين فصة، وثلاث قطع إفرنجي(*****) وقطعة بتنجان أسود، وخمسة مناقب بامية وقطعة كوسا، وقطعة شوندر مع نعنع، وقطعة لوبية وكتاف ذرة عوانية ومقدار شركة الحاج محمد الزين المرابع بالنصف الثاني..”([558]).

إذاً كان هناك تنوع في الخضراوات المزروعة.

2- الأجانب وعلاقتهم بالريف الدمشقي في تلك المرحلة:

برز في تلك المرحلة، اهتمام متزايد بالزراعة والمحاصيل الزراعية، نتيجة ازدياد الطلب على المواد الأولية الزراعية من قبل أوروبا، اللازمة لصناعتها المتطورة، الأمر الذي جعلها تتوجّه نحو أسواق الشرق العربي لقربها ولإنتاجها كثيراً من المواد الأولية الجيدة، وطالبت السلطنة بتطبيق بنود المعاهدات التي حصلت عليها في سورية وغيرها من المناطق الخاضعة لها، لذلك أخذت الأيادي الأجنبية تتدخل مباشرة، وكلٌّ لمصلحة دولته أو عن طريق الوكلاء المعتمدين من قبلهم في دمشق، لشراء المواد الأولية الزراعية، وبأسعار معقولة من الوكلاء أو من الفلاح مباشرة، مما شجَّع على العودة وممارسة الأعمال الزراعية، وتوجيه الزراعة لإنتاج محاصيل تلبي المتطلبات الأوروبية الصناعية.

وقدَّم التجار والقناصل الأجانب المال عن طريق عقد الديون مع الفلاحين مباشرة، وبشروط مجحفة بحق الفلاح. وإذا لم يستطع ردَّ الدين عند الموسم أو في نهاية الفترة المحددة، يحجز على المحصول أو على الأرض التي هي مصدر رزق الفلاح وأسرته، إذْ نقرأ في الوثيقة التالية مايلي:

“إن الخواجة جون سكوط وهو من تبعة دولة انكلترا بالشام، ومقيم بقصبة المعلقة، ادعى على علي الشماط وسليمان الغضبان من أهالي قرية سرغايا بدين قدره (3000 غرش) معاملة بندر الشام و(60 مدّ حنطة) من حاصلات القرية المرقومة (المذكورة). حنطة سلمونية خالية من التبن والزيوان والتراب وما شابه”([559]).

نلاحظ من الوثيقة أن المشتري الأجنبي الانكليزي، يشترط على الفلاح الدمشقي، أن يُسلّم القمح (الحنطة) نظيفة خالية من الأوساخ. أي أن على الفلاح أن يعمل مع أفراد أسرته أياماً، لتنظيف الحنطة حسب رغبة المشتري الأجنبي، وبسعر قليل يدفعه ثم يبيعه هو لدولته أو غيرها بأسعار عالية، فتعود الفوائد والأرباح للتاجر الأجنبي أو التاجر المحلي وكما تبين من خلال الوثائق([560]).

ولقد كان الوكلاء والسماسرة القومسيونجية يشكلون عامل ضغط على الفلاحين، انعكس سلباً على أوضاع الريف والزراعة الدمشقية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى جرمانوس عرقتنجي ترجمان دولة أسبانيا بالشام، على أهالي قرية حرجلّة بموجب سندين للأمر دين.. ثمن قمح، سعر مدّ الحنطة بـ 30 غرشاً”([561]).

والملاحظ أن ثمن الحنطة الوارد في الوثيقة، فرض من قبل هؤلاء سلفاً ماداموا يدفعون المال للفلاح قبل الموسم، للقيام بالأعمال الزراعية المختلفة، لأن مدّ الحنطة كان أغلى من هذا السعر عند الموسم.

“أحمد حمشو قواص قونسلوتو دولة انكلترا بالشام، ادعى على خانم بنت محمد سعيد في قرية عقربا حيث استأجر منها تسعة قطع أرض مشجرة لمدة ثلاث سنوات بأجرة عن كل سنة 9 ليرات عثمانية “([562]).

وتصارعت في تلك المرحلة معظم الدول، على أراضي وخيرات ولايات السلطنة العثمانية عامة، وأراضي مدينة دمشق خاصة وريفها. وكان لروسيا مصالح وعلاقات مع ريف دمشق أيضاً، أسوة بباقي الدول الأجنبية، وتطبيقاً للاتفاقيات المعقودة مع السلطنة. نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“الخواجة شحادة كتران من تبعة دولة روسيا الفخيمة بالشام.. حجز على عقار مقابل دين في قرية سبينة الكبرى”([563]).

وقد تولى إدارة قنصلية هولندة([564]) في مدينة دمشق في تلك الفترة، وقنصلية اليونان([565]) في الوقت ذاته. وهو من الحمايا، عبده قدسي المواطن العربي الدمشقي ليخدم المصالح الأجنبية في المدينة بتعامله مباشرة مع الفعاليات الاقتصادية الدمشقية وهذا أفضل من تعيين قنصل أجنبي حيث لعب دوراً مهماً في استثمار الأموال في ريف دمشق على نطاق واسع. وهذا ما ظهر لدينا عند قراءة وتحليل عدد كبير من وثائق سجلات المحكمة التجارية لمدينة دمشق، في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، حيث وجدنا عدداً كبيراً من الدعاوى (الوثائق) التي رفعها أحد القناصل الذي ادعى فيها على الفلاحين الذين استدانوا منه، وكان يدعى (عبده بك قدسي) وولده (الياس بن عبده قدسي) الذي أصبح بعد والده، قنصل هولندا بالشام. وقد ذكر د. عبد الكريم رافق في بحوث اقتصادية عنه مايلي:

“الياس بن عبده بك قدسي قنصل هولندا بدمشق الذي قدم نبذة تاريخية عن الحرف الدمشقية للمجمع العلمي الشرقي الملتئم في مدينة ليدن عام 1888م([566]). ومن موقعه كقنصل لدولة أجنبية، ومن عائلة عملت في السلك الدبلوماسي القنصلي لدول أجنبية، فقد كان من مهامه الأساسية، تقديم تقارير وبحوث([567]) للدول الأجنبية التي يمثلها، باعتباره مراقباً شخصياً لما يجري من النواحي الحرفية والصناعية والتجارية والزراعية في مدينة دمشق وريفها([568]).

وعند إطلاعنا على سجلات محاكم التجارة، وجدنا ذكراً لمعظم أفراد هذه الأسرة. وقد أوضحت هذه السجّلات وشرحت الأعمال التي قام بها هؤلاء القناصل والأموال المستثمرة لهم في مجال الزراعة وغيرها… إضافة لمبالغ كبيرة كانوا يتعاملون بها من دون الحاجة للجوء إلى المحاكم.

فقد تعامل عبده بك قدسي مع ريف دمشق والمدينة، حيث عقد الديون وحجز على أراضٍ وبيوت ومحلات مقابل التأخر بالدفع وسداد الدين. نقرأ في إحدى الوثائق عن ذلك مايلي:

“ادعى عبده بك قدسي على مزارع من قرية بيت سابر، قضاء وادي العجم، بسبب دين مقداره 167 ليرة فرنساوية، وعند عدم السداد حجز على 8 قراريط من أراضي القرية”([569]).

من خلال الوثيقة نجد أن قسماً كبيراً من أراضي القرية قد حجز، على اعتبار أن أراضي القرية تعادل 24 قيراطاً. فثمانية قراريط من أراضي القرية تعادل الثلث تقريباً، مقابل الدين. وفي وثيقة أخرى نقرأ :

“ادعى عبده بك قدسي على تاجر أغنام بالصالحية من أهالي الشام، بموجب سند للأمر (170 ليرة فرنساوية) دين. وعند عدم السداد حجز على (100 رأس غنم خاصة المديون في قرية العبادة”([570]).

وقد وصل تعامله إلى التعامل مع تجار مدينة دمشق الذين تاجروا مع مصر، ودمر وقرية الناصرية (قضاء النبك) (طفس، لواء حوران). والملاحظ أن ديونه كان يعقدها بالليرة الفرنساوية والانكليزية([571])، حتى يضمن عدم فقدان قيمة المبالغ التي سيستدينها الناس المحتاجون إليها في الريف وغيره، لأن النقد العثماني في تلك المرحلة كان معرضاً لهبوط قيمته باستمرار وعدم استقرار أسعار الصرف.

حجز القنصل عبده بك قدسي على دور([572]) سكن، وأراضٍ، وغنم، وبساتين([573])، وجمال، وحيوانات أخرى، ودكاكين([574]).

وبلغ مجموع أمواله الموظفة كاستثمارات في ريف دمشق، وعُرضت على محكمة تجارة دمشق بموجب سندات في الفترة الواقعة بين الأعوام 1304 هـ – 1305 هـ/1887م- 1888م. أي خلال عامين تقريباً والتي قمنا برصدها من خلال الوثائق، (11585 ليرة فرنساوية و¾ الليرة و 41 قرشاً عثمانياً و118 ليرة إنكليزية و25 قرشاً و110 ليرات عثمانية”([575]). (يمكن العودة لفقرة العملات والنقود نهاية الفصل)

وبلغت الأموال التي وظفها ابنه (خليل قدسي) كديون: (122 ليرة فرنساوية و9000 قرش عثماني و100 ليرة عثمانية” هذه الديون عُرضت على المحكمة خلال عامين. أما ما لم يعرض من ديون أخرى تم سدادها دون اللجوء للمحكمة، فربّما كان أكثر بكثير([576]).

وهكذا عمل القناصل المتحدرون من الأصل الدمشقي أحياناً، ممثلين للمصالح الأجنبية في المدينة في تلك المرحلة، فدعموا رأس المال الأجنبي وتوظيفاته في الريف، مما أثر على الأوضاع الزراعية سلباً، سواء عند تحصيل الديون عيناً أو حجز الأراضي وبيعها لاستيفاء الدين. وهذه الممارسات أدت في النتيجة، لربط البلاد بعجلة الاقتصاد الأوروبي والصناعة والتجارة الأوروبية، تطبيقاً لما جاء في بنود المعاهدات المعقودة التي أصبحت في الفترة المدروسة، سيفاً مسلطاً على رقاب الفلاحين والمزارعين في مدينة دمشق وريفها.

ولعب الصرافون (المرابون) اليهود وغير اليهود دوراً استغلالياً بشعاً عانى منه الفلاح المسكين في ريف مدينة دمشق. فقد استدان منهم نتيجة فقره والحاجة للأموال اللازمة لزراعة أرضه، بفوائد كبيرة بلغت 24 % إلى 40 %. وأدّت هذه الفوائد في غالب الأحيان، إلى انتزاع ملكيته. وقد وصفت الوثائق التي عدنا إليها الفوائد التي حصّلها المرابون من الفلاحين بأنها فوائد فاحشة. ونتيجة لذلك، استولى الصرافون اليهود على كثير من أراضي ريف دمشق لعدم قدرة الفلاح على تسديد ديونه. ونقدم فيما يلي بعض النماذج، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى نسـيم وهارون عبادة صيارف بالشـام مقيمون بمحـلة الإسرائيليين”([577]). فقد عقـد هذان الصرافـان اليهوديان ديوناً على زراع من قريـة كفـر بطنا([578]) وكفر العواميد([579])، وسقبا([580]) وسرغايا([581])، وسوق وادي بردى([582])، وحمورة([583]).

وفي جميع هذه الدعاوى نجد المحكمة تطالب الفلاح (المزارع) بالدين مع الفوائد أو مع الفائض والمصاريف. وفي محضر بعض الجلسات، ذُكر الحجز على أملاك الفلاح (أرضه، طاحونته، حيواناته) وإذا أعطي حق الاعتراض على الحكم، ففي الأغلب كان يُردّ اعتراضه، لأن الغلبة والحق للظالم والأقوى اجتماعياً وسياسياً([584]).

وجرت العادة أنه لضمان حق الطرفين، يسجل الدين على مزارعي القرية بالتكافل. وقد بلغت أموال الصرافين نسيم وهارون عبادة في الفترة المذكورة سابقاً ” 1124 ليرة فرنساوية, 33395 قرشاً، 195 ليرة عثمانية) بالإضافة لديون أخرى حصلها من أصحابها دون اللجوء إلى المحكمة([585]).

وقوي موقف الصرافين وكثرت أموالهم أمام فقر الناس وحاجتهم، إذ إنّ معظمهم كان من التابعية الأجنبية أو الحمايا لدولة أجنبية، وبالتالي استطاعوا التحكم بسير القضايا في المحاكم، وإصدار معظم الأحكام لمصلحتهم.

ومن الجدير ملاحظته، أن كثيراً من اليهود الدمشقيين أخذ بالادعاء بأنه من حمايا دولة أجنبية أو تابع لقنصلية إحدى الدول الأجنبية، حيث كان نشاط الحركة الصهيونية على أشده في تلك الفترة، لذلك أخذت الإدارة العثمانية تضع القوانين التي تثبت هذه التابعية، لأن الذي تثبت تابعيته تكون جلسات المحكمة للمطالبة بديونه من الفلاحين وغيرهم، بوجود ترجمان قنصلية الدولة التابع لها. وبالتالي يمكنُ التدخل بإصدار الأحكام، وغالباً لمصلحة حمايا تلك القنصليات. وبالإضافة إلى ذلك وجدنا كثيراً من الصرافين الذين ذكرتهم الوثائق من تبعات دول أجنبية كما نقرأ في الوثائق التالية:

“رحمون المغربي صراف من تبعة دولة ايتاليا بالشام”.

“يوسف فارحي صراف من تبعة دولة ايتاليا بالشام”.

“ماير لزبونا صراف من تبعة دولة استريا والمجر بالشام”([586]).

“داوود هراري صراف من تبعة دولة انكلترا بالشام”.

وهكذا تعرض الفلاح في تلك المرحلة للنهب من كل الأطراف الطامعة بالمنطقة، أجانب وصرافين، وكل من استطاع الاستفادة من الأوضاع المتردية في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني.

وقد لعب التجار المحليون التابعون لدول أجنبية، دوراً مهماً في عمليات شراء المواد الأولية والمنتوجات الزراعية في مدينة دمشق وريفها، من المنتجين الزراعيين مباشرة، حيث سمحت الإدارة العثمانية لهم بحرية العمل التجاري في الريف. وفي الوقت نفسه، تجنب التجار التعامل مع المؤسسات الوطنية، وأحياناً كانت تتشكّل شركات تجارية مختلطة “من مواطنين وتجار أجانب”.

كان الإنتاج الزراعي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، هو المجال الوحيد والأساسي، من مجالات الاقتصاد الذي قدَّم للغرب الأوروبي الرأسمالي الصاعد امبريالياً، وللولايات المتحدة الأمريكية، المنتجات الخام والموارد اللازمة للصناعة ” لذلك نجد أن منظمة القروض الأوروبية في الإمبراطورية العثمانية – إدارة صندوق الدين العثماني العام التي يشرف عليها الدائنون الأجانب وكلف بتأمين سداد الدين العثماني من ريع بعض موارد الدولة المخصصة لذلك، مما أدى إلى سيطرتها على جزء كبير من الدخل الوطني، وكان لها نشاط وعلاقات مباشرة كبيرة بالإنتاج الزراعي. وقد حلت هذه الإدارة محل الإدارة العثمانية في مدينة دمشق.([587])

وقد حرص القناصل (كما ذكرنا سابقاً) على أن يشرحوا في تقاريرهم السنوية الشهيرة، أوضاع الزراعة في ريف دمشق في هذه الفترة التي تميزت ببدائية النقل وانخفاض الأسعار الدولية للحبوب في أواخر القرن التاسع عشر([588])، حيث انتعشت أسواق القمح السوري والدمشقي خلال الفترة بين 1870 – 1886 ثم كسدت بسبب مزاحمة القمح الروسي له([589]).

وجرت في حوران اتصالات مستمرة ومباشرة بين زراع الحبوب والمصالح التجارية الأوروبية. ففي عام 1880 م ذكر القنصل الفرنسي في دمشق، أنه خلال السنوات العشرين أو الثلاثين السابقة، كانت الزراعة آخذة في التوسع، وزاد الإنتاج في سورية. غير أن طرق الإنتاج وأحوال الفلاحين لم تتغير، ليشكل سوء المحصول والفساد والديون معاً في السبعينات من القرن التاسع عشر، أزمة اقتصادية، رغم محاولة الحكومة حماية الدائنين العاجزين عن الوفاء بديونهم. وقد تمثل التغير الكبير في الزراعة في زيادة إنتاج المحاصيل النقدية المعدة للتصدير، مثل الحبوب والحرير والقطن والتبغ([590]).

وكان استثمار الأراضي التابعة لمدينة دمشق، حسب نوع الأراضي. ففي المروية، كان أصحاب الزراعة يقومون بالعمل بأرضهم مباشرة، ويدفعون للفلاحين المشتغلين أجوراً مقطوعة شهرية أو فصلية أو سنوية، أو تستغل الأرض عن طريق المزارعة بشروط مختلفة (بالقسم). فمثلاً يأخذ صاحب الأرض ربع المحصول، فيدفع العشر منه ويبقى ¾ للفلاح وفي هذه الحال، تكون جميع الأعمال والنفقات على الفلاح. ولكن صاحب الأرض يقرضه البذار، على أن يستوفيه من البيدر([591]) أربعة أو خمسة أمثاله. وفي هذه الحال، تكون الأجرة التي أخذها صاحب الأرض معادلة لربع المحصول أو خمسه. وهنا يكون الفلاح قد قدَّم الأتعاب والنفقات. أما إذا كان رأس المال المستثمر في الأرض، من صاحب الأرض فإنّ الفلاح يكون مرابعاً، وعليه أن يعمل مقدار فدان من البقر (أي نحو ثمانية هكتارات من الحبوب)، ويجهّز مثلها للسنة التالية، ويأخذ ربعَ المحصول أو خمسه، بعد أن يدفع ضريبة العشر من المجموع العام للمحصول([592]). وهكذا كان حال الزراعة في مدينة دمشق، نهباً وسرقة لجهود الفلاح وتعبه، وإضعافاً للاقتصاد الوطني، من قبل التجار وأصحاب الحسابات (البراءتلية) بدعم من الدول الأوربية.

وخلاصة القول أن الريف الدمشقي، قد عانى من أوضاع سيئة، نتيجة التوجه الاستعماري الامبريالي، في تلك المرحلة، نحو المنطقة العربية، وتعاون الأعيان وكبار المتنفذين في الإدارة العثمانية معاً، مما خلَّف آثاراً سيئة على الزراعة في الريف الدمشقي. وبرزت هذه المساوئ والسيئات أكثر، في علاقة الأجانب المقيمين في مدينة دمشق، وقناصلهم وتراجمتهم وحماياتهم مع الريف.

ب – الصناعة:

1- عراقة الصناعة الدمشقية وأهميتها:

الصناعة قديمة في العالم قدم الإنسان، وهي حرفة الصانع وعمله، وتسمى الصنعة. وقد جاءت شهرة الصناعة الأجنبية من اعتمادها على الأساس الصناعي العربي، ومن ثم تطويره. وقد برع الدمشقيون بشتى أنواع الصناعات، مثل الصناعة النسيجية، والزجاجية والصناعة التقليدية وغير ذلك… وكانت من أجود الأنواع وأكثرها متانة، حيث طار صيتها إلى معظم أنحاء العالم. وكان اسم بعض الصناعات يدل على بعض المصنوعات المتقنة مثل: الموسلين، والبروكار، والديما، وغير ذلك.

وعلى الرغم من أثر مساوئ التبادل التجاري، على الصناعة الوطنية الدمشقية وغيرها من مدن سورية، فقد كان لهذا التبادل، دور في تشجيع وتحريك دولاب الصناعة في مدينة دمشق، باتجاه التأقلم مع الواقع الصناعي الجديد([593]).

وبرز التنافس على أشده، بين دول أوروبا على أسواق مدينة دمشق، خاصة بعد تطور المواصلات (كالسفن البخارية)، حيث صدرت المنسوجات الصوفية إلى المشرق العربي، وحرصت أوروبا بعد الثورة الصناعية، على جعل أسواق المشرق العربي تحت وصايتها، لتكون سوقاً لتصريف مصنوعاتها المختلفة.

وبالمقابل، كان من الضروري أن تستورد المواد الخام اللازمة لاستمرار دوران دولاب الصناعة الأوروبية، لذلك أخذت صناعاتها تغزو الأسواق العربية فتبدّلت الأذواق المحلية.. “حيث أخذت النساء منذ مدة، يتبعن الأزياء الإفرنجية.

إن تراجع الصناعة السورية (الدمشقية) ليس بسبب رداءة النوعية أو ضعف التقانة بل على العكس من ذلك، فقد كانت الصناعة الشامية ولا تزال، تتمتع بسمعة طيبة في أوروبا ذاتها (في الفترة موضوع البحث) من حيث المتانة والجودة، وإنما يرجع السبب إلى الثورة الصناعية التي غيّرت المفاهيم السابقة، والى الظروف العالمية، والى النظام الاقتصادي الدمشقي الضعيف، وتقوقع المجتمع المحلّي على نفسه، وسيطرة أوروبا على الاقتصاد العالمي لمصلحتها، وهكذا فالصناعة الأوروبية أغرقت سورية بصناعاتها الخاصة التي كانت وقتها، تقليداً لكثير من الصناعات الشامية، بعد أن اقتبست بعض أساليبها ووسائلها([594]).

وقد عانت الصناعة المحلية الدمشقية من صعوبة الحصول على المواد الخام الأولية الوطنية اللازمة لاستمرارها، في الوقت الذي حصلت عليها أوروبا، بقوة الامتيازات والمعاهدات التجارية التي عقدتها مع السلطنة وخدمت صناعتها، وزعزعت صناعة المدن السورية، وبدأ التحول نحو أنواع صناعية جديدة تلبي الحاجة المحلية، وفي الوقت نفسه، تبقي عمال الصناعة في أعمالهم.

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وجد في أسواق المدن الكبرى كدمشق وغيرها، كثير من الصناعات المحلية التي استمرت، خاصة الأنواع الرئيسة منها التي أقبل عليها الأوروبيون بعد الثورة الصناعية، مثل النسيج الذي كان لدمشق شهرة قديمة في صناعته اليدوية. ويتضح ذلك من الكلمات الدمشقية المستعارة في اللغات الأوروبية (دمسك، دماسين، جوز، موسلين)([595]) وامتلأت المدن الكبرى في سورية التي كانت مـراكز حيوية للصناعة، بكل أنواعها المميزة التي كانت هدفاً لأوروبا.وقد حافظت حتى اليوم على تقاليدها الموروثة في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي مع إضافة بعض تطوّرات العصر،وامتلكت تلك المدن أسواقاً وخانات مهمة كانت مراكز لترويج وعرض الصناعات للبيع (كسوق الصاغة، والنحاسين، والخياطين، والبزورية، وسوق النسوان وخان أسعد باشا، وخان العروس، وسليمان باشا، وخان الزعفران..”([596])

وكانت الصناعات القديمة يدوية ومحدودة، وتُنْشأ بناء على توصيات الوكلاء والتجار. وغالباً ما كان التاجر يقدم المادة الأولية، وأحياناً كنا نجد بعض الحرفيين يعملون لمصلحتهم الخاصة([597]).

ولم تكن المؤسسات الصناعية الكبرى معروفة، فالعامل لا يحتاج لرأس مال كبير، ليبدأ عمله، والأجور كانت متواضعة، وأحياناً كان يُستخدم الأُجراء المتمرنون، من دون أن يدفع لهم أجر. حيث تُظلّل الفرد مظلة الجماعة، ويعمل ضمن المجموعات الصناعية([598]). إلا أن تدهور الحرف اليدوية في المرحلة المدروسة، نتيجة الغزو الصناعي الأوربي، أدى إلى إضعاف مركز الطوائف الذي أدخله العثمانيون إلى سورية والذي كان له دور في توزيع العمل والتخصص الدقيق، ووجدت طوائف خاصة بالمسلمين، وأخرى بالمسيحيين أو مشتركة بينهم. و أخرى خاصة بالنزلاء العرب أو غير العرب (المغاربة). وقد تحكمت الطوائف الحرفية في نوعية الإنتاج ومواصفاته وأسعاره. وكانت المواد الخام المستوردة توزع على العاملين فيها من أبناء الطائفة، من قبل شيخهم. ونلاحظ هنا أن العمل كان فردياً في الغالب، وقد شجعته الأنظمة الحرفية وطّبقه القاضي. وأحياناً صعب على الحرفيين الفقراء، الارتقاءُ في سلم المهن وإقامة مشاغل خاصة بهم. وذلك لافتقارهم إلى الأموال التي كان يتطلبها خلو الدكان. وحرص أصحاب كل طائفة على منع العناصر الغريبة من تعاطي حرفتهم، والهدف من ذلك، ضمان حسن الإنتاج والاستئثار بالأرباح، ومشاركة جميع أعضاء الحرفة في تحمل الضرائب الجماعية. كما أن تنظيمات الحرفة وأخلاقها المهنية قد ساعدت على تطوير مستوى الأخلاق العامة. وقد طبعت الحرفة حياة الحرفي بطابعها، ولصق اسمها به حتى غدا كنية له ولأبنائه مثل حواصلي، خشاب، مسالخي، صواف.. الخ. وعومل العلماء بين الحرفيين، معاملة خاصة، ولقي المفلسون والفقراء من الحرفيين اهتماماً ورعاية كبيرة. وعلى صعيد العلاقة مع الإدارة العثمانية، لعبت الطائفة الحرفية دوراً مهماً من حيث تنظيم العلاقة بينها وبين السلطة الحاكمة([599]). وإذا ما تعطلت فئة من طائفة حرفية عن العمل تتحمل بقية الطائفة ما يخصّ المعطلة من الضرائب.

إن وظيفة الطوائف الحرفية كانت أداة اتصال بين الحكومة وسكان المدن الذين يتوقع منهم الخطر. وفي دمشق، كما هي حال مصر وغيرها، كانت بعض الطوائف تضم أعضاء من المذهب الديني الواحد، بينما في طوائف أخرى، كان المعلمون (الأسطى، الصانع، المياوم، الصبية، الأجراء) ينتمون لمذاهب مختلفة([600]).

ومارسوا عمليات الشد(*) في احتفالات(**) خاصة، وذلك بتلاوة الصلوات وبشدهم بالمئزر، كل حسب دينه. إذْ بعد أن يبدأ عادة، صاحبُ الحرفة عمله كمبتدئ أو كأجير، يرتقي ليصبح صانعاً معلماً أو شيخ كار، وبعد فترة من التمرين يطالب بشده إلى الكار، ويُسجّل في سجل المرشحين للشد، ويبلّغ الأمر لشيخ الحرفة وكانت الاحتفالات عادة تجري في الحدائق، وبحضور النقيب والشيوخ والزملاء([601])

2- الواقع الصناعي في المدينة خلال فترة البحث:

إن وضع الصناعة المحلية الدمشقية في حال منافسة مع البضائع الأجنبية، خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني، جعل بعض الصناعيين الشامييّن يفكر بالخروج من تلك الحال التي أدت إلى الخنق التدريجي المنظم للصناعة المحلية، حيث حاول بعض الحرفيين تطوير بعض الأقمشة كالديما مثلاً. إذْ ” قام الحاذق يوسف الخوام فغير وزاد في لون الديمة، وأتى بنسج أحسن من النسج الإفرنجية وأرخص، فنال ثناء الجميع… ولو اهتم جميع الصناع اهتمامه في إصلاح صنائعهم، لفازوا فوزه وأغنوا البلاد عن النسج الإفرنجية في برهة قليلة” ([602]).

السؤال المطروح هنا ما سبب عدم تضخم الثروات بشكل كبير، بين الصناع والحرفيين الدمشقيين في تلك المرحلة؟

يبدو أن الأنظمة الحرفية قد شجعت الاتجاه نحو الفردية في العمل. ومثال على ذلك أن القاضي طلب من طائفة المخومين(***) للسروج، أن يشتغل كل واحد منهم في دكان مستقل، وألا يشتركوا في العمل ذاته، لأن فيه ضرراً للمسلمين([603]). وهذا يعني أن تبقى إمكانات الحرفي محدودة، وعلاقته بزملائه متوازية. وليس من مجال، في هذه الحالة، لتضخم الثروات وحدوث تفاوت كبير فيها. ولكن التفاوت يظل كبيراً بين ثروات المعلمين والصناع من الطائفة الواحدة، لذلك كان الاتفاق أن يشتغل كل واحد منهم على حدة. وما يحصّله من أجر يتناوله لنفسه، في الوقت الذي كانت فيه السوق محدودة، وأخذ الطلب يتحول نحو البضائع الأجنبية، وكثرت الدكاكين التي تعرض تلك البضائع، وكان الوقود غالياً، وافتقرت الصناعة إلى معظم المواد الأولية الخام، وكان النقل مكلفاً، ولم تكن العمالة الماهرة متوفرة، كما لم تكن العمالة غير الماهرة رخيصة، وكان رأس المال نادراً ومحدوداً. ولم تقدم الحكومة غالباً، أية حماية أو تشجيع للصناعة المحلية، حتى قرب نهاية الفترة المدروسة. ولم يتخذ التصنيع الملحوظ سبيله حتى أواخر الأربعينات من القرن العشرين([604]).

3- أهم الصناعات الدمشقية:

1- الغزل والصباغة:

كانت الصباغة عملية مهمة في صناعة النسيج الذي ينفذ في أماكن مختلفة، تبعاً للّون المطلوب. ثم يأتي دور (المزيّك)(*) و(الملقي). ويقتصر عمل الأخير على سداة الحرير. وبعد ذلك يُحيك الحائك أو النساج لحمة القطن، ثم يقوم بقص القماش وغسله وإعادته إلى الآلاجاتي (مقدم الكار) وقبل أن يصبح جاهزاً للبيع، يؤخذ إلى الدقاق ليكسبه لمعاناً ([605]).

وقد تحولت معامل الصباغة في الفترة المدروسة، نحو استخدام الأصبغة المستوردة، من أوروبا بدلاً من استخدام المادة الصباغيه النباتية المستخرجة من نبات الفوّة الذي كان يزرع قرب يبرود والنبك، في جبال القلمون قرب دمشق. وقد عانى الصباغون من ضعف الحال والفقر والإفلاس، نتيجة ضعف صناعة النسيج ومنافسة النسيج الأجنبي. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق أنّ ” مدعى عليه من تجار النيل والصباغة حدثت له أضرار من الخسائر التي لحقت به وأصبحت موجوداته وأشياؤه لا توفي الديون، لذلك بادر إلى إجراء معاملة الإفلاس ووضع اليد على موجوداته وقد أُلقي في السجن”([606]).

وتعرض الصباغون إلى الفقر والإفلاس، وعمدت السلطة القضائية العثمانية إلى إجراء جرد ثروة المفلس منهم، وتوزيعها على الدائنين، وحجزت على مصابغ الصباغين بسبب ذلك. ونقرأ في إحدى الوثائق عن ذلك مايلي:

حجز على المصبغة الكائنة بزقاق المنكنة الجارية بتصرف المدعى عليه مقابل الدين”([607]).

وذكرت الوثائق أن الصباغين استوردوا الأصبغة الكيماوية من مناطق مختلفة، مثل مادة النيّل التي استوردها التجّار من الهند والصين ومصر وغيرها([608]).

ونالَ الغزَّالون ما نال الصباغين في صناعة النسيج، من حيث المنافسة الأجنبية، وتدفق البضائع والصناعات النسيجية والغزول الأجنبية، لأنهم لم يستطيعوا الصمود في وجه الغزل الأجنبي المستورد الذي انتشر في أسواق مدينة دمشق، بكميات كبيرة، وهدَّد الغزالون بالإفلاس. وإذا قورن وضعهم بوضع النساجين، لاتّضح أنه لم يكن أفضل حالاً، حيث تكيفوا مع الأوضاع الجديدة، وذلك باستخدام الغزل الأجنبي المستورد الذي غمر الأسواق الدمشقية، كما تبين لنا ذلك من الوثائق:([609]).

وكان في دمشق 23 محلاً لطبع([610]) الأقمشة في المدينة أكثرها يعمل على الماء، والقليل على البخار.

2- النسيج:

تُعد صناعة النسيج أهم صناعة دمشقية، وقد حُمل إلى كل أنحاء العالم، والبحر المتوسط وأوروبا لكنّه في الفترة المدروسة تعرض إلى أزمة، نتيجة تدفق البضائع والنُسج الإفرنجية على مدينة دمشق، واحتلالها مكانة بارزة في أسواقها الرئيسية. وتعرض كثير من العاملين إلى الإفلاس بسبب مزاحمة هذه البضائع الأوروبية، وتدنت قيمة الأنوال، وكذلك قيمة خلو الدكان وكدكها. وكثر بيعها وتحويلها إلى أعمال أخرى. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مثلاً، ” أن مكان نسيج آلاجة قد تحوّل إلى واخور لربط الدواب”([611]).

وفي أخرى:

“دكان للصباغة حُوّل إلى غرفة وضُمت للدار في دمشق القديمة” ([612]).

وقد وجد في المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية الإنطاكية دفتر بعنوان (الزممات(*) والفتالة(**) وباقي الحرف)، حيث يوضّح مالصاحبه من ديون على الصناعيين وتجـار الخيوط والأقمشة القطنيـة والحريرية”([613]).

وقد تزامن انخفاض الدخل والأرباح التجارية الدمشقية، مع هبوط الإنتاج المحلي للنسيج. إذ كان يعمل في مجال صناعة النسيج المحلي، عدد كبير من العمال الذين أنتجوا البضائع الأكثر قيمة وثمناً. ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر كان هناك نحو (4000 نول)([614]) لصناعة الأقمشة الحريرية، والحريرية الممزوجة بالقطن (الآلاجة) ونحو (400 نول) لنسج الأقمشة القطنية الخالصة وأنتجت هذه الأنوال كميات كبيرة من الأقمشة المتنوّعة (المذكورة سابقاً) وكانت أسعارها تشكل دخلاً كبيراً لمدينة دمشق وأهلها.

وقد تمتعت المصنوعات الأجنبية بمزايا جمركية حصل عليها المفاوضون الأوروبيون بموجب المعاهدات التجارية. فقد دفع المصنعون الأجانب تعرفة واحدة يتم الإشراف عليها في ميناء الدخول إلى الأسواق المحلية، من دون أن تُسْتَوفَى عليها أية رسوم أخرى في مدينة دمشق، في الوقت الذي كانت الصناعات المحلية([615]) تخضع لعدد من الرسوم الداخلية القانونية. وفي مراحل عدة من إنتاجه، زادت كثيراً عن التعرفة الجمركية التي تدفعها الصناعات الأوروبية المستوردة إلى دمشق وغيرها من المدن السورية.

وكان يعمل في مدينة دمشق في القرن التاسع عشر، رجال أعمال يوفرون مستلزمات الإنتاج النسيجي، ويتولون تصريفه تجارياً، وكانوا مختصّين بإنتاج النسيج.

ومن خلال الوثائق نرى قسماً كبيراً من محلات النسيج، على اختلاف أنواعه، تتواجد في الخانات. وقد يكون الخان كله معدّاً لصناعة النسيج.

فقد جاء في إحدى الوثائق ذكر لخان النارنجة في القيمرية، قرب جيرون وقد كان معداً لصناعة الديما والآلاجا([616]).

ونجد في القيمرية أيضاً، خاناً يدعى خان الورد، فيه محلات لصناعة الفتالة([617]). ونقرأ في وثيقة ثالثة ذكر خان أبي الحسن بالخراب، وفيه محلات لنسج القطن والآلاجة([618]).

ونجد في وثيقة أخرى أن محلة الخراب كان فيها دكاكين تؤجر، وهي معدة لنسيج الآلاجة والقطن([619]).

وفي وثيقة أخرى نجد أن الخان الكائن في باطن دمشق بمحلة مأذنة الشحم، بزقاق التبن، معَدّ لنسج الآلاجة” ([620]). وأن أحد الصناعيين (عبد القادر الطويلة) اشترى دكاكين أنوال، إحداها بخان الورد، والأخرى بخان عيسى القاري. وكان مجموع الأنوال في الدكاكين 28 نولاً ([621]).

وكان القسم الأكبر من الأموال المستثمرة من قبل رجال الأعمال في النسيج الدمشقي، قد جاء من المتعاملين مع المناطق البعيدة عن دمشق، مثل بغداد والقاهرة، حيث وجد الحرير الدمشقي سوقاً له… مثال على هؤلاء التجار، حنا عنجوري وهو من أغنياء المسيحيين وأحد أهم أرباب صناعة النسيج في دمشق([622]).

وكان تحت تصرف كل من عبد الرحمن هاشم (التاجي) ومحمد سعيد القوتلي البغدادي ومراد نسيم فارحي، رأس مال يعادل ما لدى رجال الأعمال الدمشقيين في ذلك الوقت. وقد تعاطى هؤلاء التجارة مع أوروبا، شأنهم شأن معظم كبار التجار الأجانب في مدينة دمشق والصناعيين، لبيع البضائع وتزويد صناعة النسيج بالمواد الخام المستوردة. واستوردوا قسماً من الحرير المصنع في دمشق، من بلاد فارس والصين، وخيطَ غزل القطن من انكلترا، عبر بيروت…

وأطلق لقب (مقدم الكار) على رجال الأعمال الذين يوفرون العمالة في صناعة النسيج. وكان مقدم الكار يملك مكان العمل والتجهيزات الضرورية ويؤجرها للحرفيين. وكان له دور في تنسيق العملية الإنتاجية، بشراء المواد الخام وتصريف البضائع المحلية ([623]).

وقد عمل بصناعة النسيج أعداد كبيرة من الصناع المهرة. وغالباً ما كان مقدم الكار هو الآلاجاتي بحد ذاته الذي يزود (الكبّاب) بالحرير المكبّب، و(الفتّال) و(المسدّي)(*) ويدفع لهؤلاء العمال أجورهم، وله نحو ربع القيمة الجديدة لخيط الحرير المعالج. ولم يكن مقدم الكار يستثمر أمواله الخاصة بل رأسمال الزبون الذي سيؤول إليه الإنتاج، ثم يتولى هو والزبون الخطوات اللاحقة.

والجدول التالي يوضح عدد الأنوال في الفترة المدروسة:([624])

العام الأنوال العمال
1308هـ /1891م 3000 21000
1326هـ /1909م 2500 ؟؟

نلاحظ من الجدول تراجع عدد الأنوال، وبالتالي عدد العمال في الفترة المدروسة وهي فترة قصيرة. وهو ماذكره شهود عيان من الأجانب زاروا دمشق في أواخر القرن التاسع عشر، وأشاروا إلى أزمة الحرف التقليدية العميقة التي أدت إلى انهيار أصحابها وإفلاسهم([625]).

وقد اعتمدت بعض الصناعات النسيجية الدمشقية على الورش المنزلية ” إذْ إن عدد الأنوال الموجودة في كل منشأة منفردة، لم يكن يقل عن 12 إلى 15. نولاً وهي تُصنع غالباً من الخشب البسيط الذي لا يكلف أكثر من نصف جنيه إسترليني. وكان يمكن أن يشتروا أنواع جاكار مقابل 5 أو 7 جنيهات([626]). لكنّ تشغيل الأنواع الحديثة كان صعباً، لأنه لم يكن هناك عمال ميكانيكيون محليون مدربون. وهذا ما يفسر فشل محاولات إدخال مصانع تدار بالآلات على النمط الأوروبي غير أنّ الشعور بأهمية وجود خبرات صناعية متطورة مؤهلة، أدى إلى إحداث مراكز صناعية تعليمية في بداية القرن العشرين، لتخريج الطلاب منها([627]).

لقد تناقص عدد أنوال النسيج في الفترة المدروسة، عما كان عليه الحال في بداية القرن التاسع عشر، وصار عددها 700 نول آلاجة وخمسين نول قطن و 150 نول شال حرير وشال غزل، وخمسين نول فوطة ملاية حرير وغزل وكان عدد هذه الأنوال مجتمعة 5250 نولاً ([628]).

وقد تحرك بعض الصناعيين باتجاه تطوير صناعاتهم النسيجية، فقد ذكر القساطلي أنه في حدود عام 1870 م استنبط رجل من بيت مرتضى، شكلاً جديداً منقوشاً نقشاً جميلاً،  فراج كثيراً ثم تبعه السيد درويش الروماني وقلّد القلاووظ الإفرنجي المعرق، بمساعدة جرجي ماشطة([629]).

3- صناعات متفرقة:

وجد في مدينة دمشق، صناعات متعددة متنوعة، ذكرها قاموس الصناعات الدمشقية بالتفصيل.

ومن الصناعات التقليدية مثلاً، صناعة الصابون، فقد ذكر أنه يوجد في مدينة دمشق، خمس مصابن كبيرة وأحد عشر معمل نشاء.

وكثرت المطاحن التي تتولى طحن الحبوب والغلال، إذْ ذكرت الوثائق مثلاً طاحونة الزيتون الكائنة بمرجة دمشق([630]).

وانتشرت معاصر الزيت والدبس؛ فقد قرأنا في إحدى الوثائق أنه وجد معصرة للزيت في صالحية دمشق، كانت تُعرف بمعصرة الوقف([631]).

وفي محلة أبو جرش في صالحية دمشق بزقاق الحطاب، ذكرت الوثائق أن هناك معصرة معدة لعصر الزبيب و طبخ الدبس([632]).

4- أحوال الصّناع الدمشقييّن في الفترة المدروسة 1876 – 1908 م .

أخذت المحاكم المحلية تلاحق المفلسين، وتعمل على جرد ثرواتهم. فقد وجدنا كثيراً من الوثائق تتحدث عن المفلسين وجرد ثرواتهم ووضعهم في السجن عندما كانوا يعجزون عن دفع الذمم المترتبة عليهم للتجار الأجانب أو وكلائهم من أصحاب رأس المال الأجنبي المستثمر في شتى فروع الصناعة.

ولعبت الشركات الأجنبية الموردة للمواد الأولية دوراً فيه احتيال وتلاعب بمواصفات البضائع من أجل الكسب والربح على حساب الحرفيين والصناعيين الدمشقيين، حيث جلبت موادَّ غير مطابقة للمواصفات المطلوبة أحياناً، وأجبرت الحرفي والصناعي على استلامها ودفع أثمانها، متحصنة بقوة انتمائها للدولة الأجنبية الحامية لها، وهذا هو الغش عند الأجانب ونقلوه إلى المنطقة وعملوا على زيادة الفساد وهم اليوم يوجهون الانتقادات لنا. وأعطى القضاء العثماني أحكاماً موافقة لمصالح الشركات الأجنبية العاملة في مدينة دمشق، في فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني. نقرأ عن ذلك في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى الخواجات البير بياجني وشركاه تجار بالشام، من تبعة دولة ايتاليا على الصناعي جرجي بغدادي الذي كان خياطاً في الشام.

تقول الدعوى: كان هذا الصّناعي قد طلب أجواخاً عن طريق الشركة، بأسعار محددة. وعند وصولها، رفض استلامها، حيث إنها وصلت بعد المدة ومختلفة (النموته) أي “الشروط المطلوبة في المساطر المحفوظة بيده”. حكم عليه باستلام الجوخ ودفع ثمنه، مع أن المادة (320) من أحكـام مجلة العدلية في القانون العثماني، تنصّ على أنه “إن شاء استلم وإن شاء أبى الاستلام لأن من اشترى ولم يرَ فله الخيار..”([633])

فمن الوثيقة السابقة نلاحظ أنّ القاعدة الشرعية في البيع والشراء، تقوم على أنه من اشترى ولم يرَ فله الخيار إذا رأى. هذا إذا كانت البضاعة موجودة. أما البيع بطريقة عرض المسطرة، فهو باطل شرعاً، وهو يسمّى بيع المعدوم أي بيع ما لا وجود له. فقد تصل بضاعة الشتاء في الصيف، فيخسر التاجر الذي اشتراها على المسطرة. والخلاصة أنّ القاعدة الشرعية في المعاملات التجارية هي بطلان بيع  ما لا يوجد تحت يد البائع بكامله كعقار أو نسيج وغير ذلك. وهذه القاعدة لا تعترف بها أوروبا وتجّارها. ولذلك فرضت قُضاتها في المحاكم المختلطة لإبطال النص الشرعي، لأنه لا يتوافق مع مصالح رعاياها([634]).

وذكرت الوثائق أنه نتيجة للضائقة الاقتصادية التي وقعت على حرفيي دمشق، في تلك الفترة، أخذ هؤلاء بالتوجه للعمل إما بالزراعة أو في مدينة بيروت حيث تركزت الفعاليات الاقتصادية الأجنبية، لأن بيروت ميناء تجاري مفتوح لكل التيارات على البحر الذي يربطها بأوروبا وبعالم البحر المتوسط الذي كان يعج بالأعمال والشركات. لذلك أخذ بعض المهنيين يتوجهون إليها، إذ كانت أجرة اليد العاملة فيها أفضل، فقد ذكرت الوثائق أن عاملاً في صناعة الأحذية (كندرجي) وهو من أهالي الشام، توجّه إلى بيروت وأقام هناك بشكل مؤقت، بقصد العمل بعد أن ترك عمله في دمشق([635]).

الخياطة:

ظهر في تلك المرحلة، آلة حديثة في كار الخياطة تسمى(ماكينة الخياطة)، وهي من الآلات التي استعان بها الحرفيون في مجال الخياطة، ومن صنع أوروبي وذات دولاب، استخدمها الخياطون الذين تعهدوا خياطة الثياب الرسمية لأفراد الحكومة من العسكريين وموظفي المالية. وأخاطوا البناطي(*) وتعلّم الخياطة بها كثير من نساء المسلمين([636]). وقد ذكرت الوثائق أنه وجدت في تركة أحد المتوفين، ماكينة خياطة مع سعرها حيث نقرأ في إحدى الوثائق أنه من ضمن الأشياء التي تركها المتوفّى ماكينة خياطة، سعرها 515 قرشاً”([637])

نستنتج من الوثيقة أن سعر الماكينة المذكور هو سعر آلة مستعملة. والجديدة يكون سعرها أكبر. فقد كان تجار الأدوات والآلات الأجنبية يغشون الحرفيين والمصنعين ببيعهم أحياناً تلك الأدوات غير الصالحة مما أثر على الأعمال الصناعية وعطلها حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“اشترى المدعي منذ 8 أيام من المدعى عليه، مكنة إفرنجية معدة لشغل الخياطة بثمن قدره (13 ليرة فرنساوية) قبَّضه الثمن واستلمها وأنه باعها سليمة من كل عيب ولكنها سَقَط، غير أنه أخبره بوجوب تصليحها مرة واحدة. ولكن بعد تصليح العيب لم تعمل. وألزم المدعى عليه بدفع الثمن للمدعي وأخذ المكنة”([638]). وكثرت حالات إرسال أدوات وآلات غير صالحة للعمل مما عطل الأعمال  الصناعية في المدينة([639]). وقد افتتحت شركة لماكينات الخياطة الأجنبية فرعاً لها باسم (شركة سنجر)([640])، في مدينة دمشق كما وجدنا ذلك في الوثائق.

وأخذت الشركات تبيع بالتقسيط لتسهيل البيع وترويج البضائع والآلات الأجنبية في المنطقة (بدلاً من أن يبادر الصناعيون ويصنّعوا آلات وطنية). وكلما تذمر الحرفيون و الصناعيون من الأوضاع السيّئة التي آلت إليها أمورهم، طلب منهم الوكلاء والتجار المحليون والأجانب ترك أعمالهم وأنوالهم التي توارثوها جيلاً بعد جيل، والتوجه للعمل في الأرض والزراعة، لإنتاج المواد الأولية والمواد الخام اللازمة للصناعة الأوروبية، حيث لم يستطع الحرفي الحصول على تلك المواد المحلية كالقطن مثلاً. لذلك توجه لطلب الغزل الأجنبي الأرخص وسريع التلف.

والملاحظ من خلال الوثائق التي درسناها، أن معظم الصناعات المستخدمة من قبل المواطنين في مدينة دمشق، في الفترة المدروسة، كانت أجنبية الصنع، حيث انتشرت البضائع الإفرنجية في الأسواق وفي كل بيت، من أبسط الأشياء إلى أعقدها في الوقت الذي كانت تصنع فيه، فيما مضى، محلياً، والفائدة والربح كانا يعودان للوطن ولعمال الوطن.

صناعة النحاس:

جرت محاولات لإحياء صناعات قديمة مثل النقش على النحاس، حيث صدّر منه أوانٍ نحاسية، أواخر القرن التاسع عشر، بنصف مليون فرنك، واشتغل فيه حوالي ألف عامل([641]).

فقد راجت صناعته واستخدمها الدمشقيون في منازلهم لأغراض متنوعة. وكانت تُجرى على النحاس بعد استخدامه لفترة من الزمن، عملية البياض لإزالة الطبقة الخضراء السامة عنه. وكان في مدينة دمشق دكاكين تقوم بهذه العملية التي تعرف بعملية (البياض) إذْ تشير إحدى الوثائق إلى دكان في محلة قبر عاتكة تحوي أدوات معدّة لتبييض النحاس”([642]).

وفي وثيقة أخرى نلاحظ قيمة وعدد بعض الأواني النحاسية كما يلي:

“ست طناجر نحاس كبار، وثمان طناجر نحاس صغار مع أربعة عشر غطا نحاس، اثني عشر رطل سعر الرطل (30 قرش) وعشر صواني نحاس كبار و5 صغار عشرة أرطال سعر الرطل (30 قرش) وأربعة أطباق نحاس وخمسة صدور نحاس أحمر وصدر نحاس أصفر وعشرة صحون كبار وعشرة صحون صغار نحاس سعر الرطل (40 قرش) وهاون صغير بـ (60 قرش) وطشط و إبريق نحاس أصفر بـ 60 قرش”([643]).

كما نلاحظ من الوثيقة السابقة، كثرة الأدوات المنزلية المصنوعة من النحاس وهي تعطينا فكرة عن أهمية هذه الصناعة وغنى المجتمع الدمشقي الذي انتشر فيه استخدامها في تلك الفترة. حيث عدّ النحاس من المعادن الثمينة كالذهب، التي كان يُعتدُّ باقتنائها. وكما نلاحظ من الوثيقة السابقة، كان للنحاس لونان: أحمر وأصفر وكل نوع له سعر. وبشكل عام كان سعر النحاس قبل الفترة المدروسة، حتى نهاية القرن التاسع عشر، معقولاً. ولكن في بداية القرن العشرين، تدهور سعره وعانى من ذلك، أصحاب حرفة النحاس “النحّاسون” وأفلس كثير منهم أمام تدفق النحاس الأجنبي المصنع في أوروبا.

نقرأ في إحدى الوثائق عن ذلك مايلي:

“السيد صالح نجيب من حرفة النحاسين، اُدّعَي عليه بسبب دين، وأظهر عدم المقدرة والعجز على الإيفاء، وسعى لنقل بعض بضائع نحاسية من دكانه وتهريبها. وبناء عليه، يطلب المدعيان إشهار إفلاسه، بما يقتضيه القانون التجاري والحكم عليه بالحبس والإفلاس”([644]).

وحاول بعض النحاسين أن يتفقوا ويؤسسوا شركة لصناعة النحاس (حلج النحاس) علها تكون قوة تقف في وجه المنافسة الأجنبية. ولكن لم تكن ناجحة بسبب تدفق النحاس المصنع من أوروبا على مدينة دمشق، حيث نقرأ في إحدى الوثائق عن رجلين: ” أنه جرت بينهما مقاولة (اتفاق) بموجب سند تعهَّدا فيه أن يشتغلا شراكة، بصنعة حلج النحاس مدة سنة كاملة وأن يعلم أحدهما الآخر الصنعة المذكورة ويدفع له نظير ذلك ليرتين فرنساويتين، ودفع المبلغ ولكن لم يعلّمه وتركه وباشر الشغل مع الغير”([645]).

من الوثيقة نلاحظ أن معلم صنعة النحاس لم يُعلِّم شريكه، وربما كان بسبب قلة العمل في صنعة النحاس وتوقفه نتيجة المنافسة الأجنبية. واستغلت الشركات الأجنبية، مدعومة بالامتيازات الأجنبية، وضع الحرفيين والصناعيين عند بيعهم المواد الأولية المستوردة من أوروبا. ورغم وجود اتفاق أو عقد عند شراء البضائع الأجنبية بين الطرفين، ووجود المسطرة التي على أساسها، يطلب الحرفي البضاعة كانت هذه الشركات تتحايل بنوعية البضاعة وطريقة الدفع وغير ذلك.

إن إغراق أسواق مدينة دمشق ذات التراث الصناعي القديم والعريق، بالبضائع الأجنبية، يعطي فكرة عما آلت إليه أوضاع البضاعة المحلية، حيث ذكرت الوثائق أنه وجد في تركة بعض الأشخاص الذين توفوا، مواد أجنبية. فأحدهم كان في تركته ثلاثون صندوق كاز وفي كل صندوق تنكتان مملوءتان كازاً أفرنجياً وزوج طبنجات(*) انكليزية([646]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ أنه من جملة أشياء المنزل جنق([647]) إفرنجي أبيض وعشرون كاسة إفرنجية لأجل الشرب، وأيضاً بابوج جلد أسود إفرنجي و مراية إفرنجية” ([648]).

الثروات الطبيعية:

امتلكت مدينة دمشق ثروات طبيعية لا بأس بها، حيث جاء في تقرير         لعام 1902 م عن المعادن المتوفرة في ولاية دمشق، مايشير إلى أننا “نجد فيها القار، والجبس، والحديد، والفحم، والرخام” ([649]).

كما نلاحظ فإن الثروات الطبيعية في دمشق مستثمرة ومستخدمة في أعمال عدة.

الزجاج:

وجد في مدينة دمشق معمل زجاج صنّع لسكان المدينة، مختلف أشكال وألوان الأواني الزجاجية والبلورية، وبعض الأوعية الخزفية البسيطة. ولكن سرعان ما أصبح عرضة للدسائس الخارجية، ونشأ عن ذلك اختلافات داخلية في مجموعة هيئة الشركة انتهت بتعطيله وإغلاقه ولمّا يمْضِ عليه أكثر من سنة واحدة([650]).

وقد ذكرت الوثائق تاريخ بناء معمل الزجاج، وكيف تم ذلك، ومن هو مدير المعمل في كل من دمشق وبيروت. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعى ميخائيل يوسف شلهوب ويوسف معماري /عثمانيون بالشام/ محلة المسيحيين. على محمد فوزي(**) باشا العظم سوق ساروجة ورئيس مجلس إدارة شركة البلور والزجاج بدمشق، وبدر الدين دمشقية مدير الشركة المذكورة في بيروت.

الدعوى: فقد عُقدت مقاولة بينهم وبين فوزي باشا العظم، بالتزام عمل الإنشاءات والأبنية اللازمة لمعامل الشركة، وذلك ضمن قطعة الأرض الجارية بملكها المشتراة من (هوردبشيانو)(*) والمذكورة بالطابو بالمحاكم الشرعية، وهي ملك الشركة. وقد أتمت الأعمال اللازمة والأبنية المذكورة واستخرج منها الأدوات الزجاجية”([651]).

نلاحظ من الوثيقة التزام العمل وإنشاء إقامة المعمل المذكور لصناعة الزجاج.

وفي وثيقة أخرى نقرأ كيف أخذت الدسائس الخارجية تفعل فعلها في تعطيل المعمل ومنعه من الإنتاج وتسويقه في مدينة دمشق:

“ادعى بشارة أصفر صاحب محل لوتيكة وشركاه تجار من تبعة ألمانيا بالشام، على بدر دمشقية مدير معمل البلور والزجاج في دمشق الشام.

الدعوى: أن الشركة المذكورة طلبت من المدعي 30 ألف كيلو سود كربونات ويصير استحضارهم على ثلاث دفعات. وتعهدت له أن تدفع قيمة كل إرسالية نقداً بوالس الشحن، وأنه قد أحضر الإرساليات بأوقاتها بموجب ثلاث فواتير وأن الشركة المذكورة لم تسلم البوالص وتماطل ذلك من وقت لآخر، وبالنظر إلى إعاقة تخليص المال من الكمرك فإن ذلك يزيدنا أضراراً ومصاريف باهظة”([652]).

كان مدير معمل الزجاج ينفذ خطة لإضعاف المعمل وإغلاقه بهذه التصرفات، حتى اليوم نجد أن بعض من ذوي النفوس الضعيفة ينفذون مصالح أجنبية على حساب مصالح الوطن.

وفي مكان آخر نرى أن مدير معمل زجاج، قد اشترى من ألمانيا حديداً ولم يدفع ثمنه، وبالتالي حكم عليه وعلى الشركة بتأدية المبلغ مع الفائض حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى مدير شعبة البنك الألماني الفلسطيني، على محمد فوزي باشا العظم رئيس معمل الزجاج والبلور العثماني بالشام بمبلغ (1200 ليرة فرنساوية) مع الفائض القانوني من تاريخ الأخطار 1329 هـ / 1912 م. وذلك بموجب التعهد الخطي عن أثمان الحديد المقاول عليه وفقاً للشروط المعقودة “([653]).

ولا يزال معملان بلدّيان باقيين إلى اليوم، أحدهما معمل الفخار في صالحية دمشق الذي يصنع الأكواب والأواني الفخارية. والثاني في حي الشاغور من المدينة، وهو معمل القزاز والبلور البلدي، حيث عرقل الجانب كل خطوة ترمي لإقامة مصانع وطنية حديثة في المنطقة العربية.

لقد سار الخنق المنظم للصناعات المحلية بسرعة، وخاصة للصناعات الوطنية التي شكلت مجال منافسة للبضائع الأجنبية في مدينة دمشق. وكذلك كانت حال المؤسسات التي تصنع المواد الأولية الزراعية الجاهزة للتصدير تصنيعاً أولياً، إذْ حصل رأس المال الانكليزي على بعض المواقع في صناعة الزيوت النباتية والطيارة وأدوات الزينة و الورشات التحويلية المعدنية. وكانت التوظيفات الأجنبية الأكبر، في مجال الخدمات العامة في مدينة دمشق مثل/الكهرباء/ وخط الترامواي، والسكك الحديدية…) والتي سنأتي على ذكرها لا حقاً.

الصناعات التقليدية:

إن اقتصاد مدينة دمشق وغيرها من المدن المشرقية العربية التقليدية، كان قائماً أساساً على الفردية في العمل والإنتاج، وعدم تشجيع التجمع في مؤسسات صناعية كبيرة. ومن هنا حدث التطور المهم الذي تمثل في قيام شراكات (شراكة في العمل) وقد ذكرت وثائق السجلات العثمانية قيام مثل هذه الشراكات من أجل توظيف أموال أكثر للحصول على صناعات أفضل وبسعر مناسب، وبالتالي تحقيق أحسن الأرباح، خاصة في مجال الصناعات الاستهلاكية. وقد لوحظ أن هذه الشراكات لم تكن مغلقة طائفياً، بل شملت أشخاصاً من مختلف المذاهب، حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعت الشركة على سعادتلو حكمت مردم بك صاحب أملاك والياس الصحناوي من أجل أن يجلب له من أوروبا أبواب حديد بسعر المتر 175 قرش”.([654])

وقد دعا كثير من المؤرخين المعاصرين لتلك المرحلة، من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلى إقامة مثل هذه الشراكات المساهمة في الإنتاج الوطني، ومنهم نعمان القساطلي، ومحمد كرد علي حيث ذكر الأول مايلي:

هذا ما دعا الحاذق السيد عبد المجيد الأصفر أن يقلد الآلاجة بالغزل، ليتمكن أبناء الوطن من استعماله. ولضيق ذات اليد، انضم إليه السيد حسن الخانجي فأمده، وبعد الجهد نال مراده، وراج عمله بين الخاص والعام” ([655]).

ومما قاله المؤرخ محمد كرد علي بهذا الخصوص التالي:

“لا جرم إن اشتراك أهل البلد الواحد بل القطر الواحد في عمل اقتصادي يرفع مستوى القومية، ويلقن الناس معنى التكافل الوطني([656]) ويعطي أمثلة من أحوال أوروبا”

وقلدت الصناعات الدمشقية أحياناً الصناعات الأوروبية، وتوجهت للتلاؤم معها؛ فقد صنع الحرفي عدة أنواع يظهر فيها اللون المحلي الدمشقي والشكل الأوروبي معاً، فنجح بعضها وتفوق على الأجنبي أحياناً. وحاول بعض المصنعين تصدير بعض هذه المنتجات الجيدة المحلية إلى أوروبا حيث كانت أرخص من البضائع الأجنبية سعراً، وأفضل منها في النوعية في عقر دارها.

وحاولت الصناعات الوطنية إرضاء الأذواق داخلياً وخارجياً، خاصة أن المستهلك المحلي أخذت تغريه في تلك المرحلة الأزياء الأوروبية التي حازت على ثقته، مما حمّل الصناعيين عبء المحافظة على درجة عالية من الجودة والإتقان والتأقلم مع الأزياء الأوروبية، ليقبل الناس على شرائها ” حيث النساء أبَين لبسه لأنه غير مشرّف بوسام إفرنجي” ([657]).

ولقد جاء في تقرير قنصلي عام 1314 هـ / 1897 م. أن مدير مصانع لانكشاير، طلب الحصول على نماذج من الأقمشة السورية لمحاكاتها. وفي الوقت نفسه حصل تركيز على صناعة الأقمشة الأكثر دقة ورقة والتي لا يستطيع الصانع الأجنبي محاكاتها بسهولة، مثل الأقمشة المنسوجة خصيصاً للأثواب المطرزة وأغطية الرأس. وحدثت محاولات لتوسيع الأذواق المحلية من خلال التنويع المتعمّد لها.

“وكانت هذه العملية في تغير مستمر، ومعروفة جيداً لمصممي الأزياء في عواصم أوروبا وغيرها، وهي تحقق فوائد عديدة إذْ تحول دون تقليد الأجانب، حيث كان التصميم الذي تحاول تقليده مثلاً مانشستر قد انتهى في مدينة دمشق، ولم يعد يُلبي الذوق السائد فيها. ومن ناحية أخرى كانت هذه العملية تضمن أن بعض المستهلكين كانوا يريدون أن يستبدلوا التصميمات القديمة بأخرى جديدة، وفي أوقات منتظمة باستمرار”([658]).

وأخيراً لابد من إبراز ما ذكره الحصني في منتخباته، حيث حدد الداء ووصف الدواء لتأخر الشرقيين عامة والمسلمين خاصة ” وهو عدم تضامنهم واتحادهم للقيام بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. فنجد أن التجارات الكبيرة في الشرق، والأعمال الصناعية والمدارس الأهلية، قوامها فرد واحد. فإذا مات أو تخلى عن العمل، تدهورت تجارته أو صناعته أو مدرسته. وهذا بخلاف ما عليه أهل الغرب، فإن أغلب مشاريعهم الاقتصادية والاجتماعية تقوم بها الجماعات المتضامنة المتضافرة. وبذلك يُضمَنُ بقاؤها ونموها. فالتجارة في أوروبا وأمريكا والمصانع الكبيرة تقوم بها شركات مساهمة، ويديرها الخبيرون. لذلك علينا معشر العرب والمسلمين، أن نتحد ونتضامن ونؤسس الشركات التجارية والمصارف المالية، وننشئ الدور الصناعية ونعمل على انتشار الجمعيات الخيرية”([659]).

وخلاصة القول أن الصناعة الحرفية في مدينة دمشق، قد عانت من منافسة البضائع الأوروبية فضعفت وافتقر أصحابها، وتضرر الاقتصاد المحلي عامة. ويعود ذلك إلى عدم اهتمام أوروبا، في فترة الثورة الصناعية، بمبادلة منتجاتها الصناعية بالمنتجات المحلية، كما كان الحال قبل التوجه الصناعي. فقد اقتصر استيراد أوروبا من المشرق، على ما يغذي صناعاتها المتطورة. ولذلك كسدت في دمشق وغيرها من بلاد المشرق، المنتجاتُ التي لم تعد تلائم أغراض الصناعة الغربية، وبالتالي اضطُرَّ المشرقُ العربي، إزاء هذا الوضع، إلى دفع ثمن البضائع المستوردة بالعملة النقدية، بدل المنتجات المحلية، مما أرهق الميزان التجاري (*).

جـ- التجــارة والمواصلات

التجارة:

تتداخل أعمال التجارة الداخلية والخارجية وتحدد الأسعار، حسب رغبة الدول الموردة للسلع ووفقاً للعلاقة بالسوق. وقد كانت بلاد السلطنة مجالاً واسعاً للتجار الأجانب، لممارسة التجارة داخلياً وخارجياً على حد سواء، وكان ذلك على حساب التجار المحليين، إذ أصبحت التجارة الخارجية بيد الأجانب ووكلائهم من أهل البلاد وغيرهم، وانقلب دور بلاد الشام رأساً على عقب، إذ تحولت من سوق تغذي أوروبا بالبضائع إلى سوق تتغذى من بضائع أوروبا المصنعة، خاصة بعد الثورة الصناعية الأوربية ودخول  الآلة الحديثة في عملية التصنيع الأوربي، ولم يكن رأس المال الوطني يتحرك بحرية وباطمئنان داخلياً، بسبب النهب العثماني لموارد، البلاد مما جعل التجارة الخارجية هي المجال الوحيد المطمئن والسالم، إذ كان هو المجال الذي يشعر فيه رأس المال المحلي بشيء من السلامة النسبية. غير أن نشاط التجار المحليين كان يصطدم بالمنافسة المتزايدة من قبل التجار الأوروبيين الغربيين المحميين من تعسف السلطة العثمانية، بنظام الامتيازات وبحماية السفراء والقناصل الأوروبيين([660]).

وأدَّت التجارة دوراً قومياً عربياً، حيث تاجر أهل دمشق خاصة وسورية عامة، مع مصر، وأمسكوا بزمام التجارة بأيديهم، وأقام كثير من الشوام في القاهرة، وارتبطوا مع تجار دمشق بروابط عائلية. وفي حين اتجهت تجارة دمشق الجنوبية إلى مصر([661])، نجد أن تجارتها الشمالية اتجهت إلى تركيا والعراق([662]).

واثر حالة الكساد التي حلت منذ أوائل القرن التاسع عشر، شهدت مدينة دمشق شكلاً جديداً للنشاط التجاري والعلاقات مع أوروبا، فقد تدفقت المنسوجات الرخيصة المصنعة آلياً إلى المشرق العربي وانتظم وصولها إلى الموانئ الشامية. ولم تكن الموانئ آنذاك، مثل اسكندرون وطرابلس وصيدا، تفي بهذا الغرض، لذا أنشئ ميناء بيروت الذي طغى على     ما حوله منذ القرن التاسع عشر. وأفادت دمشق من نمو هذا الميناء، الشيءَ الكثيرَ وتدفقت بضائعه عبرها إلى الداخل وما وراءه.

من المستفيد من ازدهار النشاط التجاري في تلك المرحلة؟

إنَّ ما ذكرناه عن ازدهار الحركة التجارية، يجب ألاّ يوقعنا في الخطأ حيث إنها لم تكن دليل صحة وعافية اقتصادية عامة أو تجارية خاصة، لأنها كانت سطحية، لم تستطع أن تولد حركة في عمق اقتصاد المنطقة. والأرباح التجارية المحصلة منها، كانت تعود على الأوروبيين وبعض الفئات المتنفذة من السكان المحليين من التجار الذين سهلوا تجارة أوروبا وكانوا من كل الطوائف.

1- التجار / الأجانب وعلاقاتهم مع التجار المحليين

ترسم وثائق سجلات محاكم دمشق، صورة واضحة لما كان يجري على أرض الواقع في هذه المدينة العريقة، اقتصادياً واجتماعياً، وكيف تحولت الفعاليات الاقتصادية في تلك الفترة، إلى خدمة أغراض التجارة الأوروبية.

لقد امتلأت مدينة دمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، بالأعمال والفعاليات الاقتصادية المختلفة، حيث كانت ولا تزال مركزاً مهماً من المراكز الكبرى في سورية. ونتج عن هذه الحركة الحيوية الاقتصادية العديد من المشكلات، وخاصة ما يتعلّق بالمعاملات التجارية التي عُقدت بين التجار المحليين من جهة والأجانب من جهة أخرى ومع بعضهم البعض (أهل دمشق) من جهة ثالثة.

وكثر عدد الأجانب في تلك المرحلة، وكثر القناصل وتدخلاتهم في شؤون المدينة الداخلية، فأنشئت محكمة تجارة دمشق لحل الخلافات والمشكلات التجارية، وتنقل القناصل ووكلاؤهم في مدينة دمشق وفي ريف المدينة، وتواصلوا مع الريف بواسطة وكلائهم لترتيب قضاياهم.

وقد وجدنا أنه نتيجة هذه الأوضاع، ظهر فرز اجتماعي وطبقي جديد في المدينة، حيث ظهرت فئة الملاك (أصحاب الأملاك)([663]) وكبار التجار([664])، والتراجمة([665])، من أهل المدينة الذين عملوا في تلك القنصليات، من كل الطوائف (مسلمون ومسيحيون ويهود) إذْ ذكرت الوثائق أن إنكلترا اتخذت لها قناصل من مختلف الطوائف. نقرأ في إحدى الوثائق: أن “أحمد حمشو، قونسلاتو دولة انكلترا بالشام”([666]).

وتذكر الوثائق أن عمليات الصرافة وعقد الديون بفوائد كبيرة، احتكرها اليهود من سكان المدينة جاء في إحدى الوثائق:

“الخواجان يوسف لزبونا وموسى عطية صيرفيّان وصاحبا أملاك، مقيمان بمحلة الإسرائيليين بالشام”([667]). نلاحظ من الوثيقة أن الصرافين من اليهود الدمشقيين الأغنياء.

وقد تأسست في تلك الفترة، كثير من الشركات المحلية التجارية التي عملت لمصلحة الشركات الأجنبية وكلاء قومسيونجية. نقرأ في إحدى الوثائق:

“الخواجات غناجة وبدوي تاجرا قومسيونجية مقيمان بالشام. ولهما دين على تجار من الأصناف. والقيمة وصلت ثمن بضائع إفرنجية”([668]).

من الوثيقة نلاحظ أن وكلاء الشركات الأجنبية (السماسرة) استوردوا البضائع الأجنبية وهي من الشركات المحلية.

وقامت هذه الشركات بتأمين المواد الأولية من الأرياف. وعليه فقد ظهرت البرجوازية المحلية التي أخذت ترتبط مصالحها مع الغرب، في الوقت الذي حدثت فيه تبدلات مرافقة لهذه التغيرات، سياسية وفكرية في المجتمع الدمشقي.

وهاجر كثير من الذين أفلسوا نتيجة الضائقة المالية، والمنافسة الأجنبية، حيث توقفت أعمالهم، إلى الخارج (أمريكا مثلاً). وذكرت الوثائق كثيراً من الذين هاجروا إلى الأمريكيتين، للتخلص من الديون والإفلاس وملاحقة التجار والحكومة العثمانية. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى تراك وشلهوب تجار بالشام على اميلان ارازي الخياط بالشام بسبب  دين (3107 قرش) عملة بيروت وأنه كان مغلقاً منذ أسبوعين. ومراده السعي إلى أمريكا. فخوفاً من ضياع حقوقهم وحقوق باقي التجار، ومنعاً لتهريب الأموال الموجودة في دكانه، يطلبون إشهار إفلاسه([669]).

وبيّنت الوثائق كثرة الافلاسات لدى التجار، نتيجة ادعاء الشركات الملحقة بالرأسمال الأجنبي، على التاجر المحلي المدين، والتي كان إنشاؤها في الأساس، رداً على التحدي الأوروبي، وعملاً يطالب به ويدعو إليه كثير من مفكري وعلماء مدينة دمشق وتجارها، لتجميع الأموال الوطنية، ومن ثم الوقوف في وجه المنافسة الأجنبية وبضائعها وصنائعها([670]).

إن سيطرة الرأسمالية الأوروبية على السوق المحلية، أدت إلى زيادة حالات الافلاس بين صغار التجار والحرفيين على حد سواء. ولفتت الافلاسات في مدينة دمشق، النظرَ، منذ أواسط القرن التاسع عشر، وتفاقمت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، نتيجة ازدياد المنافسة بين السلع المحلية والمستوردة، وقد راجت التجارة مع مدينة مكة المكرمة، حيث نقل إليها تجار دمشق، كثيراً من البضائع الدمشقية المشهورة والمواد الزراعية والحيوانات.

نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“…إنّ زوج الموكلة عند حياته كان في مكة المكرمة باع ما هو جار بملكه جميع الخمسة وعشرين جمل بسعر كل جمل (17 ليرة عثمانية ) وفرس سودة كستناوية بقيمة (2745 قرش و 30 بارة ) و 100 مدّ عليق(*) جمال بـ (3000 قرش ) وخيمتين بـ (500 قرش) و17 لبادة بـ (340 غرش) وعشرين حبل وثلاث قرب ماء وعشرة سكك حديد وعشرة عدول(**) صوف ومعجن(***) نحاس”([671]).

من الوثيقة نلاحظ كثرة المواد المتاجر بها مع الحجاز.

وذكرت الوثائق كثيراً من القضايا والخلافات التجارية المهمة التي حدثت بين قناصل وتراجمة الدول الأوروبية والمواطنين الدمشقيين، نتيجة تشعب العلاقات التجارية وتفرعها في المدينة وريفها، حيث وصل هؤلاء الأجانب بشكل مباشر لذوي الحاجة من أهل الريف والحرفيين، فعقدوا معهم الديون بموجب سندات للأمر. وعند عدم الدفع، يلجأ هؤلاء للمحاكم التي كانت تبت في القضايا التي يكون فيها أحد الطرفين أجنبياً أو من الحمايا (تبعة دولة أجنبية) ولا يتم ذلك إلا بوجود ترجمان الدولة المعنية. وهذا ما كان يدعى في المحكمة التجارية (إصدار الأحكام بوجود هيئة مختلطة)([672]) وهذه المحاكم المختلطة كانت في الوقت نفسه موجودة في مصر، ويعاني منها المصريون أشد المعاناة. وفي مثل هذه القضايا، غالباً ما كان الحكم أو قرار المحكمة النهائي لمصلحة الطرف الأجنبي (وكيل الشركة)، أو ترجمان، أو وكيل القنصل، أو براءتلي (حمايا). وهذا دليل مهم على تنامي التدخل الأجنبي في شؤون القضايا، الذي حصلت عليه أوروبا ورعاياها بموجب المعاهدات([673]) التي عقدتها مع السلطنة، وتحولت في الفترة المدروسة، إلى امتيازات استحقها رعاياها في السلطنة على حساب المواطنين، حيث خدمت الأحكام، بشكل سافر، المصالح الاستعمارية والامبريالية للقوى الأوروبية، مما عكس ذلك سلباً على أحوال الولايات العربية في المشرق العربي، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. وظهرت أثاره في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، إذْ سيطر الأجانب بموجب التسهيلات المعطاة لهم، على معظم الفعاليات الاقتصادية، من زراعة وصناعة وتجارة.

كان الخنق المنظم للفعاليات الاقتصادية المحلية، يتم بداية، ببطء لكنه تسارع بعد أن حصلت كل دولة أجنبية على مواقع رئيسية، منافسة بذلك الدول الأخرى. وقد أقرض هؤلاء الأجانب الناس الذين ازدادوا فقراً وحاجة إلى الأموال من صناع وزراع وتجار صغار، مع تسهيلات في الدفع، خاصة لتجّار الجملة الذين يدفعون على فترات متباعدة طويلة، مما سبَّب كساد الأسواق ومن ثم الإفلاس وعدم المقدرة على سداد الديون، والحجز على ما يملك المدين من أراضٍ وعقارات ومحاصيل وأقمشة وغير ذلك، إضافة إلى توريد بضائع غير مطابقة للمواصفات المطلوبة، للتجار المحليين.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“أن الوكيل عن شركة لوتيكة وشركاه ادعى على محمد رشيد زكريا من أهالي الشام، بسبب دين ثمن بضاعة وجدها غير مطابقة للمواصفات فرفض قبولها ولم يستلمها. وهي بضاعة صنف (كبسولا) فقد ثبت أن البضاعة عديمة النفع بالكلية”([674]).

وتوجه التجار الأجانب إلى حوران، المركز المهم لإنتاج الحبوب، خاصة القمح الذي شكل مادة رئيسة لصناعة أوروبا (ولا يزال حتى اليوم) لذلك عمد تجار دمشق المتعاملون مع الأجانب ووكلائهم وأصحاب المخازن الدمشقية (الحواصلية) إلى التوجه نحو الريف في حوران، وعقدوا صفقات تجارية مع أمين صندوق لواء حوران، لاستدانة المال من الصندوق، وشراء المحاصيل من الفلاحين قبل المواسم، ثم يحصلون هذه الديون عند الموسم.

نقرأ في الوثيقة:

“ادعى الخواجة اليان كردوس حواصلي المقيم بالشام، على إبراهيم أفندي شحلاوي أمين صندوق لواء حوران من أهالي الشام، مطالباً إياه بدين له بذمته (3000 قرش)”([675]). وتم بيع الحبوب للتجار الأجانب أو لوكلائهم.

وقدم التجار الأجانب الكثير من التسهيلات للتجار المحليين، بائعي المفرق والجملة، حتى يروجوا للبضائع الأجنبية. وهكذا انتشرت في أسواق مدينة دمشق البضائع الإفرنجية.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“أبرز الخواجة غناجة وبدوي سنداً بمبلغ (2916 قرشاً) ثمن بضاعة إفرنجية ممضياً من حنا كبريته و جرجس الشامي”([676]).

وانتشرت في المدينة أيضاً الغزول المستوردة التي نافست بشدة الغزل الوطني، وبالتالي توقف عمل الغزالين، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“إن التجار الأجانب جلبوا الغزل الإفرنجي بسعر الربطة بـ 90 قرش معاملة بيروت”([677]).

ولترغيب التاجر المحلي بالمصنوعات الأجنبية تُقدّم عروضٌ مغرية بحسم نسبة مئوية من ثمن البضائع، أو قد يدفع التاجر الشاري للبضائع الأجنبية، ثمن البضاعة بالتقسيط بموجب أسعار معينة لتشجيع شراء بضائعهم، والإعراض عن شراء البضائع المحلية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى موسيو لوسيان، تاجر قومسيونجي، من تبعة دولة ألمانيا بالشام، على الخواجات يوسف وجرجي البغدادي تجار بالشام، حيث كلفاه استحضار ربطتي جوخ أسود من الديار الأوروبية، وتعهـدا له على أنه حين وصول البضاعة يدفعان القيمـة نقـداً على موجب أسعار معينـة مقابل خصم3% من ثمن الشراء”([678]).

وفي تتمة الوثيقة نقرأ:

“يوجد بالنوته (الاتفاق)حسم ثلاثة بالمائة 3 % وإذا لم تكن البضاعة موافقة للمواصفات يمكن عدم استلامها”.

ولكن في الواقع العملي، إذا لم تكن البضاعة موافقة للمواصفات المطلوبة، ورفض التاجر الدمشقي استلامها، وعُرضت القضية على محكمة تجارة دمشق، يكون الحق إلى جانب التاجر الأجنبي أو الشركة الأجنبية الموردة للبضائع، ويجبر التاجر المحلي الدمشقي على استلام البضاعة ودفع أثمانها. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى عزيز فرح وميخائيل منصور /تجار بالشام/ على الخواجة داوود نقاش وشركاه /تجار بالشام/ بسبب تسليم بضاعة ألف دزينة صحون بيضاء (وارد فرنسا) عن كل دزينة فرنك فرنسي بناء عليه يصير تسليم البضاعة بنفس الشام. وبعد المدة لم تسلم فكان عليه أن يدفع عشرين ليرة عطل عن تسليم البضاعة وتحميله مصاريفها. سـعر الفرنك = 7 قروش”([679])

وقد يوضع سند الدين في المحكمة وتجري عليه أصول البروتستو(*) حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“رصيد سند للأمر جاري عليه أصول البروتستو لعدم الدفع”([680]).

وقد أدخل التجار الأجانب والشركات الأجنبية إلى مدينة دمشق والمدن السورية الأخرى، معظم العمليات التجارية والمصرفية التي تسهل أعمالهم في المنطقة العربية مثل:

“البوليصة(**) (البوليجة)، والتي استخدمت في العمليات التجارية على نطاق واسع في تلك الفترة. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى وكيل محل الخواجات (فانكهل وشيفر) تجار بالشام على صالح القباني وولده محمد حمدي تجار بالشام. لاسترداد دين بموجب سند جارٍ عليه أصول البروتستو، البوليصة مسحوبة من إمضاء الخواجات (فانكهل وشيفر) في بيروت خطاباً إلى المدعى عليه بأن يدفع لأمرهم في بيروت مبلغ 3080 غرش بعد 4 شهور وجمعتين، حكم على المدعى عليهما بالمبلغ المذكور”([681]).

وقد تعلم العمليات التجارية والمصرفية بسرعة، مجموعة من التجار والأقليات، وتعاملوا بها وكسبوا الأموال. وقد كانت البوالص أحياناً مسحوبة من المدعى عليهم. وإذا لم يقبلوا بها ويدفعوا المبلغ وفائضه، يجري الحكم على المدين بموجب وكالة مصدقة من محرريّة مقاولات المدينة التابع لها المدعي.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“البوليصة مسحوبة على المدعى عليهم، ولم يقبلوا بدفع المبلغ و فائضه جرى الحكم عليهم بموجب وكالة مصدقة من محررية مقاولات لوندرة (لندن) لأن هؤلاء المدعين مقيمون هناك، وهم من تبعة دولة انكلترا. وكان لهم وكيل في دمشق ومنـدرج بالسند أن القيمة رصيد حساب جاري عليها أصول البروتستو لعدم الدفع”([682]).

السؤال: بماذا تاجر هؤلاء مع لوندرة (لندن) ؟ ؟

نقرأ في الوثيقة:

“إن والد المدعى عليهم عبد الغني القوتلي في حال حياته، كان أرسل لموكليه حجراً كريماً (كالعقيق مثلاً وغيره) معلوم المقدار برسم التصريف لحسابه على حسابه صافي الصنف، وإن الحجر المرسل قيمته لا توازي القامبيو (الكمبيالة) المسحوبة من والد المدعى عليهم”([683]).

كما نلاحظ فالمواد ثمينة والأحجار الكريمة ترسل إلى أوروبا لتصنيعها والاستفادة منها. وبالمقابل استحضر الأجانب عامة والانكليز خاصة، في هذه الفترة، إلى مدينة دمشق، معظم أنواع المصنوعات المعدنية التي أنتجتها مصانعهم، حتى الأسلحة وتاجروا بها في المدينة كما رأينا.

وقد عمل بعض وكلاء الشركات الأجنبية تراجمة في القنصليات الأجنبية.

نقرأ في الوثيقة:

“سليم أفندي جدي وكيل شركة البير بياجني وترجمان قونسلاتو دولة انكلترا بالشام، له دين على تاجر دمشقي، والقيمة وصلت نقداً بعد التعهد بدفع الفائض”([684]).

وتبين لنا الوثائق أحوال البنية الاجتماعية والاقتصادية لدمشق خاصة والريف عامة، حيث ذكرت الوثائق هوية الدائنين والمَدنيين ومهنتهم وديانتهم ومراكزهم وأعمالهم ومكان سكنهم.

وبشكل عام كان المدّعون في معظم وثائق المحاكم التجارية هم القناصل والتراجمة التابعون للقنصليات من أهل البلاد. وقد ادّعوا أنهم من تبعة هذه الدول (فرنسا، انكلترا، هولاندة، روسيا، اوستريا والمجر، ألمانيا..) وبالتالي يقودنا العمل على الوثائق، إلى معرفة الثروة الجارية بين أيدي التجار والصناع، وأين تمركزت وكيف توزعت، وكيفية توظيف الأموال، والعقلية التجارية التي حركت ذلك.

وقد لاحظنا أن الشركات الأجنبية لم تكتفِ، في تلك المرحلة، بالاعتماد على الوكلاء والسماسرة المحليين، بل أخذت زمام المبادرة، واستقدمت البضائع الأجنبية لمصلحتها دون أي وساطة، وباعتها مباشرة إلى تجار المفرق والجملة في المدينة، نقداً وبالدين (بالتقسيط). وبنتيجة تراكم الديون، كانت الشركة تحجز على المحلات والدور، مدعمة بقوة الأمتيازات التي منحتها السلطنة للأجانب وإذا لم تدفع يأتي الحجز والإفلاس، حيث نقرأ في إحدى الوثائق :

“ادعى وكيل شركة بياجني وشركاه /تجار بالشام/ ومن تبعة دولة ايتاليا، على سليم بيطار وولده بالشام من تبعة الدولة العثمانية، بعد تراكم الديون على التاجر الدمشقي لصالح الشركة الايطالية، وقام الوكيل وحجز على ما يلي: ثلاثة بيوت لهم في محلة العبارة التابعة إلى القيمرية، وأخور بالمحلة المذكورة نومرو 140 وطاحون بالقيمرية نمرو 3 ودكان وبيت في زقاق الزيتون وخان  وأخور في زقاق جعفر وخان في زقاق حنانيا وخان في زقاق التلة نمرو 63 ودكان في سوق جقمق نمرو 46، ومخزنين بخان أسعد باشا نمرو 47 لاستيفاء دين مقداره 445 ليرة مجيدية. وقد جاء في نهاية الوثيقة بما أن المدعى عليهما عثمانيان لا يحجز على البيت سكن المزبور (أي المدعى عليهما) وعدم إجابة طلب المستدعي (الشركة الإيطالية) لذلك..”([685]).

نلاحظ من الوثيقة، أنه قد استخدمت الأرقام لبيوت دمشق ومحلاتها، في تلك الفترة، وهو ما لم يكن موجوداً في فترات سابقة ولم تذكرها الوثائق. ولولا وجود فقرة في نظام القضاء العثماني، تحمي منزل المدعى عليهما الساكنين فيه، لحجزته الشركة الأجنبية واستولت عليه مع بقية العقارات العائدة للمدعي عليه مقابل الدين. ولا ندري إن كان ثمن هذه العقارات هو أقل أو أكثر من المبلغ المطلوب دفعه. ولم يذكر في الوثيقة إذا دفع الدين وفُك الحجز أم أن العقارات قد بيعت بالمزاد العلني، واستملكتها الشركة الأجنبية مقابل الدين. ويمكن أن تكون قد حدثت حالات مشابهة من دون عرضها على المحكمة والقضاء الدمشقي العثماني. والملاحظ أن العقارات جميعها تقع في باطن دمشق القديمة، ولا تقدر اليوم بثمن.

واستأجر التجار الأجانب والشركات الأجنبية دكاكين في أسواق دمشق القديمة، لعرض بضائعهم ومصنوعاتهم فيها، والتي نافست البضائع المحلية وأقبل الناس على شرائها لرخص ثمنها وألوانها الزاهية. ولكنها كانت أقل جودة من الصناعات الوطنية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“أبرز جبران أفندي لويس بالوكالة عن توركل (إيجار نامتين(*)) وكلا الايجارتين تضمنتا استئجار المخزن بسوق الحميدية خاصة محمد بدر الدين أفندي المغربي”([686]).

وتشكلت أحياناً شركات مختلطة من أحد تراجمة القنصليات وأحد المواطنين، حيث كان السكان المحليون يشاركونهم، لأنهم محميون من قبل الدولة التابعة لها القنصلية. وأحياناً يسيطر الترجمان ويستأثر بالشركة وأرباحها بدعم من القنصلية.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى انطوان أفندي أبو الشامات ترجمان قونسلاتو دولة فرنسا بالشام، على آل المارديني (السريان) لاسترداد دين مع الفائض، وأن المدعي وضع يده على موجودات الشركة وامتنع عن تسليمها ورؤية حساباتها. وهنا الكيفية معلومة من بطريقخانة(**) السريان، يطلب القاضي الاستعلام منها عن ذلك، ولكنه بوجود هيئة مختلطـة وترجمان الدولـة المشار إليها يصدر الحكم بدفع المبلغ والفائض..” ([687]).

من ملاحظة ما جاء في حيثيات الوثيقة، أن عقد الشراكة قد تم توقيعه في بطريركية السريان في مدينة دمشق واحتفظ بنسخة منه. ولكن القاضي حكم لمصلحة الترجمان المسلح بقوة الدولة التي يمثلها. وفي حيثيات الحكم أنه قابل للاعتراض، وإذا ما قدم المدعي عليه اعتراضاً فإن الاعتراض غالباً ما يُرد ويسري قانون الأقوى (القنصل الترجمان أو وكيل الشركة) لأن القضاء العثماني في تلك المرحلة، عانى من شدة تدخلات الأجانب في شؤون السلطنة الداخلية. وما إصدار الأحكام القضائية بوجود هيئة مختلطة (المحاكم المختلطة) أي من أعضاء أجانب أو وكلائهم يحضرون جلسات المحاكم، وذلك نتيجة حصولهم على امتيازات خاصة من السلطنة.

وحاول بعض مكلفي دفع الضرائب من التجار والحرفيين، التهرب من دفع الضرائب، الذي أصبح أمراً مألوفاً، فطلبوا حماية القناصل الأجانب. وعرف الواحد منهم بالبراءتلي، كما ذكرنا ويعني ذلك أنه صاحب براءة تعفيه من دفع الضرائب([688]).

وبذلك تمتعوا بكل الفوائد والضمانات والامتيازات التي حصل عليها الأجنبي إضافة إلى الحماية من كل الطوائف (مسلمون، مسيحيون، وأكثرهم من اليهود). نقرأ في إحدى الوثائق:

“الخواجة انطوان بوبولاتي تاجر من تبعة دولة ايتاليا بالشام”([689]).

“الخواجات عطية وصقال تجار مقيمون في محلة الإسرائيليين بالشام ومن تبعة دولة فرنسا”([690]).

وفي أخرى

“أحمد حمشو أغا قواص قونسلاتو دولة انكلترا بالشام”([691]).

وكان مما دفع بعض هؤلاء للاحتماء بالقنصليات الأجنبية، الخوفُ من السلطة العثمانية وسيطرتها وللحصول على دعم وقوة من تلك الدول، لأسباب سياسية واقتصادية. فقد حصل هؤلاء على كثير من المزايا والتسهيلات خاصة أولئك الذين ارتبطت مصالحهم بمصالح تلك الدول التي تبعوا لها، وخدموا مصالحها في مدينة دمشق. وعمل الذين توجّهوا نحو الخارج الدمشقي، على الاستفادة من تعلم طرق وأساليب التجارة والعمليات التجارية الأوروبية، مثل غيرهم من أهل مدينة دمشق.

وتعاملت الشركات الأجنبية العاملة في مدينة دمشق، مع رجال الإدارة العثمانية في تلك المرحلة، وعقدت معهم الديون لشراء مواد أولية بموجب بوالص، وطالبتهم بما تدّعيه لها أمام القضاء العثماني في المحاكم التجارية حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى حضرة سعادتلو هولو باشا عابد زاده متميزان اعتراض بالشام على الخواجات البير وشركاه تجار من تبعة دولة ايتاليا بالشام، بموجب بوليجة. واحتج هولو باشا على الحكم أنه غير مطابق لأحكام القانون المرعية مع كونه (هولو باشا) من مأموري الحكومة السنية، وليس من صنف التجار. كان الحكم في غير محله وطلب فسخ وإلغاء الحكم الأول”([692]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ:

“موسى إيليا ترجمان قنصل دولة اوستريا والمجر بالشام، ادعى على رفعتلو عبدي أغا سويدان ناحية (أيكو قبوا) تابعة لحمص بدين مشروط بأداء الفائض”([693]).

ولعب يهود دمشق دوراً تجارياً مهماً، حيث عقدوا الديون مع التجار مقابل الفوائد، وأرهقوا المواطنين بها. وكان معظم هؤلاء من الصرافين اليهود ومن تبعة دولة أجنبية (حمايا)، حيث منحت الدول الأجنبية اليهود الحماية (البراءة) من دون قيد أو شرط، لأنها وجدت فيهم الخادم الأمين لمصالحها في المنطقة العربية خاصة وأن فلسطين هي الوطن القومي لليهود الذي تنافس الأوربيون على تبنيه، ولا يزالون حتى اليوم. وان حصولهم على الحماية يعطيهم الحق بالعمل بحرية وسهولة، كوكلاء للشركات الأجنبية وصرافين وتجار وغير ذلك. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى الياهو أفندي عدس بالوكالة عن الخواجة (فاي وشركاه) تجار من تبعة دولة ألمانيا مقيمين في بيروت، على محمد خير الغميان تاجر من تبعة الدولة العلية العثمانية، مقيم بالشام، دين بموجب وكالتنامة مصدقة في قونسلاتو دولة ألمانيا بالشام. والدين يدفع فضة وذهباً وبالسند مندرج أن القيمة وصلت بضاعة إفرنجية على يد الياهو عدس. وبحضور الترجمان وبهيئة مختلطة، حكم على المدعى عليه بالمبلغ مع الفائض قابل للاعتراض”([694]).

وكانت جملة الحكم /قابل للاعتراض/ لا تعني شيئاً. وهي شكلية لأننا لم نجد في الوثائق أن أحداً من المدينين قدم اعتراضاً إلى المحكمة، قد قُبل اعتراضه أو استُجيب لطلب صاحبه، لأن الحكم كان لمصلحة الأقوى صاحب الشركة التجارية أو وكيلها أو القنصل الأجنبي، لأنها كانت شكلية ولمصلحة الحمايا والبراءتلية. وقد استغل اليهود الحمايا بالحاجة والضائقة في المدينة، وعقدوا الديون مع المواطنين الدمشقيين بفوائد فاحشة. وإذا ما توفي التاجر، لاحقوا ورثته وحجزوا على أموال التركة. نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى الخواجات عطية وصقال من تبعة دولة فرنسا بالشام /صيارف مقيمون بمحلة الإسرائيليين/ على ورثة محمد البارودي وزوجته وأولاده من زوجتيه من أصحاب الأملاك دين (294350 قرش و900 ليرة إنكليزية) مع الفائض سنوياً و9% من تاريخ الاستحقاق منطوق المقاولة بلزوم استيفاء المبالغ المذكورة من جميع أموال التركة، مع حفظ حق المدعيين (عطية وصقال) بالدعوى على باقي الورثاء المستأنفين”([695]).

وكذلك “اعترض الشيخ نادر العطار صاحب أملاك مقيم بالشام على شركة ألبير بياجني وشركاه تجار بالشام ومن تبعة دولة ايتاليا… رد الاعتراض والاستدعاء..”([696]).

ومارست بعض الشركات الأجنبية دور الوساطة والسمسرة (قومسيونجية) لتصريف البضائع الأجنبية في مدينة دمشق. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى الخواجة لوتيكا وشركاه تجار قومسيونجية من تبعة دولة ألمانيا بالشام، على الخواجة عبده المراش  من الأصناف وهو مقيم بالشام دين القيمة. وصلت بضاعة على ما عين وبحضور الترجمان للقونسلاتو حكم غيابي بدفع المبلغ المطلوب مع الفائض والرسوم (120 قرش)”([697]).

ومما يلفت الانتباه اهتمام التجار الأجانب في تلك الفترة، بتجارة الخيول العربية الأصيلة التي كانت تربى في ريف مدينة دمشق وغوطتها. حيث كان لها شأن في مجال التجارة مع أوروبا، وقد أخذ التجار يقتنون الخيول العربية والمتاجرة بها وبيعها إلى الدول الأوروبية (روسيا، ايطاليا، فرنسا) ووضعت لها جداول أنساب مهمة استخدمت لحاجاتها الداخلية، ولتحسين نسل الخيول الأوروبية وفي العمليات العسكرية. لذلك عمل البدو على رفع أسعارها، فعمد التجار الأجانب إلى عدم الاتصال بالبدو مباشرة وإنما كلفوا تجاراً وطنيين ووكلاء لهم لشراء الخيول لحسابهم بأسعار معتدلة. ورغب الأجانب بالدرجة الأولى، بالخيول الصغيرة (المهار)…. وبيعت الخيول السـورية لعدد من الدول الأوروبيـة مثل روسيا وايطاليا وفرنسا التي استخدمتها لحاجاتها الداخلية، وفي تحسين نسل الخيول في الجزائر الخاضعة لها، وكذلك في العمليات العسكرية. وكان شراء الخيول يتم خلال فترة معينة من العام، في نيسان وأيار وحزيران وتموز بعد عودة البدو من البادية إلى مشارف المدن. وكان البدو يستغلون مجيء الأوروبيين لشراء الخيول فيرفعون أسعارها، ولذلك تحاشى هؤلاء الاتصال مباشرة بهم، وعمدوا إلى تكليف التجار والوكلاء لشراء الخيول لحسابهم بأسعار معتدلة. وقد راوح ثمن المهر بين (500 إلى 1000قرش). ونظراً لرخص العلف في بلاد الشام، عمد المشترون الأوروبيون إلى إبقاء المَهَار في البلاد سنة، ليتأكدوا من نوعيتها وصلاحيتها وإلا أعادوا بيعها محققين ربحاً إضافياً “([698]).

وذكرت الوثائق كثيراً من الخلافات التي حدثت بين المواطنين من التجار والتاجر الأجنبي، حول اقتناء الخيول واستيلاد المهار. نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى أوكتاف كابيلا تاجر بالشام مقيم بحي القيمرية ومن تبعة دولة ايتاليا على السيد أنيس القلم سمسار غنم بمأذنة الشحم بالشام، على أنه قبلاً قد اشترى من سوق الخيل تسعة قراريط من أصل أربعة وعشرين قيراط(*) من كامل الفرس الزرقاء المذكورة خاصة أنيس القلم المدعى عليه. بناء على ذلك يكون (رسن)(**) الفرس المرقومة عند المدعي، وذلك في ورقة مقاولة (اتفاق). وفيها إمضاء الطرفين على المشاركة بالفرس المرقومة في التناسل بينهما، ويكون كل حسب حصته. وبهيئة مختلطة وبوجود جرجس زغيب ترجمان قونسلاتو دولة ايتاليا، اتخذ القرار الغيابي القابل للاعتراض بإعادة تسليم الفرس الزرقاء هذه للمدعي (أوكتاف كابيلا) وإذا تمنع المدعى عليه يدفع (1100 غرش) بدل حصته مع المصاريف”([699]).

ونلاحظ أن ثمن الفرس مرتفع إذا ما قارناه بأسعار حيوانات أخرى، كالبقر الشامي مثلاً والذي يشكل موردَ رزق مهمّاً لكثير من عائلات غوطة دمشق وريفها (ألبان أجبان ولحوم وغيرها) فثمن البقرة الشامية (525 غرشاً) وثمن الفرس (1928غرشاً) إلا أنه في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ونتيجة الاهتمام بطرق المواصلات الحديثة والسكك الحديدية، قلَّ الاعتماد على الحيوانات في النقل والمتاجرة.

2 – الميزان التجاري في دمشق في فترة الدراسة (1876م-1908م):

كان للمنطقة العربية المشرقية، حتى أواخر القرن الثامن عشر، فائض من الصادرات، مما أسهم في تدفق سبائك الذهب من جميع أنحاء العالم ومن أمريكا وأوروبا. وبقيت المنطقة العربية، ومنها مدينة دمشق، متكاملة اقتصادياً طوال القرن الثامن عشر، سواء كمنتج لمواد وسلع أساسية أو سوق لتصريف سلع كاملة الصنع. ونعطي مثالاً على ذلك النسيج القطني، حيث يغزل القطن خيوطاً وينسج قماشاً ثم تصنع منه الملابس الجاهزة للاستعمال.

وصدرت دمشق، ومنذ العصور الوسطى وربما قبل ذلك لأوربا وأفريقيا بضائع كاملة الصنع: “الورق والزجاج والأدوات المعدنية والأقمشة الكتانية والحريرية..” ولكن نظراً لبدء التفوق الصناعي الأوروبي فيما بعد، أخذ الشرق يستورد سلعاً متقدمة من أوروبا كالآلات والساعات والزجاج والورق”([700]).

وتوفّرت، في البلاد، قبل الحرب العالمية الأولى، كمية كبيرة من السلع، مما أنعش التجارة قليلاً. فقد نقلت السكك الحديدية كميات كبيرة من السلع، وبأسعار تقل عن أسعار المنافسين الذين ينقلون بضائعهم باستخدام الحيوانات. لذلك نجد موانئ سورية أظهرت زيادة في الاستيراد والتصدير بنسبة 50% فيما بين عامي 1883 – 1885 م. أما الصادرات فقد زادت في ثلاث مواد هي الحرير والنسيج ومنتجات البادية، مثل الصوف. وزادت واردات المنسوجات وبعض السلع الوسيطة مثل غزل القطن والجلود والمعادن والأخشاب والسلع الزراعية مثل التبغ والسكر والدقيق، مما أدى إلى عجز دائم ومتصاعد في الميزان التجاري الدمشقي.

ومع ازدياد حجم التبادل التجاري مع أوروبا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بسبب تغير الاتجاهات الاقتصادية لتماشي متطلبات السوق الأوروبية، تحولت مدينة دمشق من مركز للإنتاج الحرفي مع حيوية التبادل الداخلي مع المدن السورية الكبرى، إلى مركز لخدمة التجارة الخارجية الأوروبية، وأصبح لها حق الأولوية على التجارة الداخلية، حيث تم توزيع السلع والمواد الواردة من أوروبا على السوق الداخلي المحلي، وبالمقابل شراء المواد والمنتوجات المحلية المعدة للتصدير (الخامات الزراعية). لذلك توجه رأس المال الأوربي المدّعم بالامتيازات الأجنبية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، لبناء طرق مواصلات جديدة سريعة وفعالة، من أجل خدمة مصالح التجارة وتأمين وصول البضائع المتزايدة من أوروبا إلى دمشق وغيرها، ثم تحولت هذه الطرق لخدمة مصالح أوروبا السياسية والعسكرية معاً.

إن صعوبات كبيرة تعترض تحديد قيمة التجارة وحجمها، حيث لا توجد بيانات للتجارة البرية مثلاً. وأرقام العائدات المتوفرة هي حول ميناء دمشق الهام ميناء بيروت فقط.

هذه الأرقام ليست ثابتة بكل السنوات، حيث تتغير قيمة السلع، وبالتالي تتبدّل طرق تقدير قيمتها بشكل يؤدي لجعل العائدات التجارية تتغير باستمرار. كما أن تعقيد إجراءات الجمارك، ينتج عنه الفساد والخطأ. وتقديرات الأرقام التي ترد من قبل كل من القنصل الفرنسي والانكليزي تختلف اختلافاً كبيراً.

وقد بلغ حجم الأموال الأوروبية المستثمرة في المشاريع الحيوية لمدينة دمشق، مثل سكة حديد بيروت – دمشق مثلاً (26.5 ملايين فرنك فرنسي، وطريق دمشق بيروت البري 4.2 مليون فرنك فرنسي، وترام كهرباء دمشق 6 ملايين فرنك فرنسي).

وهذا جدول يوضح تجارة دمشق مع فرنسا وإنكلترا، مقدرة بآلاف الجنيهات الإسترلينية في الفترة المدروسة:                                                                 ([701])

السنة واردات صادرات
فرنسا انكلترا فرنسا انكلترا
1885 379 جنيه 62 جنيه 9  جنيه 47 جنيه
1898 314 جنيه 35 جنيه 14 جنيه 15 جنيه
1908 290 جنيه 36 جنيه 40 جنيه 51 جنيه

نلاحظ من الجدول، أن الواردات من فرنسا إلى مدينة دمشق، كانت متفوقة على نظيرتها البريطانية. بينما تفوقت الصادرات إلى إنكلترا، وكانت من المواد الأولية.

وكانت تجارة دمشق البرية تتجه شرقاً إلى بغداد، حيث تملك تجار دمشق عقارات هناك. وكان لهم دور في دعم الميزان التجاري، لأن العلاقات الاقتصادية مع الداخل العراقي الحيوي كانت جيدة في تلك الفترة كما وجدنا في الوثائق([702]).

وهناك مئات الوثائق تظهر انتشار الملكية العقارية لأهل دمشق في جميع المناطق المجاورة مثل لبنان وفلسطين والحجاز ومصر.

وبالمقابل، كان هناك وجود ملكيات كثيرة في دمشق لمن توطنوا مدناً عربية أخرى وأقاموا فيها. وهذا أمر طبيعي في تلك الفترة التي لم تكن تعرف الحواجز الجمركية والأمنية والسياسية والاقتصادية التي نشاهدها الآن، والتي تزداد إقليمية وتعقيداً يوماً بعد آخر.

3- المحاكم التجارية في مدينة دمشق :

“في عام 1864 م وبالارتباط مع القانون الخاص بالتنظيم الإداري للولايات ((ولايت نظامنامه سي)) تحوّلت المجالس المحلية إلى مجالس إدارية (مجلس إدارة) ومحكمة تمييز (ديوان تمييز). وفي الفترة ذاتها، أدخلت المحاكم المحلية التي أنشئت بين سنوات (1860-1870م) في الولايات، في إطار المنظومة القضائية المدنية (نظامية). وفي عام 1869 م انقسم المجلس الأعلى للأحكام العدلية، إلى محكمة عدلية عدل عليا (ديوان أحكام عدلية). ومجلس دولـة شورى”([703]).

وقد ورد في سالنامة دولة علية عثمانية ولاية سورية لعام 1298هـ/1880م.”أنه كان في حماه، محكمـة تجاريـة تتألف من رئيسين وثلاثـة أعضاء”([704]). و”أنشئت محكمة تجارية في دمشق منـذ عام 1850 م وفي حلب منذ عام 1855م”([705]).

4- الشركات الأجنبية العاملة في دمشق وأثرها على التجارة:

وجدنا أثناء دراسة وتحليل وثائق المحاكم لمدينة دمشق، في الفترة المدروسة، اسم شركتين أجنبيتين كان لهما دور مهم وعلاقات تجارية متشعبة ومتعددة مع تجار محليين في مدينة دمشق ومع مزارعين في ريف دمشق هما:

– شركة البير بياجني وشركاه من تبعة دولة ايتاليا بالشام.

– شركة الخواجة لوتيكا وشركاه من تبعة ألمانيا بالشام.

مثّلتْ شركة بياجني المصالح الإيتالية في مدينة دمشق، ولعبت دوراً مهماً في حركة التجارة الداخلية والخارجية للمدينة. فقد استوردت البضائع الأجنبية بناء على طلب التجار المحليين، وتعاملت مع التجار والمزارعين في ريف دمشق وقدمت الاستدعاءات للمحاكم باسمها ومن قبل وكلاء عنها، عندما كانت تريد الضغط على التاجر أو المزارع لدفع ما يترتّب عليه من ديون. فقد كان (سليم أفندي جدي)([706]) مثلاً وكيلاً للشركة.

وكان مدير الشركة (البير بياجي) يقيم في محلة المسيحيين بالشام (باب توما)([707]) كما ذكرت الوثائق.

وحجزت الشركة على محاصيل لمدينين في ريف دمشق، وعقد وكيلها الديون مع المزارعين لشراء المحاصيل، وبسعر أقل بكثير من السوق، لأنه كان يزودهم بالمال اللازم للأعمال الزراعية. نقرأ في إحدى الوثائق:

“حجز وكيل الشركة سليم جدي على أرضٍ زراعية في قرية يونين، قضاء بعلبك، مقابل دين نقداً مع الفائض والرسوم”([708]).

وأرهقت الديون كاهل المزارعين والتجار المحليين الصغار، إضافة للفائدة العالية التي تضاف على مبلغ الدَّيْن الأساسي مع الرسومات. وقد بلغت مثلاً بعض الفوائد مبلغاً يعادل رأس المال أحياناً، عندما طلب شمعايا الموسوي من يوحنا مدوّر ترجمان أوستريا مبلغ 55 ألف غرش بدل نصف سند الكفالة و55 ألف فائض عن المبلغ المحكوم به “([709])

وهذا مبلغ كبير على المواطن الذي ناء تحت عبء الدين الأساسي فتأتي الفائدة لتشكل عبئاً آخر.

واستدان المحتاجون من الشركة بفائدة كبيرة، فحسب الاتفاق، وصلت أحياناً إلى 24 % في حين أن الفائدة الرسمية قد حددتها الدولة عام 1852م بـ 8 % فقط. وأشارت وثائق محاكم دمشق إلى الفائدة باسم المرابحة والربح، ولكنها في الغالب لم تشر إليها صراحة(*)([710]). غير أننّا وجدنا في الفترة المدروسة كثيراً من الوثائق، تشير إليها صراحة باسم الفائض القانوني أو الفائض الفاحش. “ويمكن العودة لتلك الوثائق”.

وتشعبت علاقات الشركة وامتدت إلى حوران مركز إنتاج الحبوب في بلاد الشام، وعقدت الديون مع مزارعين، واشترت كميات كبيرة من الحبوب التي صُدر قسم منها إلى أوروبا، حيث قامت الشركة بتزويد المزارعين المحتاجين بالأموال، وحددت الأسعار على المحاصيل الزراعية بواسطة وكيلها، مع الفائض([711]).

ووصفت بعض الوثائق الشركة الايتالية بأنها مجموعة من التجار السماسرة (القومسيونجية) حيث اشتروا المواد الأولية من التجار والزراع المحليين، بأسعار متدنية بفرض السعر المناسب لهم، سواء عند الشراء في ريف دمشق والمدينة أو البيع في أوروبا حيث كانت المعامل الأوروبية تتلقف المواد الأولية بسرعة، وبالسعر الذي تفرضه الشركة. وكانت ايتاليا كما هو معروف تحتاج للقمح السوري من أجل الصناعات الغذائية والمعجنات. نقرأ في إحدى الوثائق :

“ادعى تقي الدين من أهالي الشام /مقيم مؤقتاً الآن في بيروت /على شركة ألبير بياجني وشركاه قومسيونجية من تبعة دولة ايتاليا:

الدعوى: جرت مقاولة (اتفاق) مع الشركة بأن تحضر له صنف الدانتيلا التول الكبير ويأخذوا منه ربحاً على ذلك 5% وأنه قد اشترى منهم بمبلغ (45000 غرش) وتبين له أنهم قد استوفوا منه أرباحاً 20% بدون أن يطلعوه على ذلك فيطلبهم للمحاكمة” ([712]).

كما نلاحظ من الوثيقة أن هناك سرقة مقصودة منظمة لتجار مدينة دمشق، كان الغرض منها إفلاسهم وإيصال البلاد إلى حافة الانهيار لتسهل السيطرة على مقدراتها. واللافت للنظر أن سجلات محاكم دمشق التجارية قد امتلأت بدعاوى هذه الشركة، فقمنا برصد وحصر بعض الأموال التي طالبت بها من مدينين في المدينة (تجار، أصحاب أملاك، حرفيّون، زراع) بين الأعوام 1304هـ – 1308 هـ/1887 م – 1891 م/ أي خلال أربعة أعوام تقريباً. والتي عرضت على المحكمة كانت كما يلي:

– ديون على زراع([713])      1930 قرشاً([714])

– ديون على تجار([715])     14719 قرشاً([716])

– ديون على حرف  140 ليرة فرنساوية ([717]) و1018 فرنكاً فرنسياً و20 سنتيماً.

المبالغ السالفة الذكر هي ديون مُطَالبٌ بها بواسطة المحكمة. أما المبالغ الأخرى المستوفاة من دون اللجوء إلى المحكمة والتي تتعامل بها الشركة، فنحن نظن أنها أكبر بكثير مما ذكر سابقاً وللفترة ذاتها. وبالتالي نستطيع أن نحكم على حجم التغلغل الاقتصادي الأجنبي تجارياً، في أسواق مدينة دمشق وغيرها من أسواق مدن سورية في تلك المرحلة، وانعكاس ذلك، سلباً على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

– شركة لوتيكا وشركاه: وهي من الشركات ذات التبعية الألمانية التي لعبت دوراً تجارياً مؤثراً في مدينة دمشق في تلك الفترة. فبعد أن قويت ألمانيا اقتصادياً وسياسياً، توجهت نحو تأمين أسواق خارجية لصناعتها الناهضة، فكانت الأسواق العربية عامة والسورية خاصة الأنسب والأقرب إليها. وقد عملت الشركة بالاستيراد والتصدير وجلب البضائع إلى أسواق مدينة دمشق، وعقدت الديون وطالبت بها عند التأخر عن الدفع.

وكان وكيل الشركة في مدينة دمشق بشارة أصفر الدمشقي الأصل. نقرأ في إحدى الوثائق:

“بشارة أفندي أصفر، تاجر مقيم بالشام، وكيل عن الخواجات لوتيكا وشركاه، ادعى على محمد الغميان/تاجر من الشام/ بسبب دين بموجب سند للأمر والقيمة وصلت بضاعة إفرنجية على ما عين مع الفائض”([718]).

وكشركة أجنبية يهمها الربح بأي طريقة، فقد مارست عمليات غش واحتيال في توريد بضائع غير مطابقة للمواصفات المطلوبة. وعندما رفضها التاجر الدمشقي ورفض تسلمها، لجأت الشركة للمحكمة التجارية. وبوجود الترجمان ووكيل الشركة، صدر الحكم لمصلحة الشركة حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“وكيل شركة الخواجات لوتيكا وشركاه ادعى على محمد رشيد زكريا /تاجر بالشام/ بسبب دين 15 ليرة انكليزية ونصف بموجب سند للأمر والقيمة ثمن بضاعة إفرنجية، والمدعى عليه لم يستلم البضاعة لأنها غير مطابقة للمسطرة المرسلة، وأبقاها عنده عن طريق الأمانة”([719]).

وكانت شركة لوتيكا وكيلة عن شركة أجنبية أخرى، وترتبط معها بعلاقات تجارية ومصالح اقتصادية متبادلة، حيث تقوم بتصريف البضائع في مدينة دمشق لحساب الشركة الأجنبية وشراء المواد الأولية لحسابها أيضاً، من المدينة وريفها. ولها علاقات مع الإدارة العثمانية وشعبة البنك العثماني، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى الخواجة لوتيكا وشركاه تجار بالشام وبالوكالة عن الخواجات الفريد كروتيكر وشركاه، تجار من تبعة ألمانيا مقيمين في مدينة فلافيل من أعمال سويسرا، على سليم شاكر تاجر مقيم بمحلة المسيحيين بالشام، بأن عليه بوالص مسحوبة من أمضى الخواجات الفريد وشركاه في فلافيل وبعد 15 يوماً يدفع المدعى عليه لأمر شعبة البنك العثماني بالشام”([720]).

“الخواجة كوخ بالوكالة عن الخواجات لوتيكا وشركاه تجار قومسيونجية بالشام، حيث أن المديون أظهر العجز وعدم المقدرة على إيفاء الديون، فيطلب الوكيل المُوما إليه إشهار إفلاسه ووضع الختم على موجوداته”([721]).

والوثيقة التالية تعتبر مثالاً واضحاً على حادث إفلاس تجاري لأحد تجار مدينة دمشق نقرأ في إحدى الوثائق([722]):

“بيان الديون المطلوبة إلى أربابها من السيد عبد الجليل الزركلي، وبيان المتروك والباقي على موجب الشرح أدناه:

بعض الديون سماح الباقي مقسط تحت كفالة السيد أديب الزركلي
249420 قرشاً

439830 قرشً

214710 قرشاً

219915 قرشاً

214715 قرشاً

219915 قرشاً

المجموع 2743020 قرشاً السماح 1371610 قروش الباقي 1371510 قروش

– النصف تقريباً سماح ويدفع النصف. وكان أصحاب الديون من تجار دمشق المحليين والشركات الأجنبية. عنهم محمود عودة، البير بياجني، موسى ايليا، محايري وطباع، عثمان أغا الديار بكرلي ( تحويل المبلغ لصندوق مال الأيتام). عبدان، توما أنديت، يوسف الياس شما، صواف وعطري، ميخائيل منصور، يانسوني إخوان.

وجاء في الوثيقة أيضاً:

“إنّه بعد الاطلاع على حقيقة إفلاس السيد عبد الجليل الزركلي، وجدناه خالياً من الاحتيال. والنقص ناشئ عن خساير بضاعة، وهلاك ذمم. ونظراً لعجزه عن القيام بالدفع المطلوب منه ولهذه الأسباب، تركنا له نصف مطلوبنا والنصف الثاني يقوم بوفائه كل من المَديْن والكفيل في بُرهة 24 شهراً من تاريخه مقسط بموجب كمبيالات لخاطر أربابها بطريقة التضامن والتكافل من كل من حضر مقام الآخر. لذا نظمت هذه (القونقورداتو)(*) راجين من الوكلاء تحويلها لمأمور المحكمة، ليجري تسجيلها بمحكمة التجارة الموقرة، ليكون العمل بها من تاريخ 1305 هـ. وإذا تأخر أحد أرباب الدين عن القبول والإمضاء تكون كفالتنا ساقطة. وقد تواجد جميع أرباب الدين أو وكلاء عنهم”([723]).

وبملاحظة البيان لأرباب الدين وانتماء هؤلاء التجار، نجد أنهم من مختلف الطوائف من المسلمين والمسيحيين الذين أحسّوا بالضائقة المالية التي عانى منها التاجر الدمشقي المفلس، فتضامنوا معه. وهذه عادة أهل دمشق في التضامن والتكافل، فتركوا له النصف، ويدفع النصف الآخر، وقد وافق جميع أرباب الديون كما هو وارد في الوثيقة، ما عدا وكيل الشركة الأجنبية (البير بياجني) فقط، إذْ حاول أن يرفض السماح بنصف الدين، ولكنّه رضخ للأمر في النهاية، عندما وجد تضامن وتكافل التجار الدمشقيين مع زميلهم”.

5- التحول التجاري في دمشق وقيام شركات وطنية:

أشارت الوثائق في تلك المرحلة إلى تأسيس شركات وطنية تجارية، حيث ساد الاتجاه نحو الشراكة في الأعمال الاقتصادية، للوقوف في وجه التحدي من قبل الشركات الأجنبية، وبغية تجميع الأموال أكثر، لممارسة الأعمال التجارية الكبرى، ولتقديم مواد صناعية وتجارية أفضل. ولم تكن هذه الشركات مغلقة طائفياً بل ضمت شخصيات من مختلف الطوائف، إذْ نقرأ في إحدى الوثائق مثالاً على شركة وطنية، مايلي: “شـركة مالكـة وزبال وشـركاهم تجار مقيمون بالشام”([724]).

وكانت الشركات الوطنية تحدد ضمن مدة محدودة، بموجب عقد مقاولة (اتفاق) حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“حبيب صايغ تاجر بالشام ادعى على شركة توما أنديت بالشام وبيروت مع الأفندية صباغ ومزنر بموجب مقاولة لمدة ثلاث سنين”([725]).

وقامت بعض الشركات الوطنية بدور وكلاء للشركات الأجنبية وتجار قومسيونجية (سماسرة) لها تعملُ على تصريف البضائع الأجنبية في المدينة حيث نقرأ في إحدى الوثائق مثالاً على إحدى الشركات مايلي:

“الخواجات غناجة وبدوي تجار قومسيونجية مقيمون بالشام لهم دين على تجار دمشقيين والقيمة ثمن بضاعة إفرنجية”([726]).

وطالبت الشركات الوطنية بالديون وثمن البضائع، باللجوء إلى المحاكم، وإلقاء الحجز على البضائع الموجودة عند التاجر المدين، وهذا ما أضر بالتجار الدمشقيين كثيراً وأوقف أعمالهم.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“شركة فريج ومزنر وصباغ تجار بالشام، ادعوا على محمد الغميان تاجر عثماني بالشام، حيث طلبوا تثبيت الحجز على (131 طاقة) قماش لدى المدعى عليه لإيفاء الدين”([727]).

ونجد أن الشركة، لضمان حقها، قد حددت في عقد الدين مدة الدين، ونوع العملة التي سيدفع بها والبضاعة الموردة للتاجر كما جاء في الوثيقة التالية:

“دين عملة بيروت فضة وذهب مندرج في السند أن القيمة وصلت بضاعة إفرنجية محررة لوعدة أربعة شهور”([728]).

وكثيراً ما ذكرت الوثائق نوع البضاعة الأجنبية المبيعة والمتاجر بها في المدينة، في تلك المرحلة مثل النيل الهندي، والخام الإفرنجي، والسجّاد العجمي، وغيرها الكثير مّما تزخر بها سجلات المحاكم في مدينة دمشق([729])،على الرغم من وجود كثير من البضائع الوطنية المماثلة في المدينة.

ومن أنواع التجارة التي كانت منتشرة في فترة دراستنا في دمشق، تجارة الساعات التي جلبها الأجانب إلى المدينة، وتسلم بعض تجار دمشق المحليين وكالة بيعها من الشركة الأجنبية، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى الياس غناجة من سكان محلة النصارى بدمشق، بالوكالة عن اميل دروزاية الفبركجي الساعاتي من أهالي لوكل، تابع سويسرا(ألمانيا) بالوكالة الواردة من جانب شهبندر خان مدينة جنوا التابعة لحكومة ألمانيا، على الحرمة عايشة الروملي، من سكان مهاجرين صالحية دمشق، “أن موكله أميل دروز يستحق بذمة بعل هذه السيدة المرحوم حلمي الساعاتي ابن حسن الشملي، مبلغاً وقدره (33 ذهب ليرة فرنساوية) ثمن ساعات مشكلة، ابتاعهم وتسلمهم منه قبل وفاته بموجب سندين قنبيالي. حكم بدفع ثمن الساعات 659 فرنك ونصف البالغ عنهم 33 ليرة ذهب فرنساوية من أصل متروكات المتوفى”([730]).

وعمل في التجارة في مدينة دمشق، تجار من بلاد المشرق الأقصى (الصين، الهند، أفغانستان، إيران) تاجروا بالمواد المختلفة شراءً وبيعاً. واشتروا سلعاً من حرفيين دمشقيين اشتهروا بصناعة الخواتم، ومنها خواتم العقيق التي كانت مطلوبة في أفغانستان وإيران وغيرها… نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى عثمان بن السيد جمال الدين الأفغاني من الأصناف، مقيم بالنقاشات بالشام، على حسين أغا خزنة كاتبي، تاجر بالشام، خلاصة أنه اشترى من المدعى عليه ألفين خاتم عقيق بسعر الخاتم (75 بارة) وأنه تبقى له (460) خاتم وأنه يوجد بالبيع المذكور، غبن فاحش. والخواتم احترقت بمحل المدعى عليه الذي سابقاً احترق برمته، أثناء الحريق الذي حدث بالسوق”([731]).

ونقرأ في وثيقة أخرى:

“ادعى ناصيف بك الوزير الوكيل عن تقي الدين عرفان، على غالميده الرايق رئيس بلدية دمشق الشام، خلاصة بأن موكله ابتاع من طرابلس الشام ثمانية وعشرين صندوق كاز (باطومي أوصي) البالغ عنهم 56 تنكة. وزن كل تنكة ستة أرطال(*) وأوقيتين الذي يساوي ثمنهم مع أجرة الحمولة (5000 آلاف غرش) العملة الدارجة، بقصد تسفيرهم لنابلس  العثمانية. واستحضرهم على الخط الحديدي وحال وصولهم لهذه الحاضرة، منع من تسفيرهم من قبل دائرة البلدية بأمر من رئيسها المدعى عليه، بحجة أن دمشق محتاجة أكثر من سواها، فرضخ موكله للأمر وطلب بيع الكاز في مدينة دمشق بسعره الحاضر، وكان وضع يد رئيس البلدية على كمية الكاز بناء على إخبارية تقدمت لرياسة البلدية بأنه موجود كمية من الكاز في خان سليمان باشا مقدارها أكثر من المقدار المعين وجوده عند (التماركي هولاح”([732]).

وكان الصراف يلجأ لحجز مواد أولية تخصّ التاجر المدين ليحصّل ديونه حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى زاهي أفندي الرهونجي /تاجر عثماني بالعمارة/ على الخواجات يحيى لينادو (وهويهودي مشهور) وأولاده الصيارف العثمانيين بالشام، “أن الصيارف المذكورين ألقوا الحجز على الحرير الموجود في فابريكة حسن الكردي، بداعي أن الحرير بها هو ملك الشيخ رضا القباني.. وهم باستلام حسن الكردي برسم الشغل لقاء أجرة معينة. والفابريكة تشتغل لعموم تجار الحرير، وليست مختصة بالشيخ رضا”([733]).

في الوثيقة نجد أن حجز اليهودي على المواد العائدة للتاجر الدمشقي، كان للضغط على زملائه، من أجل أن يبادروا لمساعدته في دفع الدين للصراف.

وقد توجه بعض التجار وأصحاب الأملاك إلى الريف الدمشقي، وقاموا بزراعة زراعات صناعية كانت مطلوبة للتجار الأجانب بالإضافة لشراء كميات أخرى منها، من مزارعي نفس المادة الصناعية، ففرضت الإدارة العثمانية الضرائب عليهم. وأحياناً كانت توقف العمل إذا لم يدفعوا ضريبة مالية أكبر، لقاء السماح باستمرار العمل. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى أحمد القباني تاجر عثماني بالشام على إدارة الرزي(*) بالشام (محمد عارف بك)، أنه قد زرع تنباك(**) في أرض الميدان وخيارة دنون، واشترى محصول الخواجات طوطح من التنباك وفي عام 1320 هـ / 1903 م سلم الإدارة المذكورة 690 كلغ لأجل إرسالها للآستانة وتسليمها لمحله التجاري فيها طبقاً للأصول. وطلبت منه رسماً على الكمية المذكورة (4 قروش صاغ عن كل 1 كغ) فاعترض على هذا الرسم غير المصرح به كلياً بالشرطنامة المعدة من طرف الدولة العلية للشركة المذكورة، فلم تسمع اعتراضه وأخذت الرسم فأجبر على الدفع خشية تعطيل البضاعة. وقد دفع مبلغ (2760 قرش صاغ) (ديبوزيتو) حتى يتم إرجاعه، لذلك يطلب من الإدارة المذكورة وهو (الحاج محمد عارف) أو من يقوم مقامه إرجاع الأموال التي فرضت دون وجه حق”([734])..

نلاحظ من الوثيقة أن الضريبة على المواد المتاجر بها كبيرة، وقد فرضت دون وجه حق، كما هو مذكور في الوثيقة، وهو غير مصرح به في الأنظمة والقوانين العثمانية.

وقد شاع هذا الاتجاه نحو (الشراكة) في العمل التجاري، بغية تأمين رأسمال أكبر، لمقاومة المنافسة التجارية المحلية الأوروبية، وتحقيق الجودة في الإنتاج، والحصول في الوقت نفسه، على أرباح أكبر. ومن مزايا هذه الشراكة، كما لاحظنا من خلال الوثائق، أنها لم تكن مغلقة طائفياً، بل ضمت أناساً من مختلف المذاهب.

اغتنت الطبقة البرجوازية المحلية إلى حد كبير، في مدينة دمشق، في تلك المرحلة. وقد ضمت بداية، خليطاً من كبار الملاك ورجال المال والتجارة والصناعة. ثم بدأ الفرز بين هذه العناصر فيما بعد، حين حاولت البرجوازية أن تؤدي دوراً سياسياً مهماً في المنطقة، كما فعلت البرجوازية الأوروبية. إلا أن دورها انحرف وأخذ منحى استغلالياً فردياً بحكم ارتباطها وتبعيتها، لأننا لم نملك طبقة برجوازية نمت طبيعياً إنما هي قد تكون منحدرة من الإقطاع أو كسبت المال طفيلياً، وبحكم طبيعة نشأتها. وقد رصدنا أحد التجار الذي يمكن اعتباره من هؤلاء البرجوازيين الكبار، من خلال وثائق سجلات المحاكم التجارية لمدينة دمشق، فوجدنا أنّه قدم كثيراً من الدعاوى إلى المحكمة التجارية منذ السجل الأول حتى آخر السجلاّت التي بلغ عددها مئة وخمسين سجلاً تغطي الفترة من سنة 1300 هـ إلى سنة 1334 هـ.

وقد ذكرت الوثائق أن الدعاوى كانت من أجل تحصيل ديونه، من تجار وزراع وصناع وأصحاب أملاك([735]) وحرفيين ونساء. وكانت الدعاوى كثيرة. وفي الواقع كان يُحصَّلُ كثيرٌ من الديون دون اللجوء إلى المحكمة. وعليه يمكن القول: إن التاجر أحمد كولو رأسمالي كبير من تجار دمشق (تجار الأصناف) وقد تعامل مع مختلف شرائح مدينة دمشق ومن مختلف الطوائف. نقرأ في إحدى الوثائق:

“الشيخ أحمد كولو(*) من الأصناف(**) مقيم في حي العمارة بالشام”([736]).

وقد أحصينا الدعاوى المقدمة منه إلى محكمة تجارة دمشق بين                    عامي 1305هـ – 1308هـ/1888 م – 1891م/ أي حوالي ثلاث سنوات، فكان عددها حوالي (80 دعوى) (ويمكن أن يكون هناك غيرها) كان فيها دائماً يعرّف من خلال الوثائق أنه تاجر من سكان حي العمارة بالشام، وكانت الدعاوى ضد نساء([737])، صايغ([738])، أصناف([739])، زراع([740])، أصحاب أملاك([741])، صنف الكتبة([742])، كوندره جي([743])، صنف المأمورين([744])، “مباشر المحكمة التجارية”([745])، حواصلي([746])، طبيب، “مختار طائفة الإسرائيليين بالشام”([747])، تاجر أغلال([748]).

لقد تاجر الشيخ أحمد كولو بمختلف الأصناف والبضائع وسندات الدين، نقداً مع الفائض مثل (العجوة، السمن، السجاد، حديد إفرنجي، بضاعة معروفة إفرنجية، خيول، أجرة فلاحة أراضٍ، نحاس، فستق، سجاد عجم، تنباك، خام إفرنجي، وغير ذلك). وكان مجموع الأموال التي أراد تحصيلها عن طريق المحكمة كما يلي، للفترة المذكورة سابقاً:

“87221 قرش و 70 بارة و 601 ريال مجيدي أبيض و 28 ليرة عثمانية عين و 101 ليرة فرنساوية”.

وهذه مبالغ كبيرة بعملة تلك الأيام ودخول الأفراد في مدينة دمشق. وقد وجدنا أن حفيده قد تحول للعمل كوكيل دعاوى في تلك الفترة. ولم تذكر الوثائق سبب ذلك. ربما كان العمل بالوكالة والدعاوى أكثر دخلاً، أو مفيداً أكثر من التجارة، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“حضرت الحرمة وأشهدت على نفسها وأنابت مقام نفسها الشيخ أحمد رسلان بن الشيخ أحمد كولو من محلة العمارة بالدعوى على مطلقها”([749]).

كما نلاحظ من الوثيقة، فإن حفيد أحمد كولو قد تحول للعمل كوكيل دعاوى.

وهناك عائلة من عدة أخوة يمكن أن يُطلق عليهم لقب تجار برجوازيين حيث وجدنا كثرة الدعاوى المقدمة باسمهم لمحكمة تجارة دمشق. وقد تشاركوا في عقد الديون مع التجار والمزارعين، وتاجروا بكل أنواع المواد، ومنهم: نقولا الزلحف، يوسف الزلحف، وهما أساساً تاجرا أخشاب وحواصلية في المدينة، توسعت أعمالهما وتشعبت([750]).

لقد اشترى آل الزلحف وباعوا كل أنواع السلع والمواد وتعاملوا مع مختلف التجار في المدينة، والزرّاع في ريفها، ومع البدو من قبائل مختلفة في قضاء القنيطرة كعرب النعيم مثلاً([751]).

وبلغت أموال نقولا الزلحف المعروضة على المحكمة التجارية كما أحصيناها، خلال المدة بين 1305 هـ – 1307 هـ/1888م – 1890م/ كما يلي:

“214 ليرة فرنساوية، و16 مد حنطة، و 6 جمال و 51871 قرشاً”.

وقد اعترض وادعى على نقولا الزلحف، أحدُ أصحاب الأملاك المقيم بالميدان، بسبب منازعة على دفع ديون بفوائد فاحشة (لآل الزلحف). وبالرغم من أنه اتفق معه على عدم حجز العقارات لكنه خالف وحجز له على نصف خان لأولاده، كما نقرأ في إحدى الوثائق التالية:

“ادعى محمد فارس النوري صاحب أملاك مقيم بالميدان بالشام، على نقولا الزلحف من سكان محلة المسيحيين بالشام. حيث كان سابقاً حكم عليه بدفع مبلغ (50 ليرة عثمانية و ¾ و 38 ليرة ونصف فرنساوية و50 ريال مجيدي و80 غرش ” مع الفائض بدل كمبيالات ناشئة عن فوائض فاحشة، وأنه تصالح معه على المبلغ المرقوم بـ 100 ليرة انكليزية منها 80 تدفع نقداً و20 ليرة بعد سنتين بدون فائض، ثم نكث بالاتفاق والمصالحة، واشترك بحجز خان جارٍ بملك ولدي المدعي”([752]).

وعن تجارة الحرير بدمشق، نجد أن تجار الحرير الدمشقي في تلك المرحلة، خسروا في تجارتهم، نتيجة انتشار تجارة الحرير المستورد من قبل التجار الأجانب الذي نافس الحرير المحلي، وتدنت أسعاره وبدأ مربو دودة الحرير بالتخلي عن العمل في تربية الشرانق والتوجه لأعمال أخرى، في مدينة دمشق وجبل لبنان المجاور. وكان هناك توجه أجنبي واضح لخنق هذه الصناعة المحلية العريقة والتي أثبتت جدارتها عالمياً، وجلب صناعات حريرية أجنبية بدلاً منها، إلى أسواق مدينة دمشق والمشرق العربي. ونقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

” القيمة وصلت ثمن حرير كرجي(*)“([753]) وفي أخرى نقرأ:

“القيمة وصلت ثمن حرير خلعة عجمي تسلموه على ما عين”([754]).

وقد نافس الحرير الصيني والياباني الحريرَ الدمشقي وحريرَ جبل لبنان، بنوعيته الجيدة ورخص ثمنه، لذلك قام التجار الشوام والأجانب باستيراده. فعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“إن القيمة وصلت ثمن حرير صيني أصفر”([755]).

وقد استورد التجار المحليون والأجانب الصوف الإفرنجي عن طريق ميناء بيروت. فقد جاء في إحدى الوثائق ” أنّ القيمة وصلت ثمن صوف إفرنجي على ما عين”([756]).

كما نافس الزجاج الفرنسي الزجاج السوري، رغم شهرة الأخير القديمة، فقد تراجع الإنتاج في تلك المرحلة، وبالتالي المتاجرة به واستخدامه، وحلّ محله الزجاج الأجنبي، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“دعوى عن تسليم بضاعة ألف دزينة صحون بيضاء وارد فرنسا عن كل دزينة فرافق(*) واحد وعشرة سانتيم”([757]).

كما نلاحظ أنّ التطورات الاقتصادية أدت إلى ربط الاقتصاد الدمشقي بالاقتصاد الرأسمالي الأوروبي. ونشأت في دمشق، طبقة برجوازية من التجار، مرتبطة بأوروبا. وعلى غرار الصناعة، شاعت الشراكة في ميدان التجارة، وجنت البرجوازية المحلية، بالمشاركة مع البرجوازية الأوروبية، الأرباح الكثيرة من المستهلكين، ولكنها تعرضت، كما حال الرأسمالية الأوروبية، إلى الأزمات وحالات الإفلاس، والمنافسة الشديدة فيما بينها، وإلى التقاضي أمام المحاكم.

6- الأسواق والخانات في دمشق وأهميتها التجارية:

أ – الأسواق:

تنوعت أسواق دمشق وطارت شهرتها إلى معظم الدول والأمم، لما تحويه من مواد متنوعة وغريبة وصناعات تقليدية راقية منذ القديم. وهي على نوعين: أسواق متجمعة وأسواق متفرقة “وكلها تحوي6900 دكان([758]). أما الأسواق المجموعة فيطلق عليها اسم المدينة، وفيها أصحاب التجارة وأرباب البيع والشراء الأغنياء. وتباع بها الأقمشة والبضائع وغيرها.. وأمّا الأسواق المتفرقة، فكثيرة لأنه لابد من سوق أو أكثر بكل حيّ، كبيراً كان أو صغيراً. ومنها ما هو مجموع متصل بعضه ببعض” ([759]).

كان من أشهر أسواق دمشق، في تلك المرحلة، السوق الجديد (سوق الحميدية) الذي بدأ ببنائه والي الشام محمد باشا العظم في القرن الـ 18 عام 1195هـ/1780م. وسماه السوق الجديد، وكان يمتد من شارع النصر حتى سوق العصرونية. وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وُسٍّعَ وفُرشَت أرضه بالحجارة السوداء، ثم سُقِّف في عهد الوالي حسين ناظم باشا وقاية من الحريق وسمي بسوق الحميدية نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني. نقرأ في إحدى الوثائق “أن أحدهم” استأجر من صاحب المكرمة جميع بياض وقرار أرض جواني الدكان الكائنة في السوق الجديد الذي فتح والمعروف بسوق الحميدية بالصف الشمالي”([760]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ حول السوق وتنظيمه (والذي سيرد بناؤه مفصلاً في فصل العمارة لاحقاً) والذي كانت الدكاكين فيه بحالة أفضل من أجل المتاجرة بمختلف أنواع التجارة:

“استأجر أحدهم جميع المفازة الكائنة في باطن دمشق في السوق الجديد (الحميدية) يحدها شمالاً خندق قلعة دمشق”([761]).

وقد حفل سوق الحميدية ومحلاته التجارية بكل أنواع المتاجرة والأقمشة المحلية والمستوردة، ويعتبر قبلة السياح والمستهلكين منذ تلك الفترة حتى اليوم، وقد افتتح عام 1893م، وعرف بعدها بسوق الحميدية.

وهناك سوق السلاح الذي يوجد فيه خان يدعى خان التتن([762])، وسوق علي باشا الجديد الذي بني في تلك الفترة، وسوق الخيل والجمال والحمير وسوق الجليلاتية([763])– السروجية – كان بالقرب من جامع ومدرسـة المؤيدية الكائنة في محلة خان الباشا([764]). وكان جامع المؤيدية في سوق الهال القديم، والى الجنوب منه خان الباشا الذي بناه لا لا مصطفى باشا، وسوق باب القلعة أو تحت القلعة، وهي سوق مكشوفة قربها سوق القميلة([765]) التي يباع بها النحاس المستعمل وغير المستعمل، والأثاث المستعمل والأسلحة وغير ذلك([766])، وسوق باب البريد، وهو من أجمل أسواق دمشق كلها وأحسنها، وفيه تباع المنسوجات المحلية والمنسوجات في البلاد الأجنبية الثمينة. ولا يخلو من الناس، بأعداد كبيرة، وفي وسطه قبة شاهقة قائمة على أعمدة عظيمة عليها كتابات بالعربية والكوفية ومن جملتها هذان البيتان([767]):

عرّج ركابك على دمشق فإنها     بلدٌ تذل لها الأسود وتخضعُ

مــا بين جابيها وبـاب بريـدهـا     قمرٌ يغيبُ وألــفُ بـدرٍ يطلـعُ

وجميع الأسواق في مدينة دمشق، مستقيمة، عريضة، جميلة، مرتبة، لا ترى الشمس في الصيف، ولا الأمطار في الشتاء، مسقوفة إلا بعضها. وكل يوم يزورها مئات الناس والأجانب والسياح، رجالاً ونساءً، بقصد التبضع والبيع والشراء. وفي أيام الأعياد، تغص بجماهير الناس.

وكانت أرض تلك الأسواق في تلك الأيام مرصوفة بحجارة. وعلى مرِّ الأيام، غطيت بتراب. ولكثرة رش الماء عليها، أصبحت كالبلاط لا غبار يتصاعد منها. لذلك كنت تجد البضائع نظيفة، وأمام كل دكان مصطبة. وقد كانت هذه الأسواق قبل عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ضيقة.

وفي عام (1270هـ/1863م.) اعتنى شرواتي باشا العظم، بتنظيم طرقات دمشق وتحسينها ورصفها بالحجارة على طراز جديد، فاقتلع تلك المصاطب من أمام الدكاكين، فتوسعت الأسواق وتحسن منظرها. وما بقي من إصلاحات أكمله الوالي المرحوم راشد باشا([768]). وحتى يمنع الحريق عن دكاكين الأسواق أنشأ لها عقوداً على الطراز الشرقي، وكان بعضها على الطراز الأجنبي، وكانت أسقفة الأسواق شاهقة، وكلها جملونات خشبية إلا سوق القباقبية.

وفي الفترة المدروسة، حدث حريق في سوق البزورية، فأزالت البلدية الدكاكين ووسعت الطريق، وذلك عام 1896م([769]). وكان ثمن دكان في سوق البزورية وقتها يُعدُّ ثروة مهمة في عملة تلك الأيام. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق:

“اشترى (أحدهم) الدكان في سوق البزورية بثمن قدره 88 ليرة عثمانية ذهبيّة بسعر الليرة العثمانية الذهب 130.5 قروش” ([770]).

ب- الخانات:

بني في دمشق الكثير من الخانات، لإنزال التجار وبضائعهم فيها، وبيع المواد المستوردة والمصنعة محلياً. وقد توزعت الخانات وتفرقت في أنحاء المدينة، وبلغ عددها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر” أي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ” 139 خاناً([771]). وهي على نوعين: خانات للتّجارة، وهي داخل المدينة في الأسواق. وخانات للدواب وإيواء المكارين وبعض الفقراء، وهي متفرقة بكل أنحاء المدينة، وعلى حدودها.

وأشهر خانات التجار داخل المدينة العريقة، خان أسعد باشا العظم([772])، وهو من أعظم خانات دمشق. وقد بني من حجارة بيضاء وسوداء، وفي وسطه بركة كبيرة مستديرة جميلة المنظر، وفوقها قبة شاهقة العلو، قائمة على سوارٍ متينة. ويقسم الخان إلى قسمين: سفلي وعلوي، وفي كل منها حوانيت للتجار بعضها كالقاعات. ويقصد السيّاح الخان للتفرج على ما فيه من جمال البناء والصنعة، وما فيه من الغرائب ودقتها، ما أدهش الناس في مدينة دمشق والأجانب الزوار، خاصة منها بناء الباب وجماله، إذْ جُعل على جانبيه، فسقيتان جميلتان، يشرب منهما الناس. وإذا خَطَوْت إلى الداخل، تجد على اليمين واليسار، سلمين من حجر يوصلان إلى الطابق العلوي. وكانت حوانيت هذا الخان لأكابر التجار، خاصة الذين تاجروا مع العراق وبلاد فارس. أما الذي بناه، فهو أسعد باشا العظم، وذلك في أواسط القرن الثامن عشر([773]). وقد استخدم الصناع والحرفيون أحياناً بعض دكاكين الخانات كمكان للعمل (كارخانة) لصناعة النسيج وغيرها. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق:

“….جميع كدك وخلو الدكان باطن دمشق، داخل خان سيدنا معاوية التابع لثُمن القيمرية المعدة للفتالة المشتمل على دولابين ودوارتين مفروزتين في أرض الدكان وأربع صناديق جوز… والدكان المرقوم في وقف المرحوم أسعد باشا العظم وأُجرتها لجهة الوقف كل عام..”([774]).

ومن الخانات المهمة في مدينة دمشق، خان الحرمين الذي عُرف في تلك الفترة بخان الشيخ قطنا. نقرأ في إحدى الوثائق:

“جميع الخان الكائن باطن دمشق، بسوق الجراكسة المعروف الآن بسوق باب البريد، تابع العمارة. ويعرف الخان المذكور قديماً بخان الحرمين(*) والآن بخان الشيخ قطنا المشتمل على عشرين مخزناً فوقانياً…”([775]).

وهنالك أيضاً خان سليمان باشا العظم في سوق العبي. وقد شاع خطأٌ في معظم كتابات المؤرخين، مفاده أن خان الحماصنـة هو خان سليمان باشا العظم. وهذا غير صحيح، لأن خان سليمان باشا كان يسمى خان العبجية لوقوعه في سوق العبي([776]).

أما خان الحماصنة، فهو مقابل خان سليمان باشا، إلى الشرق. ويُعرف اليوم بخان الصنوبر. وهو مهدّم، نتيجة احتراقه أثناء الاحتلال الفرنسي([777]).

وفي وثيقة أخرى نقرأ حول حركة التجارة في الخانات مايلي:

“ادعى محمد سعيد تقي الدين من أهالي حمص /مقيم بالشام/ على رشيد التاجر بخان الباشا بالشام، حيث أرسل له كمية من الزبيب معلوم المقدار، وفوضه بتصريفها بسعر (9400 قرش) وإذا لم تصرف يُصير تسفيرها لمحلٍّ عينه له، وأن المرقوم باع الزبيب وأرسل له (7344 قرشاً)”([778]).

وهناك خان المرادنية([779]) في سوق مدحت باشا، وخان السفرجلانية([780])، وخان في محلة النصارى، وخان في زقاق حنانيا بالقرب من طالع القبة ([781]). وكذلك خان قهوة الأغا، وكان اسمه خان السلطان، بالقرب من زقاق الحطاب وخان الخوجة([782])، وخان السواد الكائن بمحلة زقاق حمام القاري بالقيمرية([783]).

ويذكر القساطلي في كتابه ” أن خانات النوع الثاني، أشهرها في سوق الخيل والعمارة وباب المصلى والشاغور والعلبية. ويمكن للغرباء، النزول بها. وهم لا يلتزمون أن يدفعوا أجرة الحجرة أكثر من 75 قرشاً في الشهر”([784]). وهي الخانات المخصصة للدواب وإيواء المكارين وبعض الفقراء وهي متفرقة في كل أنحاء المدينة.

7- الأسعار والفائدة:

أ – الأسعار:

كانت الأسعار تختلف من فترة لأخرى في مدينة دمشق، حسب العرض والطلب على المواد، وتوفرها في الأسواق الدمشقية بشكل عام من جهة، وقوة الفعاليات الاقتصادية وكثافة السكان من جهة ثانية. وهذه فكرة موجزة عن الأسعار في تلك المرحلة:

قُدر ثمن عربة وحصان بـ9 ليرات فرنساوية، وقيمة رأس بقر 400 قرش في المدينة عام 1308 هـ / 1891 م. وثمن البغل والجمل بـ 1370 قرش. وثمن 22 نعجة و 11 عابورة و 11 خاروف بداري 4400 قرش، وأن قيمة كل نعجة مع ولدها 200 قرش([785]). وحجز  100 رأس غنم مقابل 170 ليرة فرنساوية([786]).

ونقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى عبد المجيد الخياط على محي الدين جبري تاجر بسوق الأروام بالشام. وخلاصته أنه باعه جرة حرير وستة بالطويات وساعة واحدة بقيمة ليرة عثمانية وثلاث ريالات مجيدي لوعدة كام يوم” ([787]).

نقرأ في إحدى الوثائق حول سعر الزيت:

“سعر رطل(*) الزيت في مدينة دمشق 15 قرشاً وربع رايج البندر”([788]).

وعن سعر رطل السمن البلدي من دير الزور قرأنا في إحدى الوثائق ما يلي:

“أرسل عبد العزيز العمر من أهالي دير الزور إلى دمشق، بواسطة الجمّال إبراهيم الهمبلي ست تنكات سمن ديري البالغ وزنها أربعين رطلاً ونصف الرّطل سعر كل رطل 29 قرشاً ” ([789]). وهذا يعادل 12 غرشاً للكيلو غرام الواحد.

أما سعر رطل السمن في قرية ابطع( لواء حوران) فقد كان 30 قرشاً كما نقرأ في هذه الوثيقة:

“….إنّه يستحق بذمة المدعى عليه مبلغاً قدره 180 قرشاً هو ثمن ستة أرطال سمن ابتاع ذلك منه منذ ثلاث سنوات كل رطل بـ 30 قرشاً”([790]).

وقد نافس السمن الأمريكاني المحلي في تلك المرحلة، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“الوكيل نقولا شاغوري /بالشام/خلاصة أنه وجد بحسب وكالته العمومية عن الخواجات ميخائيل وجرجس صعب المقيمين في بيروت، أنهما كانا تخابرا لتصريف أربعين تنكة سمن أمريكاني ويوصلها إلى الشام. صار ضبطها من قبل دائرة البلدية حالة كون السمن المذكور مرّ على الكمرك في بيروت وصار إدخاله إليها وجاري قبوله وتصريفه في جميع أنحاء المملكة العثمانية، وأنه لما كان هذا الضبط غير مشروع، صار تكليف الدائرة الموما إليها” ([791]).

كما نلاحظ من الوثيقة فإن السمن الأمريكاني نافس السمن العربي وقد جاء نتيجة تدفق السلع والمواد الأجنبية إلى دمشق وغيرها من المدن المشرقية. وإغراق الأسواق بها وبالتالي فقد تدنت الأسعار المحلية.

أما بالنسبة لأسعار الدوّر والدكاكين، في تلك المرحلة فقد وجدنا في الوثائق أمثلة على ذلك، كما يلي:

ثمن ثلثي دار بالقيمرية ” 16 قيراط(*) و خمس القيراط بزقاق تاج الدين بثمن قدره 79 ذهب عثمانية مقبوضة “([792]).

أي أن ثمن الدار كاملاً هو حوالي 120 ليرة ذهب. وسعر حصة دار في محلة النصارى كان كما يلي:

“جميع الدار وقدرها 4 قراريط من 24 قيراطاً من جميع الدار، باطن دمشق، حارة النصارى، سفل التلة، بالدخلـة بقيمة (583 قرشاً) عملة صاغ الميري”([793]).

وهذه الأسعار متفاوتة حسب مساحة الدار والعناية بالبناء والزخرفة وما إلى ذلك…. نقرأ في إحدى الوثائق :

“قيمة ثلاثة أرباع القيراط من 24 قيراطاً من جميع الدكان الكائنة باطن دمشق بالسوق الجديد بالصـف الشمالي بـ 8 ليرات مجيدي عين من مال المشتري”([794]).

أي أن سعر الدكان يعادل 256 ليرة ذهب مجيدي وهذا سعر جيد(**).

“وثمن قيراط واحد من 24 قيراطاً من دكان باطن دمشق بالسوق الحديث هو 11 ليرة مجيدي”([795])

فيكون سعر الدكان 11×24 = 264 ليرة مجيدية. وهنا نلاحظ تفاوت الأسعار الذي قد يعود إلى مساحة الدكان وموقعه، في السوق. وكان ثمن دكان في سوق البزورية يُعدُّ ثروة مهمة، حيث نقرأ في إحدى الوثائق :

“….اشترى الدكان الكائنة في سوق البزورية بثمن قدره 88 ليرة ذهب عثمانية بسعر الليرة العثمانية الذهب 130.5 قرش” ([796]).

وكان فروغ دكان باطن دمشق، سوق باب البريد كما يلي:

عبد الحميد الثاني -م20

“….اشترى جميع كدك وخلو الدكان الكائنة باطن دمشق، محلة سوق باب البريد بالصف الشرقي بثمن قدره 100 ذهب ليرة مجيدية مقبوضة حالاً بيد البائع”([797]).

نلاحظ من الوثيقة السابقة أن قيمة شراء ” جميع كدك وخلو الدكان” هو قيمةُ فروغ الدكان وما تحويه. ونقرأ في وثيقة أخرى:

“أجرة دباغة بباب السلام لمدة 3 سنين و10 أشهر 4600 قرش، وأجرة المخزن بباب السلام عن سنتين و10 أشهر 9931 قرشاً”([798]).

وكانت أجرة الدكان عند السراي العسكرية بسوق الدرويشية، كل شهر 200 قرش. كما نقرأ في إحدى الوثائق:

“أجرة جميع الدكان الكائنة عند باب السراية العسكرية، تابع سوق الدرويشية، كل شهر 200 قرش”([799]).

أي عن كل سنة 2400 قرش، وعن كل ثلاث سنوات 7200 قرش، كما نلاحظ هنا أن أجرة الدكان كان أغلى بكثير من الأسواق الأخرى.

وقد وجدنا في إحدى الوثائق أن بيان إيراد من إيجار دكاكين سوق باب القلعة كان كما يلي:

“محاسبة راغب المقابلجي من سكان محلة القنوات: بيان إيراد أواجر دكاكين الوقف بسوق باب القلعة : 5600 قرش، إيجار دكان بباب القلعة سكن روبتو اليهودي عن سنتين 3136 قرشاً، مال ويركو(*) الخمس دكاكين المذكورة  سنوي 1568 قرش”([800]).

وإيجار بستان بالصالحية سنوياً كان في إحدى الوثائق كما يلي:

“أجرة البستان الكائن بأرض النيرب الوسطاني بالصالحية، ويعرف ببستان الزيتون ويشرب من نهر يزيد، ولمدة عقد واحد يحتوي على ثلاث سنوات كاملة مقبول عن سنة من المدة المرقومة : 124 قرشاً من العملة الدارجة، وأربعون رطل مشمش سندياني وحموي وبلدي ووزن 24 رطل باذنجان أسود، و 15 رطل بامية خضراء، ونظير ذلك كله فول أخضر وعشرة أرطال حصرم وخمسة أرطال تفاح حامض، ونظير ذلك كله حليب بقر، ونظير ذلك كله توت حلبي وعنب أبيض بيتموني وتين ملكي ومائة جرزة ملوخية والباقي للمستأجرين والقاصرة “([801]).

أجرة العمال: كانت أجرة العمال في مدينة دمشق، رخيصة مقارنة مع أجرة العامل في مدن أخرى كبيروت مثلاً حيث كانت مدينة بيروت تعج بمختلف الفعاليات الاقتصادية التي تحتاج للأيدي العاملة غير المتوفّرة بكثرة فيها.

نقرأ في إحدى الوثائق :

“أجرة العامل في مصلحة الفرو لمدة 3 سنوات 35 ليرة عثمانية مع طعامه وشرابه وملبوسه” ([802]).

أما في المصالح الأخرى، فقد كانت الأجرة أقل. وكان أَجْر العمال العاديين ضئيلاً حتى إنه لا يكفي أن يعيش الواحد منهم بمستوى معقول، وبالحد الأدنى.

لذلك، توجه الكثير من العمال السوريين للعمل في مدينة بيروت، نتيجة هجرة كثير من شباب لبنان للخارج وحاجة المدينة للعمال، وتوجه معظم اللبنانيين للعمل في الشركات والمؤسسات الأجنبية.

ب- الفوائد:

كانت الفائدة التي يتقاضاها المرابون عالية، إذ كانت تقارب في الواقع 25% في السنة، في حين أن الفائدة التي حددتها السلطة العثمانية تقدر بـ 8%. وأشارت بعض الوثائق إلى الفائدة باسم المرابحة أو الربح، ولكنها لم تشر إليها صراحة، لأنها كانت غير شرعية. وكان الغطاء الذي استخدم للفائدة، هو الشراء الوهمي لكمية من الصابون، يُذكر إلى جانب قيمة الدين. لكن في الفترة المدروسة، وجدنا أن الفائدة ذكرت صراحة في سند الدين وعبَّر عنها أحياناً المديْن بأنها فاحشة، حيث بلغت في بعض الوثائق 24% سنوياً(*)، بسبب التدخل الأجنبي المالي، الذي فرض طرق جديدة في المعاملات المالي، تقدم القروض بفوائد تذكر غالباً في سندات الدين خاصة في المحاكم المختلطة.

نجد في سجلات المحاكم الشرعية ووثائقها، حول الفوائد الناتجة عن عمليات الدَّين بموجب سندات مستحقة الدفع، ذكر الفائدة صراحة في متن السند، وهي تحدد عند إصدار القاضي الحكم على المدعى عليه، كما في الوثيقة التالية:

“أقر الحكم بدفع 2000 قرش معاملة فضة وذهب مع الفائض” ([803]).

وأحياناً نقرأ في الوثيقة أن الفائض محدد، ويذكر إلى جانبه بأنه قانوني في السند أو فائض حسب الاتفاق بين الطرفين. فالفائدة القانونية كانت تحسب على أساس 8% كما حددتها القوانين العثمانية. وكان متعارفاً عليها”([804]).

وقد استدان الدمشقيون من الصرافين اليهود وغيرهم في تلك الفترة، وذُكر رأس المال الذي استدانه المحتاج من الصراف مع مقدار الفائض، في متن السند (الوثيقة) صراحة دون غموض أو لبس، حيث نجد مثالاً عن ذلك في الوثيقة التالية:

“داوود هراري صراف من تبعة دولة انكلترا بالشام، ادعى على الدمشقي الذي اعترض على الحكم الصادر بحقه من المدعي ليدفع ديناً مقداره 2942 قرش رأس مال و 350 قرش فائدة”([805]).

وكمثال آخر نقرأ في وثيقة أخرى:

“….حكم بالمبلغ والفائض القانوني مقداره 1700 قرش. ويصبح المبلغ كله 2490 قرش معاملة الدارجة “([806]).

وكتبت ملاحظة في هامش الوثيقة جاء فيها:

“بالنظر إلى أن الفائض مخالف، فلم يذكر صراحة في السند “. وبملاحظة المبلغ مع الفائدة نجد أنها ثلثا قيمة القرض تقريباً. وهذا منتهى الظلم والاستغلال للمدينين الفقراء.

وقد عادلت أحياناً الفائدة مبلغاً كبيراً، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى رسلان النقطة على ماير لزبونا أحد أعضاء الولاية الجليلة، أن دعواه تعتمد على الاعتراض على الفائدة غير النظامية الداخلة على مبلغ الدين المدعى به، وأن أصل المعاملة فيما بينهما بالفائض الفاحش هي منذ عشرين سنة تقريباً، 24% سنوياً وأن المبلغ 288 ليرة فرنساوية من أصل المبلغ و 47 ليرة فرنساوية وربع فائض المبلغ جميعاً 325 ليرة فرنساوية تدفع إلى الصراف اليهودي” ([807]).

وأصدرت الإدارة العثمانية قراراً حدّدت فيه معدل الفائدة على قروض الفلاحين بـ 8%. وقد أشار القنصل البريطاني إلى أن معدلات الفائدة المعتادة 20% إلى 24%. وهي تمثل معدلاً حقيقياً مقداره 14 % إلى 18 %. وكان القرار بلا جدوى. واستمر الفلاحون يقترضون من سكان المدن بفائدة 20 % إلى 24 % وكانوا يسددون وقت الحصاد([808]).

نستطيع القول إنّه: ظهرت في تلك المرحلة، طبقة من الأغنياء، مارست عملية تكثير أموالها عن طريق التجارة، والزراعة، والدين بفوائد، وقد ذكرت الفائدة في المرحلة المدروسة في سند الدين صراحة بسبب التدخلات الأجنبية وتطور التعاملات التجارية والنهب، بينما كان يعبر عنها سابقاً بكمية من الصابون لأنها كانت ممنوعة شرعاً.

وعانى الناس من الضائقة الاقتصادية، واضطروا للاستدانة بفوائد من المرابين والصرافين الذين لم يراعوا حدود الرحمة في استرداد الأموال حيث عادلت الفائدة أحياناً رأس المال المستدان.

8- العملات المتداولة في دمشق في الفترة المدروسة 1876 – 1908م .

اختلفت قيمة النقد من منطقة لأخرى في الولايات العثمانية، كما هو حال مدينة دمشق، واختلفت العملات المتداولة من عثمانية وأجنبية.

وتميز النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بميزتين رئيسيتين هما: انخفاض القوة الشرائية للعملة بسبب انخفاض قيمتها، مع مايرافق ذلك من تغير الأسعار وارتفاعها([809])، ونقص كمية العملة المتداولة في الأسواق بالنسبة لما هو مطلوب، فتضعف الثقة بها، ويترتب على ذلك استخدام العملات الأجنبية، ورواجها بشكل كبير في المدينة، مما يضعف الاقتصاد المحلي، ويدعم اقتصاد الدول الأوروبية.

وكان نظام النقد في سوريا عامة ودمشق خاصة مؤسساً على الذهب بين عامي 1880([810])- 1914م، وكانت وحدة النقد هي الليرة التركية الذهبية المعادلة لأربعة دولارات وأربعين سنتاً من دولارات قبل الحرب العالمية الأولى، واستخدمت الليرة التركية والانكليزية والفرنسية الذهب لدفع المبالغ الكبيرة. أما النقود الفضية والنحاسية فقد استخدمت لدفع المبالغ الصغيرة([811]).

– النقود المتداولة ووزنها وقيمتها سنة 1138 هـ، 1725م.

أسماء النقود الوزن الأصلي العيار بالمئة قيمتها بالبارة
درهم فضة قيراط فضة
القرش 8 12 60 40
يكر ميلك(*) 4 2 60 20
أوتلق 1 14 60 10
بشلك 0 14 60 5
زولتة 6 4 60 30
نصف زولتة 3 2 60 3 أقجة
بارة - 2- ½3 68-70 3 أقجة
أقجة - ¾ – ¾1 68-70 3

إن أول من ضرب الأقجة هو السلطان عثمان الأول، وتؤكد المصادر التركية أن أورخان هو أول من ضرب عملة وذلك سنة 1327م وكان وزن الأقجة ¾5 ط أي 5 دراهم ¾ قيراط، وكان قطرها 18 سم بدلاً من الدرهم والدينار.

أما الأقجة الفضية فقد ضربت في عهد مراد الأول وكان مدوناً عليها “لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلى الوجه الآخـر مراد بن أورخان خلـد الله ملكه” ([812]).

وقد وجدنا أن الزهراوي كان يعادل عام 1294 هـ/1877م/6 قروش و15 بارة، لكنه تراجع إلى3 قروش وربع عام 1296 هـ/1879م. في مدينة دمشق.

أما أنواع العملات الأجنبية وأسعارها، في مدينة دمشق لنفس الفترة، فكانت كما تذكر الوثائق مايلي:

1- الليرة الفرنساوية عادلت 110 قروش تزيد أو تنقص أحياناً.

2- الليرة المسكوفية(*) ذهب عادلت 64 قرشاً ونصف القرش([813])

وذكرت الوثائق عام 1313 هـ / 1896 م/ نوعاً من العملة تدعى فلوريني، مثقوبي حيث نقرأ في إحدى الوثائق التالية:

“شركة فانكهيل وسنقر تطلب من ذمة محمد الصلاحي تاجر بالقنوات، 738 فلوريني و3242 غرشاً وخمساً وعشرين بارة” ([814]).

وباستعراض قيمة بعض العملات الرئيسية المتداولة، من أجنبية ومحلية، خلال سنتين، يتبيّن مدى ازدياد قيمة العملات الأجنبية منها، بالنسبة لوحدة التعامل الرئيسية، وهي القرش الفضي الصحيح الميري:

السنة ليرة مجيديه عثمانية ليرة فرنساوية إنكليزية المارك الألماني
1306هـ/1889م 105.5 قرش([815]) 110 قرش([816]) 138 قرشاً 30 بارة.7قروش
1307هـ/1890م 125 قرش 107 قروش 138 قرشاً 30 بارة.7قروش

كانت الوحدة الأساسية للنقد المتداول في مدينة دمشق، هي القرش (الغرش).

وكان هناك أولاً السعر الرسمي للغرش؛ الصاغ والسعر الشعبي العام للغرش والفرق بينهما بسيط.

وهناك الغرش الصاغ والقرش المقصوص أو غير الصاغ. وهذا يُعرف بالنظر والوزن.

وفي الوثائق التي عُدنا إليها، نجد أن التعبير الذي شاع استخدامه في القضايا هو قرش صاغ الميري. نقرأ في الوثيقة : ” طلب الشيخ أحمد كولو ديناً من السيد أمين الشريف، وهو مبلغ (800 قرش) عملة دارجة بندر الشام ([817])..”

(ومبلغ 5 ليرات عثمانية عين)([818]) أي ليرة عثمانية صحيحة صاغ الميري.

وقد خُفِّضَتْ العملة في سورية([819]) ومدينة دمشق في القرن التاسع عشر مرات عدة فكان من الطبيعي نتيجة ذلك، أن تتضخم الأسعار(*). ورغم المحاولات المبذولة فقد ضعفت أمام العجز المالي الحكومي، وفائض الصادرات وهبوط أسعار الفضة عالمياً. ثم أصبحت الليرة التركية عملة أساسية عام ( 1881م) وهي تعادل (4.40) دولاراً أمركياً أو مائة قرش صاغ ذهب. وعُرفت بالولايات العربية باسم القرش الصحيح([820]). وقد رصدنا العملات التي تم تداولها وانتشرت في أسواق مدينة دمشق، من خلال الوثائق في الفترة المدروسة 1876 – 1908 م فكانت كما يلي([821]):

الليرة العثمانية الذهبية التي عادلت 125.5 قرشاً تقريباً عام 1303 هـ/1886م.

الليرة الإنكليزية الذهبية التي عادلت 138 قرشاً تقريباً عام 1305 هـ/1888م.

الليرة الفرنسية الذهبية التي عادلت 110 قروش تقريباً عام 1307 هـ/1890م.

المارك الألماني الذهبي الذي عادل 30 بارة و 7 قروش عام 1306 هـ/1889م.

نلاحظ من خلال هذه القائمة، انتشار العملات الذهبية الأجنبية، وارتفاع أسعارها بالمقارنة مع العملات العثمانية والمحلية، وكذلك ارتفاع سعر الليرة الانكليزية بالنسبة للعملات الأخرى. وهذا دليل على سيطرة الرأسمالية الأوروبية وبخاصة البريطانية، على السوق المحلية. وقد بلغت الثقة بالعملات الأجنبية أن أغلب النقود التي احتوتها تركات المتوفين الميسورين، كما ذكرت الوثائق، كانت بالعملات الأجنبية. ومن الطبيعي أن يحصل هذا نظراً لكثرة العملات العثمانية المتراكمة في عهود مختلفة، كما يستدل من أسمائها، والتلاعب بها وانعدام الثقة فيها. وكانت أسعارها تتأرجح، الأمر الذي لم يكن يشجع على اقتنائها وادخارها مقارنة مع العملات الأجنبية.

ولكن في عام 1904 م ذكرت الوثائق العملات السابقة بسعر أعلى، كما ورد في الوثيقة التالية:

“…بدفع دين 23000 قرش، الليرة الفرنساوية 114 قرش، والليرة المجيدية 124.25 قرش”([822])

وهذا الارتفاع والانخفاض للعملة، كان نتيجة العرض والطلب عليها في أسواق المال والاقتصاد الدمشقي.

وكما ذكرت الوثائق، فإن الليرة العثمانية عادلت 100 غرش صاغ الميري([823])  عام1321هـ/1904م. ثم ارتفعت عام 1324 هـ/ 1907م. إلى 131 قرشاً([824])

والطريف أن سورية تعد المهد الأول للشارة الدولية المستعملة حالياً للدولار الأمريكي، إذ استعملها التجار السوريون خلال القرن التاسع عشر، على شكل هرمي(S.P)- SP مندمجين، للحرفين الأولين من صيغة الجمع للبيزو والقرش([825]).

واستخدم الريال الأمريكاني المكسيكي في عمليات البيع والشراء، في مدينة دمشق، حيث ذكرته الوثائق كما يلي:

“..دين 1156 ريال أمريكاني مكسيكي، 76 سنتاً البالغ ثمنها 3470 فرنكاً وربع الفرنك باعتبار أن كل ريال 3 فرنكات ذهب” ([826]).

ثم إن العملة العثمانية الدارجة، وهي الغرش، ارتفعت عام 1914م وبلغت بالمقارنة مع الليرة الذهبية العثمانية 100 قرش، كما نرى في الوثيقة التالية:

“يطلب له من ذمة المديون 882 قرش صاغ. سعر الليرة العثمانية 100 قرش” ([827]).

وذكرت الوثائق الليرات المخمسات العثمانية الذهبيّة، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“جميع النقود الموجودة تحت يد الموكلة البالغ عنها 15 ألف قرش و3 ليرات مخمسات عثمانية البالغ عنهم 1900 قرش أي عادلت كل ليرة مخمسة تقريباً 640 قرشاً، والليرة العادية تساوي 125 غرشاً ([828])

وفي سندات الدين (أي الوثائق) نقرأ أن المدين كان يحدد نوع العملة وقيمتها، عند استرداد الدين، خوفاً من هبوطها، وبالتالي تغير المبلغ المطلوب استرداده.

“145 ليرة مجيدية ونصف ريال مجيدي نقداً”([829])

أو “دين 2619 قرشاً معاملة رايج بندر الشام”([830])

و”دين بسعر الليرة الفرنساوية 113.5 قرشاً”([831])

“دين 3150 قرش معاملة فضة و ذهب”([832])

و “دين 1300 قرشاً صاغ الميري”([833]).

9- طرق المواصلات وتطورها :

1- النقل البري والبحري.

2- الطرق المعبدة.

3- السكك الحديدية:

أ – خط حديد دمشق – بيروت.

ب- سكة حديد دمشق – مزريب.

ج-  ترامواي مدينة دمشق.

د- الخط الحديدي الحجازي.

هـ-  البرق والبريد والهاتف في مدينة دمشق.

أ – النقل البري والبحري

استغلت السلطنة أهمية الطرق التجارية التي تمر عبر أراضيها، وتصلها بأوروبا، فطلبت من الأوروبيين إصلاح بعضها أو دفع كلفة إصلاحها، مقابل نقل البضائع بواسطتها، حيث شكلت الطرق التجارية المارة من سورية، أهمية كبرى لتجارة أوروبا. وعلى الرغم من نشاط الحركة التجارية قبل القرن التاسع عشر، فإنه لم يرافقها تطور وسائل النقل، فقد ظلت الدواب الوسيلة الوحيدة للتنقل ونقل البضائع، ولم تدخل العربة سورية حتى حملتها إليها إنكلترا، بواسطة سفيرها في استانبول، ومنها إلى كل أنحاء الإمبراطورية([834]).

وما إن أطل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حتى حدث التغير التاريخي الرئيسي في مجال طرق المواصلات في مدن سورية الكبرى ومنها مدينة دمشق. فقد أصبحت الطرق في الولايات العربية هي الشيء الوحيد الأكثر تطابقاً مع المواصفات الدولية، في تلك الأيام”([835]).

ويعود سبب التحسن على طرق المواصلات إلى أمرين: أولهما إلى حركة الإصلاح العثماني والضغط الأوروبي لتحسين الطرق، خدمة لتجارة أوروبا وتسهيلاً لها. ولم يكن رواد الإصلاح هؤلاء، يستهدفون مصالح الشعوب، بل لجؤوا للإصلاح تحت ضغط التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبالمقدار الذي يخدم مصالحهم. وكذلك بتوجيه من السلطات العثمانية لجذب التجار الأجانب، للعمل في المنطقة ومدنها، وبالتالي الحصول على ضرائب جمركية مهمة لدعم الإدارة العثمانية مالياً، وقد صدر عام1863م قانون لإنشاء الطرق وأعمارها والمحافظة عليها.

وهكذا استطاعت مدينة دمشق خاصة والمدن المشرقية عامة، أن تحافظ على أهميتها التجارية وعلى طرق([836]) مواصلات نشيطة تنقل منها وإليها السلع والبضائع في كل الاتجاهات.

وعادت الطرق العالمية التي تقطع سورية في كل النواحي، للحركة والنشاط، وامتلأت بالقوافل التجارية المحملة بشتى أنواع البضائع والمنتوجات وكل ما حوته البلاد القادمة منها تلك القوافل، فتنقلت بين الشام والحجاز ومصر وبين الساحل والداخل، ومن دمشق إلى حلب والى القدس واستانبول وبغداد.

وحرصت السلطة على تسهيل سبل مرور التجارة، لما فيها من عوائد مالية مهمة، خاصة عائدات الجمارك (ava nias (*))([837]) التي كانت كنهر من المال يتدفق على الإدارة العثمانية، بالإضافة إلى تأمين سلامة الحجاج المسلمين والمسيحيين إلى الأراضي المقدسة في مكة المكرمة، والقدس الشريف. لذلك كان من الضروري، الاهتمام بتحسين وسائط النقل وإصلاحها، وترميم الخانات ونصب الجسور.

“حتى إن شبكة المواصلات البرية في الدولة العثمانية نالت رضى الأوروبيين”([838]).

وكان ميناء بيروت ثغر دمشق على البحر المتوسط، وقد وصل مدينة دمشق الداخلية بالساحل السوري، وشكل منطقة تجارة مهمة إلى الداخل شرقاً حتى بغداد. وله أهمية كبيرة في نقل البضائع تصديراً واستيراداً منذ القديم، حيث عاش على الساحل السوري تجار مهرة اتصلوا بسواحل البحر المتوسط الشمالية والجنوبية وأثروا فيهم. وفي الفترة المدروسة لعب مرفأ بيروت دوراً اقتصادياً مهماً في عمليات التجارة الدمشقية والإقليمية والدولية، بسبب الموقع الاستراتيجي الهام، وكثرة القناصل والتجار الجانب فيه.

وكانت الموانئ السورية وتجهيزاتها تحت السيطرة المباشرة وغير المباشرة لممثلي الشركات الأوروبية الغربية. وامتلكت الدول الأوروبية كل تجهيزات المرافئ والمستودعات فيها، لمصلحة النشاط التجاري والعسكري أحياناً “لذلك كان الانتهاء من بناء ميناء بيروت الحديث، لمصلحة الشركة الفرنسية التي ملكت جميع أرصفة الميناء والتجهيزات الملاحية والبنى والمستودعات الرئيسية”([839]).

وفي عهد السلطان عبد الحميد الثاني، لم تعد مدينة دمشق منعزلة عن المحيط الخارجي، بسبب دخول السكك الحديدية والعربات إليها، وبالتالي قيام علاقات قوية بين المدن السورية بعضها مع بعض من جهة، ومع معظم الدول العربية والأوروبية من جهة أخرى([840]).

وكانت حركة القوافل التجارية تعتمد على الجمال، حيث عُدَّ الجمل الوسيلة المهمة لنقل الناس والبضائع في المناطق الصحراوية والبادية المجاورة لمدينة دمشق، حتى أواخر القرن التاسع عشر. وقد لعب البدو أصحاب الجمال دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية في سورية والولايات العربية إذ كانوا يزودون تجارة القوافل بالجمال([841]).

وكان الإدلاء المسلحون من البدو الذين يرافقون القوافل التجارية، يمثلون العشائر (القبائل) التي تمر القافلة في ديارها. وهكذا أصبحت القبائل مسؤولة عن حماية القوافل. وقد أغدق التجار والإدارة العثمانية لقاء هذه الحماية على البدو نصيباً جيداً من الأجر والأتاوات([842]) التي كانت تسمّى الصرّة. وإذا لم تدفع تعرّضت القافلة إلى الهجوم والنهب.

ولم تكن السيارة معروفة في ذلك العهد (الفترة المدروسة). إذ لم يكن في مدينة دمشق للنقل الداخلي إلا بضع عربات (عجلة) تجرها الخيل، وكان مقرها مكان المعرض السابق، عند مديرية الآثار، مقابل التكية السليمانية. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“…. من جميع الغيضة والإحدى عشر عربة خانة المتلاصقين الكائنين ذلك جميعه ظاهر دمشق بأرض مرجة دمشق مقابل التكية السليمانية “([843]).

وهي معدة لتنقل الناس من حي إلى حي، ونقل المرضى لدور الأطباء، وبين المدينة والريف المجاور لها بشكل بسيط، إذ كان القرويّون يأتون على دوابهم، وكان لبعض بيوت الأغنياء الدمشقية، عربات خاصة بهم. وهم من العائلات التي لعبت دوراً سياسياً بارزاً وخاصة في العهد العثماني، مثل آل العظم، والشمعة، والحسني، والغزي، واليوسف.. وكان في سوق الخيل فيها حمير معدة للإيجار وظهرت العجلة فيما بعد (الدراجة النارية بسكليت) وكانت نادرة ثم تكاثرت ([844]).

ومن الوسائط الخارجية للنقل المعروفة كان (الحنتور) وهو على شكل سيارة أتوبوس (عربة كبيرة لنقل الركاب) يجره الدواب على مراحل بين دمشق وبيروت. وفي كل مرحلة، تغير الدواب إلى أن تنتهي الرحلة إلى المكان المقصود. وقد تأسست شركتان للقيام بذلك: شركة (داليجانس) وشركة السبيعي، ومحطّتهما الرئيسية كانت العباسية اليوم، مقابل المصرف السوري اللبناني ودائرة الشرطة العامة في ذلك الوقت([845]).

وتنبهت السلطة في عصر التنظيمات وما بعد، إلى أهمية المواصلات بالنسبة إليها، لتحقيق السيطرة الكاملة والسيادة الفعلية على أراضيها، فاتبعت سياسة تشديد القبضة على كل أنحاء السلطنة. وانطلاقاً من هذه السياسة، عملت على تهيئة الظروف، أواخر القرن التاسع عشر، لإنشاء شبكة مواصلات حديثة شاملة تربط سورية ومدنها، ومنها مدينة دمشق، بشبكة من الطرق والخطوط الحديدية. وقد هدفت من وراء ذلك، إلى تقوية حكم السلطان عبد الحميد الثاني المركزي، والقضاء على الثورات، وتثبيت الأمن، بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي المادي نتيجة الأطماع الأوربية المتزايدة. ومع أن بعض الخطوط الحديدية أقيمت لأغراض عسكرية، إلا أن الأهالي استفادوا منها في نقل منتوجاتهم إلى الأسواق المجاورة.

وكان قد صدر عام 1869م نظام الطرق والمعابر، وجرى بموجبه، تصنيف الطرق في الدولة إلى أربعة أصناف([846]):

– الطرق التي تصل استانبول بمركز الولايات أو المرافئ والخطوط الحديدية.

– الطرق التي تصل مراكز الأقضية بالمرافئ والخطوط الحديدية.

– الطرق التي تصل مراكز الولايات بالألوية.

– الطرق التي لا تستعملها العربات بصورة دائمة.

وقامت الإدارة العثمانية بإصدار التعليمات للعمل بالسخرة للذكور الذين تراوحت أعمارهم بين (16-60) سنة، أربعة أيام في كل عام، لعمارة الطرق أو أن يدفع الراغب بالإعفاء ضريبة مقدارها ريال مجيدي([847]).

وأجبرت الإدارة العثمانية المواطنين على العمل مجاناً أحياناً، لعدم وجود الأموال. واستطاعت السلطنة عام 1889 م أن تصدر قانوناً يخصص 10% من واردات المصرف الزراعي لتعمير الطرق، فتوسعت في سورية ومدنها ومنها مدينة دمشق. وهذه القوانين جعلت الدول الأوروبية تُقبل للحصول على امتيازات مدّ الخطوط الحديدية ([848]). وأخذت تتنافس فيما بينها، لأن منح الامتيازات في السلطنة، لإنشاء السكك الحديدية، كان يقترن (بالضمانة الكيلو مترية) وذلك تشجيعاً منها لإنشاء شبكة المواصلات بسرعة.وضمنت الدولة حداً أدنى من الربح للشركات الأجنبية من كل كيلو متر من السكك الحديدية، وتعهدت بدفع المبالغ اللازمة لسد العجز السنوي، لذلك أخذت الشركات تتلاعب بالسجلات وتطالب السلطنة بدفع ما يترتب من عجز([849]).

ب- الطرق المعبدة :

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان في سورية شبكة من الطرق البرية، تمتد من الجنوب في غزة وبئر السبع، إلى الشمال في (اسكندرونة) مارة بالمدن الرئيسية، وتتفرع أحياناً لتربط القرى الكبرى والهامة بها، وأهمها([850]):

1- الطريق البري بين دمشق وبيروت: الذي أنشئ عام 1857م. وقد نالت امتيازه شركة فرنسية سميت (شركة طريق الشام العثمانية)، وأشرف على هندسته المهندس (ديمان) الذي نفذ طرقاً أخرى في سورية. وقد بلغ طوله (117 كم) وعرضه (27 متراً). وحصلت الشركة على أرباح مهمة، وتضاعفت وارداتها وبقيت كذلك إلى أن تم إنشاء الخط الحديدي بين دمشق – بيروت في الفترة المدروسة.

2- الطريق البري بين دمشق وحوران: وقد افتتح عام (1888م) وحقق فوائد مهمة، وأنعش القرى الواقعة على جانبيه، فأخذت تصل المنتوجات من حوران إلى دمشق وغيرها من المدن السورية بسهولة ويسر. واعتنت السلطنة بتعبيد الطرق بموجب النظام الذي صدر عام 1869 م. ولكن التعبيد كان في ذلك الوقت من دون تزفيت، لذلك كان سريع التلف، وبحاجة دائمة إلى الصيانة والترميم([851]).

ج- السكك الحديدية وتطورها:

كانت مصر هي أول بلد عربي تُمدّ فيه الخطوط الحديدية، حيث أنشأ الأمير محمد سعيد خط السويس ـ القاهرة سنة 1859. وعندما زار السلطان عبد العزيز مصر، ركب هذا القطار لأول مرة في حياته.

وقد بدأ إعطاء التراخيص إلى الشركات الأجنبية، بمد الخطوط الحديدية، منذ عهد السلطان عبد العزيز الذي امتد من عام (1861م – 1876م) في كل أنحاء السلطنة. ولكن سورية وبما فيها مدينة دمشق، لم تستفد منها حتى عهد السلطان عبد الحميد الثاني، عندما منحت الامتيازات وعقدت المعاهدات لمد الخطوط الحديدية فيها على النحو التالي:

أ- خط حديد دمشق ـ بيروت:

أعطت الدولة العثمانية امتياز هذا الخط إلى يوسف أفندي مطران، وذلك عام (1307هـ/1890 م). ولأنّه لم يتقدم بمخططات المشروع في المدة المحددة، سقط حقه بالمشروع، فأعطي إلى حسن بيهم عام (1308هـ/1891م)([852]) الذي سمى شركته باسم “الشركة المساهمة العثمانية لخط دمشق – بيروت الاقتصادي”

وحصلت سكة حديد دمشق ـ بيروت على كل التسهيلات في استملاك الأراضي، وقد تطاولت الشركة أحياناً على الأراضي المجاورة للخط، فحصلت نزاعات بينها وبين الأهالي والأجانب المتواجدين في دمشق أو في المحطات التي تمر منها السكة الحديدية الواصلة بين دمشق وبيروت، فقد كان عرض السكة 105سم.

وفي وثيقة نقرأ فيها:

“خلاصة الدعوى أن من الجاري بملك المدعية جميع البستان الكائن في قرية دمر بموقع الجورة، عند محطة السكة الفرنساوية، يحده شمالاً طريق الشمندوفير… وأن المدعى عليه قد تعدى عليها وبدون حق ولا مسوغ، فاغتصبت من أرض البستان المذكورة قطعة أرض مساحتها ثلاثون ذراعاً(*) تساوي قيمتها (5 آلاف قرش) وبُني في القطعة المغصوبة بواسطة مأموري شركة السكة بناء بسيط، وقدمت المدعية إفادتها شفهية، وطلبت إعادة المغصوب وتضمين المصاريف والضرر والخسارة ” ([853]).

وبلغ طول الخط الحديدي بين دمشق وبيروت (147 كم) وهو يقطع المسافة في سلسلة جبال لبنان بالخطوط المسننة، على مسافة 34 كم. وكان قطار الركاب يقطع المسافة بين دمشق – بيروت في 9 ساعات، أما قطار الشحن ففي 11 ساعة. في حين أن القوافل كانت تجتاز المسافة بـ 13 ساعة([854]). وكان عرض هذا الخط 105 سم.

وقد جرى افتتاح خط بيروت – دمشق في 3 أب 1312 هـ/1895 م. وكان يجتاز 4 أنفاق لا يتجاوز طولها 35 م. وفي سنة 1895 م استُقدِمَ خبير من أجل تقصير الزمن الذي وصل إلى 6 ساعات. ومن أهم المحطات في هذا الخط: دمشق، دمر، الهامة، الجديدة، عين الفيجة، دير قانون، سوق وادي بردى، الزبداني، سرغايا، رياق المعلقة، المريجات، صوفر، بحمدون، عالية، عاربا، ممهور، بعبدا، الحدث، بيروت([855])..

وقد ذكرت الوثائق تَعرُّضَ البضائع للسرقة أحياناً، في بعض هذه المحطات، نتيجة الوقوف الطويل فيها، وبطء حركة القطارات واضطراب الأمن وانتشار اللصوصية على الطرقات حيث نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى صديق أفندي الخيمي مدير ناحية شهبا، تابعة لواء حوران، على يوحنا ولد وأنيس الأوضة باشي من طائفة السريان الكاثوليك المقيم بباب توما بالشام.

وخلاصة الدعوى أنه بمناسبة تحويل مأمورية المدعي من مديرية (شحور) إلى مديرية شهبا المذكورة، سلم أشياءه البيتية مع حوائج وملبوسات عائلية إلى قومسيونجي شركة شحن البضائع المتعلقة بسكة الحديد الفرنساوية في حماه، وهو الحاج أحمد الأصفر، وذلك ضمن طردين وصندوق على أن يصير شحن ما ذكر إلى دمشق. وعُرف أنها مسروقة… وطلب أن تجري المحاكمة معه وإعطاء الحكم على شركة الشحن المذكورة بتسليم الأشياء أو تأدية قيمتها المذكورة البالغة (17082 قرشاً). وقد وصل الفاكون إلى محطة البرامكة. وبقي في محطة سرغايا خمس ساعات، مما يدل على أن السرقة قد حصلت على طريق شركة وكالة شحن البضائع في السكة الحديدية العثمانية بين حلب وحمص وطرابلس الشام وبيروت، عن سراج و رحمون وشركاهم في حماه…([856]) “مما يدل على ضعف الإدارة العثمانية وعدم مقدرتها على ضبط الأمن.

وكان الخط يتوقف قبل ميناء بيروت بمسافة طولُها 2.5 كم لذلك لم تستفد التجارة منه، حتى وصل الخط إلى الميناء، بعد الاتفاق بين شركتي الميناء والخط عام 1314 هـ/1897م([857]).

ب- سكة حديد دمشق – مزريب:

تعود فكرة إنشاء هذا الخط  إلى عهد ولاية مدحت باشا والي سورية، عندما ذكر في عام (1295هـ/1878م) في تقريره إلى الباب العالي، أهمية إنشاء خط حديدي يربط دمشق بحوران، ليستطيع أهل حوران تصريف حاصلاتهم الزراعية، ويسهل إدارة شؤون المنطقة الجنوبية، ويعمل على توطيد الأمن والاستقرار.([858]) لكن الإدارة العثمانية أهملت طلب مدحت باشا حينذاك، ثم منحت الامتياز إلى يوسف مطران الذي اشترك مع شركة فرنسية سميت فيما بعد شركة دمشق ـ حماه وتمديداتها، وبوشر باستثمار الخط أواسط عام 1311هـ/1894م. وكان عرضه (105 سم) وهو تتمة لخط حديد دمشق – بيروت الذي يصل إلى الميناء. وقد أدى ذلك إلى تخريب رصيد الشركة، وأيقظ ضدها في عالم الأعمال، ارتياباً وحذراً، فكادت الشركة تنهار، ولكن تدخل الكونت فيتالي ثم سفير فرنسا، منع سقوط الشركة، فوقّعا اتفاقاً مع شركة دمشق ـ حماه ـ بيروت، وسَاعدا الشركة على الاستمرار بشكل بسيط وبضائقـة ماليـة حتى الحرب العالمية الأولى”([859]).

وعند البدء بتمديد الخط الحجازي، اعترض شركة خط حديد              دمشق – مزريب، وجودُ خط مواز لها فعرضت على الدولة مبلغاً كبيراً من المال للتخلي عن المشروع ولكن طلبها رفض.

وحاولت الدولة من جانبها، شراء خط مزريب – دمشق، فرفضت الشركة. وكترضية للشركة الفرنسية، منحتها السلطة العثمانية امتياز خط حلب مع الضمانة الكيلو مترية. وذلك في شباط 1322هـ/1905م.

لكن خط دمشق – مزريب لم يحقق أرباحاً، خاصة بعد أن بدأ الخط الحديدي الحجازي عمله واستثماره. وأثناء الحرب العالمية الأولى أمر لورنس الضابط الانكليزي المرافق للقوات العربية الثائرة على السلطنة العثمانية، باقتلاع قضبانه من أجل إتمام الخطوط الحديدية في فلسطين. ولم تصلحه الشركة الفرنسية صاحبة الامتياز بعد الحرب.

ج – ترامواي مدينة دمشق:

استعاد يوسف مطران امتيازه السابق (خط دمشق ـ بيروت) وحقه في تأسيس شركة بلجيكية باسم شركة ترامواي دمشق وخط دمشق – حوران، برأسمال مقداره (4 ملايين فرنك ذهبي) تقسم على 8000 سهم، سعر كل منها (500 فرنك). ورُؤي أن المصلحة إدماج الشركتين معاً، خاصة بعد أن أحرزت شركة انكليزية امتياز خط حيفا– دمشق، وذلك لرد الخطر المحتمل حدوثه من الامتياز الآخر. وسميت الشركة باسم (شركة الخطوط الحديدية العثمانية الاقتصادية لبيروت – دمشق – حوران في سورية، وأصدرت السلطنة المرسوم السلطاني الذي يقضي الموافقة عام 1891م الذي حدد مدة امتياز الشركة بـ99 عاماً)([860]).

– وهكذا منحت السلطنة العثمانية يوسف أفندي مطران، على يد وزير الأشغال العامة في الدولة العثمانية، امتياز إنشاء خطوط الترامواي في مدينة دمشق، واستغرق منح الامتياز وقتاً طويلاً ([861]).

– وعندما عجِزَ مطران عن القيام بالتزامه، اتفق مع شركة بلجيكية على مشاركته في العمل عام 1904م. وقد تأسست الشركة البلجيكية المساهمة باسم (الشركة العثمانية السلطانية للتنوير والجرّ الكهربائي بدمشق)([862]). برأسمال مقداره 6 ملايين فرنك قُسمت على 12 ألف سهم، وجعلت قيمة كل سهم  500 فرنك. وباشرت الشركة العمل فمدّت خطاً إلى بوابة الله في الميدان، وكان خطاً مزدوجاً طوله 3.5 كيلومترات وعرض سكّته 105 سنتيمترات. وانتهت الشركة من مد الخطوط في شباط سنة 1907 م. وفي العام نفسه، بوشر بإنارة المدينة بالكهرباء. وأما الخطوط الأخرى التي مدتها الشركة فهي:

– ساحة الشهداء – الشيخ محي الدين.

– ساحة الشهداء – المهاجرين.

– ساحة الشهداء – القصّاع.

– القصّاع – جوبر – زملكا – عربين – حرستا – دوما([863])…

وقد ساعد ذلك المواطن الدمشقي على تغيير حافلة – الترام(*) ومواصلة تنقله بواسطة حافلة خط آخر يوصله إلى المكان الذي يقصده. وبلغت مدة الامتياز الذي مُنح للمطران ستين عاماً، وأعطى إعفاء على كافة الآلات والأدوات اللازمة أثناء العمل من رسوم الجمرك، واشترطت الحكومة على صاحب الامتياز، تعمير الطرق التي تمرُّ منها خطوط الترامواي بعرض 9 أمتار([864]).

وتعدت شركة الترامواي والإلكتريك أحياناً على مجاري الأنهار والأراضي الدمشقية، مما استلزم الاحتجاج عليها. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى مختار قرية حرستا، ومختار قرية عربيل، ومختار قرية دوما على الموسيو (ميسون) مدير شركة الترام والإلكتريك في دمشق الشام ومن تبعة دولة بلجيكا، أن نهر تورا المعروف بالشام، هو من الأنهار المملوكة الخاصة التي تسقي أراضي المدعين، وأن المدعى عليه قد خرّب حرم النهر المذكور عند الجسر الأبيض من صالحية دمشق، بقصد أن ينشئ على النهر المذكور جسراً لصالح الشركة التي هي في إدارته. وقد تسرع بوضع عضادات للغرض المذكور. وطالبوا المحكمة بإعادة النهر إلى أصله لأنه لأهالي القرى المذكورة، وبناء جسر لأجل مرور الترامواي الذي هو من المنافع العامة “([865]).

ومدّت شركة الترامواي والإلكتريك أسلاك الكهرباء في مدينة دمشق في تلك المرحلة، كما جاء في الوثيقة التالية:

“ادعى الموسيو ( بندمان) مدير شركة الترامواي والتنوير الكهربائي بالشام، على خالد الحموي القهوة جي المقيم بالدرويشية بالشام. بموجب المقاولة التي عقدها مع الشركة المذكورة، لأجل تنوير قهوته عند وضع وتأسيس القهوة، وأن المرقوم ممتنع عن تأدية مبلغ (300 قرش و 10 بارات) رايج البلد بدل التنوير عن مدة شهرين ومبلغ مقداره 434 قرشاً باقٍ بذمته عن وضع وتأسيس التنوير”([866]).

وأحياناً كان يتأخر أويتمنّع ملتزمو جمع فواتير الكهرباء في المدينة عن دفع ما يترتب للشركة فتقوم بتحصيل حقها عن طريق المحاكم. ففي إحدى الوثائق نقرأ مايلي:

“ادعى المسيو (هازيون) مدير شركة الترامواي والتنوير الكهربائية بدمشق على الخواجات سعيد وأمين وكفيلهما الخواجة داوود النبكي من أهالي وتجار دمشق. وهو يطلب لشركته منهما مبلغ (383 62 قرشاً و 5 بارات) معجل التأدية بموجب المقاولة وبموجب التحارير عن رصـيد قيمة فواتير شهري كانون الثاني وشباط عام 1915 م المسلم لهم في حينه. لذلك طلب حجز أشيائهم الزائدة. والمدعى عليهما ملتزمان بجمع الفواتير الكهربائية”([867]).

كما نلاحظ، فإن تمديد الكهرباء في مدينة دمشق، تزامن مع إنشاء خط الترامواي أيضاً. ذلك أن الترامواي لها مركبات حديدية وعجلات تسير على سكة بالطريق السلطاني، بواسطة شريط نحاس متصل بالكهرباء، ممدود فوق الطريق بارتفاع سبعة أذرع، ومثبّت على عواميد مغروسة بالأرض([868]).

وكانت محطة توليد الكهرباء التي تعمل على شلال بردى بالتكية، على الرغم من ضآلة إنتاجها (100 كيلو واط)، كافية لسد حاجات المدينة بالتنوير، وفي تسْيير القطارات الكهربائية([869]). وقد دفع غلاء زيت الكاز الناسَ إلى تمديد الكهرباء إلى دورهم، فازداد الاستهلاك منه، ولم تعد محطة التكية قادرة على تلبية الحاجة المتزايدة للكهرباء، لذلك عمدت الشركة إلى قطع الكهرباء عن كل حي، مرة في الأسبوع، والى تخفيض معمل الفولتاج، مما أدى إلى تخفيض سرعة القطارات كثيراً([870]).

وقد عملت الإدارة العثمانية على منح امتيازات سكك حديد وتراموي دمشق والتنوير الكهربائي، لشركات أجنبية، بشروط مجحفة أحياناً، لمصلحة الدول الغربية، وقدمت لها كل التسهيلات الممكنة من استملاك للأراضي، وغير ذلك، ارضاءً للدول الأوروبية المتجهة بقوة نحو الاستعمار والامبريالية، في الفترة المدروسة.

د- الخط الحديدي الحجازي:

كان على موكب الحج الشامي، أن يقطع مسافة 28 مرحلة،بين دمشق والمدينة المنورة، وعشرَ مراحل بين المدينة ومكة المكرمة، حيث كانت تستغرق رحلة الحج تقريباً ثلاثة أشهر([871]).

فقد استغرقت رحلة الحجاج الأتراك من استانبول إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة، نحو ثمانية أشهر. وبسبب أن قافلة الحج كانت تتعرض للاعتداء من قبل قطاع الطرق وغارات البدو في الطريق، بين حلب ودمشق، وتتعرض لخطر العشائر البدوية، في بادية الشام، على الطريق بين مزريب والمدينة المنورة وهو  ما كان أشد الأخطار عليها، ولأهمية حماية قافلة الحج ووصولها وعودتها بالسلامة…، أدركت السلطنة العثمانية ضرورة إسناد منصب إمارة الحج إلى والي دمشق، بعد أن كان يعهد به إلى حاكم نابلس و عجلون وقد كانت تختار لولاية الشام من توافرت فيهم صفات الشجاعة والإقدام.

كان والي دمشق، وهو أمير الحج يرسل برسائله إلى استانبول فور وصوله إلى مزريب (جنوب دمشق) قادماً من الحجاز. وكانت أخبار موكب الحج تُنشر بالجريدة الرسمية. وعند دخول نظام البرق إلى دمشق، أصبح الوالي وأمين الصرة يبرقان للصدر الأعظم في الأستانة، حين وصول موكب الحج إلى دمشق. وهذا يوضح أهمية إنشاء الخط الحديدي الذي يصل دمشق بالحرمين الشريفين، والذي عُدَّ عملاً ضرورياً لخدمة الحجاج المسلمين، منذ تلك الفترة([872]).

وتعود فكرة إنشاء خط حديدي إلى عام 1864م عندما اقترح مهندس أميركي على السلطنة، مدّ خط حديدي بين دمشق والبحر الأحمر، ولكن الدولة العثمانية لم تكن مسيطرة سيطرة تامة، حينذاك، على لواء الكرك.

وفي عام 1880 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، قدّم وزير الأشغال العثماني إلى حكومته، مشروعاً يقضي بمد خط حديدي إلى الأراضي المقدسة. ولكن بسبب الخوف من البدو، والخطر الأجنبي الاستعماري، نتيجة تنفيذ المشروع وسهولة المواصلات البحرية ورخصها، تأخّر إقرار المشروع، ثمّ أعيدت فكرة إنشاء الخط للأذهان، اعتقاداً من السلطان بأهمية المشروع عسكرياً، لتشديد قبضته على الولايات العربية التي يمر منها الخط، وسياسياً لدعم فكرة الجامعة الإسلامية([873]).

وقد بُدٍئ بإنشاء الخط عام 1900 م في شهر سبتمبر/من منطقة المزريب إلى دمشق، ودفعة واحدة إلى المدينة المنورة. وافتتح القسم الأول (دمشق –درعا) في سبتمبر 1903 م. وبعد ذلك بشهر، افتُتح قسم درعا– عمان. وكانت المسافة بين دمشق وعمان 223 كم. وفي أول سبتمبر 1904 م جرى افتتاح القسم الثالث من الخط بين عمان ومعان. وفي سبتمبر 1907 م تمَّ القسم الرابع من الخط، بين معان وتبوك، ويبلغ طوله 331 كم. وجرى في نفس الوقت، افتتاح قسم جديد بين تبوك ومدائن صالح التي تبعد 955 كم عن دمشق. ثم استمر العمل مدة سنة أخرى. وقد وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في 23 أب 1908م.

وتم الافتتاح الرسمي أول سبتمبر 1908م. الذي يصادف عيد جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على العرش([874]).

واجهت الحكومة العثمانية كثيراً من الصعوبات قبل إنشاء الخط وبعده. ولكن السلطنة جنّدتْ كل إمكانياتها في سبيل إنجاح المشروع وتنفيذه، ونجحت في ذلك، حيث قام الجيش السلطاني الهمايوني الرابع، بمعظم العمل الحقيقي إذْ عمل فيه (3000 جندي). وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“فرض الحاكم الشرعي على طالب اللحام، نفقة ابنة ولده محمود الغائب عن دمشق في سلك العسكرية، في طريق السكة الحجازية والمقيم في قريـة عمان”([875]).

نلاحظ من الوثيقة أن عمان عاصمة الأردن اليوم، كانت قرية تابعة لوالي دمشق العثماني في أوائل القرن العشرين. ونلاحظ أيضاً أن كثيراً من العاملين في السكك الحديدية من العسكر لحماية القطارات من هجمات البدو واللصوص الذين انتشروا في طريقه، بالإضافة لمئتي مهندس كانوا يعملون بصورة دائمة. وقد ذكرت الوثائق كثيراً من العرب والأجانب المهندسين الذين عملوا بالسكة الحديدية الحجازية([876]).

وعمل في سكة الحجاز الحديدية كثير من الملتزمين والمقاولين وتجار المواد المختلفة، من عرب وأجانب، في المحطات التي يتوقف فيها القطار. نقرأ في إحدى الوثائق:

“إن حسين المصري وجرجي مواقدية /تجار في الشام/ ادعيا على الشركاء الخواجات دومينيكوره ونظيف الخالدي وسعد الدين دمشقية من ملتزمي القسم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من السكة الحديدية الحجازية، بديْن 310 ليرات عثمانية لدى قومسيون السكة الحديدية ” ([877]).

ونقرأ في وثيقة أخرى:

“ادعى ناصيف أبو زيد وكيل أحمد ملص تاجر بالشام على (ملحم شيفوخت) أحد ملتزمي الخط الحديدي العام الحجازي ومن تبعة دولة ايتاليا، حجز (56 ليرة عثمانية) تُطلب من قبل قومسيون الخط الحجازي العام والمبلغ قيمة أخشاب وحديد وغيره” ([878]).

وتلاعب الكثير من الملتزمين ومتعهدي (الخط الحديدي الحجازي) بالأموال ودفاتر الحسابات، حيث وصلت نزاعاتهم إلى المحاكم([879]).

وكان على الحكومة العثمانية، أن تزود المحطات بالمواد اللازمة للحجاج، بالإضافة إلى صد هجمات البدو الذين أخذوا يغيرون على منشآت الخط، بُغية منع تمديده. وقد استمرت اعتداءاتهم حتى بعد إتمام إنشائه([880]).

وكان الملتزمون يمتنعون عن دفع أجرة المهنيين والعمال الذين عملوا معهم أحياناً. نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى عبد الرحمن ملا طيه لي /حجّار بالشام/على سعيد الدمشقي/ تاجر عثماني ملتزم طريق سكة الحجاز بالشام، يطلب منه مبلغ 152 ليرة عثمانية و 5 مجيديات بموجب سبع قطع بونات، بدل أجرة شغل أحجار بطريق سكة الحجاز الحميدية، وهو ممتنع عن الدفع “([881]).

فبملاحظة تاريخ الوثيقة، نجد أنه تأخر عن دفع متوجبات الأعمال وأجرة العمال، حتى سنوات لاحقة لافتتاح الخط الحديدي الحجازي.

وقد راوغ بعض متعهدي الخط بدفع مستحقات بعض المهندسين والمهنيين، كما نقرأ في هذه الوثيقة:

“ادعى محمد ثابت مهندس التعميرات بالخط الحجازي المقيم بدرعا، من تبعة الدولة العلية، على سعدي الدمشقي المتعهد بالسكة الحديدية الحجازية من التجار بالشام أنّه “كان قد تعهد للمدعى عليه بالنظر والقيام بكافة أعمال القسمين الملتزمين (76-79) من طرف إدارة الخط الحجازي مقابل 30 ليرة عثمانية مشاهرة، مع مصروف الأكل وأجرة خادم لمدة ستة أشهر، بموجب مقاولة، ولم يدفع له المدعى عليه. وقد جرى الحجز الاحتياطي على ما يعادل هذا المبلغ الموجود عند هيئة السفن في إدارة حيفا الحجازية”([882]).

ولربّما كان تأخر الملتزمين بدفع ما يترتب عليهم للمهندسين والمهنيين، يعود إلى عدم حصولهم على المال من الإدارة العثمانية (إدارة الخط الحديدي) التي لم تكن تجني أموالاً كثيرة من تشغيل هذا الخط، بسبب أنه لم يكن يعمل بصورة منتظمة إلا في موسم الحج الذي يستمر لثلاثة أشهر، ثم يبقى استعماله بعد ذلك، للأمور العسكرية. بالإضافة إلى أن التبادل التجاري في المنطقة التي يمر فيها الخط لم يكن نشيطاً، لذلك كان القسم الأكبر من الخط ـ من معان إلى المدينة ـ شبه معطل طُولَ أيام السنة. أما القسم من الخط بين درعا – دمشق، فكان يعمل بانتظام على مدار العام.

وقد دفعت الشركة الأموال لاستملاك الأراضي التي يمر منها الخط وعلى جانبيه، وبلغت قيمة الأراضي أرقاماً مرتفعة، احتجت الشركة عليها في المحاكم. وعن ذلك نقرأ في إحدى الوثائق مايلي:

“ادعى طاهر بك مميز محاسبة قسم أشغال الإنشاءات، ووكيل إدارة عموم سكة حديد الحجاز، على حسن أفندي الحلبوني المقيم في حي القنوات دمشق، وذلك “لتقدير قيمة كل قصبة(*) من قصبات بستان الأعجام، الذي يحده غرباً داره السائرة المقرر استملاكها لمصلحة سكة حديد الحجاز، لأجل أن يمر بها الخط بـ17 ليرة عثمانية. وبما أن هذه القيمة فاحشة لجملة أسباب، وقيمة كل قصبة لا تساوي زيادة عن عشر ليرات، فيطلب جلب حسن الحلبوني للمحاكمة، وتشكيل هيئة (تخمين) وفقاً للفصل الثالث من قانون استملاك الأملاك، وتنزيل القيمة المذكورة وكالة من الموسيو (زورينكر) مدير أشغال السكة الحديدية الحجازيـة، إلى طاهر بك الموما إليه ليسوّي القيمـة وأن يوفي المعاملات الايجابية “([883]).

وحسن الحلبوني هذا، هو الذي بنى حي الحلبوني في المنطقة التي كانت تُعرف ببستان الأعجام، فعرف به إلى اليوم. وله قصر حسن ما يزال إلى اليوم في حي الحلبوني([884]).

وقد بلغت صرفيات الخط الحديدي الحجازي عام 1323 هـ/1906م لغاية تموز (278.599.895 قرشاً).

الموجود: 26 بارة و283.217.487 قرش. نقداً موجود الآن”([885])

وبعد تشغيل الخط بلغت إيراداته لعام 1325 هـ/ 1908 م. (174.512 ليرة عثمانية).

وفي سنة 1326 هـ/1909 م بلغت ( 188.962 ليرة عثمانية)

وفي سنة 1327 هـ/1910 م بلغت ( 260.890 ليرة عثمانية)

ولكن يجب أن نذكر أن غاية السلطان عبد الحميد الثاني والإدارة العثمانية من إنشاء الخط، كانت دينية أكثر منها اقتصادية تجلب الربح([886]).

وكان من نتائج تمديد الخط الحديدي الحجازي، أنه أثار الحماسة في ديار الإسلام، وعمل على تثبيت مكانة الخلافة أكثر من جميع خطط السلطان عبد الحميد الأخرى. وهيأ المشروع وبنفقات زهيدة تكبدتها الخزينة العثمانية، وسيلة نقل برية لوصول جيوشه إلى الجزيرة العربية بمدّة أقل من (خمسة أيام) بعد أن كانت تستغرق أربعين يوماً.

وأصبحت وسائل السفر إلى الولايات العربية أسرع، الأمر الذي ساعد على نقل الأفكار([887]).

ولذلك عارضت بريطانيا فكرة إنشائه، بشدة منذ البداية معارضة غريبة وهي التي دمّرته بعد سنوات..

ومن الملاحظات السلبية على إنشاء الخط الحجازي والخطوط الحديدية الأخرى في سورية ومدينة دمشق، نذكر:

أ – تعدد الشركات التي حصلت على امتياز السكك الحديدية (ايتالية – فرنسية) (بلجيكية – ألمانية)، وانعدام التنسيق فيما بينها بسبب المنافسة للحصول على الامتيازات في المشرق العربي وتضارب مصالحها.

ب- اختلاف عرض السكك الحديدية (ضيقة وواسعة) 105-155 سم أو 144.5 سم، حيث أعاق هذا العيب النقل التجاري نوعاً ما.

ج- الارتجال في منح الامتيازات، وعدم رسم الخطط الشاملة لتمديد الخطوط الحديدية، وعدم التخطيط الجيد المسؤول عن اختلاف عرض السكك([888]).

وقد كانت الامتيازات الممنوحة للشركات الأجنبية من قبل السلطنة، تخدم مصالح هذه الشركات، لا مصالح البلاد والسلطنة، مضطرة لاسترضاء الشركات كي تزوّد الدولة بالأموال لتغطية العجز، الناتج عن تعهد الدولة بدفع (الضمانة الكيلومترية). ثم إن ضعف رأسمال الشركات العاملة بالسكك الحديدية جعل الخطوط تتسلق الجبال (خطوط مسننة) بدلاً من أن تحفر الأنفاق لمرور العربات([889]).

د- البرق والبريد والهاتف:

صدر نظام البرق عام 1276هـ/1859م، ونصت المادة الأولى منه على منح تحريرات الدولة الأفضلية على جميع المعاملات. وبعد ذلك، أعطيت الأولوية لتحريرات سفارات الدول الأجنبية ثم للتجار. وكان نظام التلغراف يتضمّن سرية المخابرات وصيانة الأسلاك والمحافظة عليها.

وقد اقتصرت شركة البرق العثماني على الأسلاك الممتدة من دمشق إلى حلب شمالاً، حتى عام 1316هـ/1899م وجنوباً وصلت إلى القنيطرة والسلط، وحوران، وشرقاً إلى دوما، وغرباً إلى بيروت وحاصبيا، ثم توسعت عام 1317هـ/1900م. بمد الخط البرقي.

ومن السلك الجنوبي مُدَّ خط آخر إلى جبل العرب (الدروز) وبصرى. وبلغ طول الخطوط البرقية العثمانية في سورية1571 كم([890]). وكان هناك مراكز للتلغراف التركي في النبك والقنيطرة وعجلون، كما كان في مدينة دمشق وفي تربة (الشيخ سعد) وفي (بصرَّى الحرير) مراكز تلغراف فرنسية، بلغ عددها عام 1318 هـ/1901 م 25 مركزاً للبريد و 18 مركزاً للتلغراف، منتشرة في الشام وحوران والكرك([891]).

واهتم السلطان عبد الحميد الثاني بإنشاء شبكة المواصلات السلكية وإيصالها إلى استانبول  من مختلف الولايات حتى تصله الأخبار بسرعة فتبرع “بنصف مليون قرش” من أجل مد خط تلغراف بين دمشق والمدينة المنورة([892]).

وفي عام 1297 هـ/1880م افتتح خط آخر للتلغراف مع قرية (بصرى الحرير) بعد حوادث حوران. ولكن الولاية كانت تتكبد مصاريف باهظة لإصلاح الخطوط.  نتيجة تعرضها لاعتداءات البدو المتكررة.

ونقرأ في إحدى الوثائق، حول استخدام التلغراف في مدينة دمشق من قبل المواطنين لتصريف أعمالهم “أن أحد المواطنين قبض المبلغ المدعى به وصرفه على الوجه التالي: مبلغ 40 قرشاً وربع القرش أجرة تلغراف إلى الموكلة، حين كانت في الأستانة. ومبلغ 3 ليرات عثمانية عين مرسلة إلى الأستانة في البوسطة إلى موكلة المدعي عائشة و 8 قروش أجرة إرسال الدراهم المذكورة في البوسطة”([893]).

نلاحظ من الوثيقة أن أجرة التلغراف من دمشق للأستانة كانت “40 قرشاً” وربع القرش وأجرة الإرسال 3 ليرات عثمانية (في البوسطة)، البريد إلى الأستانة 8 قروش عام 1316هـ. وقد صدر التلغراف من دير الزور إلى دمشق عام 1316 هـ/1899م. وتم استخدامه من قبل التجار، لتصريف البضائع، مما خفف عنهم عناء السفر وصعوبته وطول المسافة.نقرأ في إحدى الوثائق:

“إنه بناء على صدور التلغراف من نيابة دير الزور إلى نيابة المركز بدمشق الشام، ووروده في عام 1316هـ/ 1899م المتضمن بإرسالية من طرف حمود السهو من أهالي دير الزور، إلى الخواجة يوسف داود بالشام، المشتملة على عشرين حملاً، منها ستة عشر حمل(*) سمن وحِمْلا صوف وحملا شوالات شعير، وأن محمود السهو المرسل المرقوم قد توفي وصارت الإرسالية المذكورة لورثته، لأجل إرسال ثمنها في دفتر تركة المتوفي” ([894]).

ويعود سبب اهتمام الإدارة العثمانية في سورية، بربط المناطق المختلفة بشبكة واسعة من الخطوط البرقية والبريد، إلى رغبتها في المحافظة على الأمن والاستقرار، خاصة في منطقة حوران التي كان الأمن فيها مضطرباً دائماً بسبب ثورات أهاليها المستمرة ضد الاحتلال العثماني. لذلك قامت عام 1284هـ 1867م، بمدِّ خط تلغرافي من دمشق إلى مزريب التي كانت تبعد مسافة يوم تقريباً عن مدينة دمشـق، وذلك قبل البدء بمد الخطوط الحديدية، لأن منطقـة مزريب كانت مركز لواء حوران. وفي نفس العام، صـدر قـرار مجلس الإدارة في سورية، بإنشاء مركز التلغراف بين دمشق وبيروت مع تزويده بالأثاث اللازم([895]).

الهاتف:

أُحدث الهاتف في مدينة دمشق وولاية سورية عام 1908م. وكان مقتصراً على خدمة المصالح الرسمية، ثم سمح للأهالي بالاشتراك به، تحت إشراف الديوان الملكي. وقد قطعت الخطوط الأهلية أثناء الحرب العالمية الأولى، ثم أعيدت بعد نهاية الحرب. وعندما انحسر الحكم العثماني عن ولاية سورية، ترك بها شبكة مواصلات جيدة، حديدية وبرقية وبرية، استفادت منها فيما بعد، في العهود التالية.

وقد زينت ساحة المرجة بنصب تذكاري برونزي رائع، صممه ونفذه فنانون ايطاليون. وقد أقيم بمناسبة الاحتفال بتمديد الخط البرقي بين دمشق والمدينة المنورة عام 1322 هـ/1905م([896]).

أما عن البريد فقد كان في دمشق مؤسستان له.

الأولى رسمية قوامها سعاة الدولة الرسميون (التتار) الذين يتلقون رواتبهم من خزينة الدولة. وكانوا يستخدمون الخيل في تنقلاتهم بين دمشق وحلب، والجمال بين دمشق وبغداد.

والثانية محلية ففي كل مدينةٍ، شيخ يتعهد بإيصال الطرود والرسائل سالمة إلى أماكنها بواسطة سعاة عُدَّ الشيخ مسؤولاً عنهم.

واختلفت الأجور باختلاف المكان وحالة الطريق. هل هو آمن أم لا([897]). فمثلاً بلغ أجر الساعي بين دمشق، وطرابلس الشام ثلاثة أرباع المجيدي([898]).

وبدأ الاهتمام بالبريد الحديث، بعد صدور نظام البريد العثماني عام 1286هـ/1869م. وكانت أول وسيلة انتظمت لنقل البريد، العربات والقوافل على طريق دمشق– بيروت. وأخذ البريد يتطور من حيث النقل والإدارة والمعاملة بدءاً من سنة 1317 هـ / 1900 م، فألغيت وظيفة السعاة (التتار) بين دمشق وحماه  عام 1902م. وبين حلب وحماه عام 1905م. وأصبح البريد ينقل من دمشق إلى الأستانة، بواسطة السكك الحديدية. وبعد عام 1908م، أصبح ينقل من دمشق إلى المدينة المنورة، بواسطة سكة حديد الحجاز. ووجدت مراكز بريدية في كل المناطق التابعة لولاية دمشق، لكن كان في دمشق أكثر من مركز بريد.

خلاصة القول:

عندما بدأت أحوال السلطنة العثمانية الداخلية تسوء في القرن الثامن عشر وما بعد، وسيطر الجشع على الإدارة والموظفين العثمانيين، وظهر التوجه الأوروبي على أشده، نحو المشرق العربي عامة ودمشق خاصة، استغلت السلطنة أهمية الطرق للنقل التجاري الأوروبي وطلبت من الأوروبيين، أن يصلحوا بعض الطرقات وأن يدفعوا كلفة إصلاحها، إذ كانت الطرق مهمّة لأوروبا.

كانت الدواب قبل ذلك، هي الوسيلة الوحيدة للنقل؛ فالعربة لم تدخل دمشق حتى حملتها إليها إنكلترا بواسطة سفيرها في استنبول، ومنها إلى أنحاء السلطنة.

لقد حدث التغير التاريخي الرئيسي على طرق المواصلات، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وذلك بسبب الضغط الأوروبي من جهة خدمة لتجارتهم وتسهيلاً لها، وبتوجيه من الإدارة العثمانية من جهة أخرى، بحكم الإصلاحات والتنظيمات العثمانية. ويلاحظ المرءُ في الفترة المدروسة أن السلطنة عملت لربط المشرق العربي بالتطورات العالمية التي كان لها تأثير على المنطقة، حيث ستجني السلطنة فوائدها، على عكس ما هو معروف عن أنها عزلت العالم العربي عن التطورات العالمية. لذلك كان من الضروري الاهتمام بتحسين طرق المواصلات وإصلاحها، ونصب الجسور، وتمديد خطوط الترامواي، والسكك الحديدية، والهاتف، والبرق، وتنظيم البريد من دمشق وإليها، من مختلف المناطق، ومنح الامتيازات للشركات الأجنبية لتنفيذ مشاريع كهذه، لأن لهذه المشاريع أثراً اقتصادياً مهماً، حيث تربط الريف المجاور بالمدينة كما تربط المدينة بالمدن الكبرى في بلاد الشام واستنبول، وتسهل تبادل السلع والمنتوجات من وإلى الريف، ولوسائط النقل الحديثة أثر أمني اهتمت به الإدارة العثمانية للمحافظة على الطريق البري المؤدي إلى الحجاز والأماكن المقدسة، ووصول قافلة الحج بيسر وسهولة دون التعرض لاعتداءات البدو وغيرهم، كما إن وسائط النقل الحديثة تؤمِّن وصول النجدات العسكرية عند اندلاع أعمال عنف أو ثورات ضد العثمانيين، في المناطق البعيدة عن العاصمة كحوران والحجاز الواقعة على الخط الحديدي الحجازي.

الفصل الرابع

الإنجازات العمرانية في عهد الولاة العثمانيين

في الفترة المدروسة 1876- 1908م.

1- ولاة دمشق في الفترة المدروسة وأعمالهم العمرانية.

2- الدور الدمشقية الكبرى في فترة الدراسة.

3- إعادة بناء الجامع الأموي قمة النبوغ المعماري الدمشقي.

1311هـ, 1320هـ, 1890م، 1899م.

1- الانجازات العمرانية في عهد الولاة العثمانيين

في الفترة المدروسة 1876-1908 م.([899])

– أحمد جودت باشا                                   1295هـ/1876 م

– أحمد مدحت باشا          1295 هـ- 1297هـ/1876 م- 1878 م

– أحمد حمدي باشا         1297 هـ- 1303 هـ/ 1878 م- 1884م  الولاية الثانية

– راشد ناشد باشا          1303 هـ – 1305 هـ/1884 م – 1886م  الولاية الثانية

– نظيف باشا            1305 هـ – 1307هـ/1886م- 1888م  الولاية الثانية

– المشير مصطفى عاصم   1307هـ – 1309 هـ/1888م-  1890م

– عثمان نوري باشا            1308هـ- 1309هـ/1991م – 1892 م  الولاية الأولى

1313 هـ/1896 م الولاية الثانية

– شريف رؤوف باشا        1309 هـ – 1311هـ/1890 م – 1892 م.

– الحاج حسن رفيق باشا    1312 هـ – 1313هـ/1893م – 1894م.

– حسين ناظم باشا            1313 هـ – 1325هـ/1894م – 1906م.

– شكري باشا                   1325هـ – 1327هـ/1906م – 1908م.

– حسين ناظم باشا           1327هـ- 1328هـ / 1908م – 1909م.

في أول ولاية حسين ناظم باشا الثانية خلع السلطان عبد الحميد الثاني. وحكم دمشق بعده تسعة ولاة كان آخرهم رأفت بك الذي غادر دمشق، مع الجيش العثماني، يوم 22 ذي الحجة 1336هـ/1916م. وانتهى بذلك الحكم العثماني لسورية.

وقد امتدت دمشق، عمرانياً، إلى الضواحي، خلال تلك الفترة، نتيجة اهتمام بعض الولاة العثمانيين الذين تولوا دمشق في النصف الثاني للقرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وتركوا أثراً طيباً في نفوس أهل دمشق ومؤرخيها.

فقد كانت السلطنة تعين الوالي وتعطيه صلاحيات واسعة لتسيير شؤون الولاية، وتطلب منه القيام بأعمال أساسية لخدمة الإدارة العثمانية، وتحسين صورتها أمام الناس، وتُرفق ذلك كلّما اقتضى الأمر بأوامر سلطانية ترسل إلى عمالها وولاتها وإلى قاضي دمشق أو حلب لشرح بعض القضايا وتفصيلها حتى يُعْمَل بها على الوجه الأمثل.

توسعت دمشق في تلك الفترة، كما أسلفنا، وضمت إليها أراضي وبساتين الضواحي المجاورة، خاصة ناحية الشمال والغرب (الصالحية والمهاجرين(*)). وفرزت الأراضي وأعطيت الأوامر بخصوص إعطاء السندات العقارية (الطابو)، بعد استيفاء رسوماتها عن العقارات المباعة في الشام وقراها. نقرأ في إحدى الوثائق:

“بناء للبلاغ الصادر عن مجلس إدارة ولاية سورية المتضمن إجراءات العقارات المشتراة بالحجج الشرعية، في سائر القرى والقصبات، واستيفاء الضريبة الواجبة، وإيداعها بصندوق الخزينة، ليتسنى بعد ذلك، إعطاء المستندات العقارية لأصحابها، وليتمَّ فيما بعد، ما يقتضي الأمر، لدى المحاكم الشرعية حول بعض المنازعات التي تقع بين أصحابها، فيجب اتخاذ الطرق السليمة عند شراء العقارات، ودفع ما يترتب، عملاً بالنظام، حيث تدوَّن في الدفتر الخاقاني مع إبلاغ نائب تحرير الأملاك، لإحالته بدوره، إلى المأمورين المتصرفين لتبليغهم ذلك. وأمر الفرمان منوط بكم”([900]).

كما نلاحظ من الأمر السلطاني، فإن هناك سندات طابو عند شراء كل عقار بموجب حجج شرعية من دمشق ونواحيها، مع التشديد على دفع الضريبة الواجبة التي تودع في صندوق الخزينة. فهي مؤشر على التوسع العمراني وبيع وشراء العقارات، وفرزها بغاية البناء والتنظيم. ولهذا الغرض، قُسمت وفرزت أراضي غرب الصالحية (المهاجرين). نقرأ في إحدى الوثائق:

“ادعى خليل شكري المقيم بمحلة المهاجرين بالشام، أن من الجاري بملك المدعي سند طابو به دار وقطعة أرض بجانبها دكانتين بمحلة الصالحية، بحارة المهاجريـن بالشـام. يحدها شرقاً الطريـق والباب، وغرباً عرصـات مقسومة للمهاجرين، وشمالاً كذلك وجنوباً الطريق. وأنه في السنة الماضية، حضر مدير الدفتر الخاقاني مع مهندس البلدية، لأجل تخطيط الطرقات، وقيّد الأراضي المملوكة لأصحابها ببدل المثل”([901]).

وفي القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين، أنشئت كثير من المشاريع العمرانية العامة في مدينة دمشق، وقد قام بها بعض الولاة، حيث توسعت المدينة ونظمت أحوال الناس، فيها وأخذ يبدو فيها الطراز العمراني القديم، إلى جانب الحديث الذي أخـذ يفد إليها من الغرب وأبـرز هؤلاء الولاة في الفترة المدروسة(*):

1 – الوالي أحمد جودت باشا([902]): 1295 هـ/1876 م .

وهو من كبار العلماء ومؤسس النهضة العلمية في دمشق، التي ظهرت بعد رحيله 1876 م. فقد شجع على بث روح العلم الاختياري وأسّس الكثير من مدارس دمشق. وكان هو نفسه من كبار العلماء، وله أياد بيضاء على النهضة العلمية في المدينة.

وذكرت مخطوطة سلاطين آل عثمان، أن الوالي أحمد جودت باشا كان والياً وقام بأعمال جليلة في الوفاق بين أركان الحكم. وقدَّر له ذلك الخليفة السلطان عبد الحميد الثاني :”في هذه السنة، هرب من دار الخلافة، أحمد باشا ابن علي الصغير، فأرسل إليه أمير المؤمنين الوزير أحمد جودت باشا والي الشام، وطائفة من عساكره، ثم إن جودت باشا استماله فرجع للطاعة، وعفا عنه أميـر المؤمنين ورجع إلى دار الخلافة عام 1295 هـ/1876م”([903]).

حكم الوالي أحمد جودت باشا ولاية دمشق مدة تسعة أشهر وثلاثة أيام([904]).

2- الوالي مدحت باشا:

تولى ولاية دمشق من عام 1295هـ – 1297هـ/1876م – 1878م. وكانت مدة ولايته سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام([905]). وهو أحد مؤسسي القانون الأساسي، وحركة الحكم الشوري المبني على قاعدة المساواة. لقد ولي دمشق، فترك بها من الآثار الشاهدة في الإصلاح والعمران، ما يذكّر به إلى اليوم، بالإضافة إلى أياديه البيضاء في معظم نواحي الحياة العامة الدمشقية.

فقد بنى المدارس الحديثة، وشقَّ الطرق الجديدة، ووسَّع كثيراً من شوارع([906]) دمشق، وأنشأ السوق الشهيرة باسمه فيها، وجمَّل أطراف نهر بردى وطهّر مياهه من الأقذار المسببة للأمراض وأسس مكتب الصنائع([907])، ونظم دوائر العدل والشرطة والدرك، وشجَّع تشكيل المقاصد الخيرية في دمشق وطرابلس وبيروت، وشهد عهده تعاون المسلمين والمسيحيين لتأسيس غرفة تجارة دمشق، وتأسيس قصرٍ للبورصة في بيروت، ونشّط الصناعة والزراعة، ونشر الحرية الشخصية، ولقن الحكام والمحكومين درساً في الوطنية والشعور بالواجب. لذا يمكن وصفه بحق بأنه مصلح عثماني قدير، وأنه محب للعرب، مقرب لهم لمعرفته أحوال بلادهم، ولأهمية هذا الوالي الذي كانت له أفضال في مناطق أخرى غير دمشق، فقد سميت إحدى محلات مدينة سيلانيك (اليونانية) باسمه، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“….المصونة الغائبة عن دمشق وأعمالها والمقيمة بمحلة (مدحت باشا جادة سي أحد محلات مدينة سيلانيك”([908]).

وهناك السوق المسمى باسمه في مدينة دمشق /سوق مدحت باشا/ الذي يمتد من باب الجابية إلى البزورية. وكان يعرف بسوق جقمق، وهو جزء من الشارع المستقيم المفتوح في العهد الروماني، حيث قام بتوسيعه، بعد أن أشعل النار عمداً، في الدور السكنية لإخلائها ([909]).

3-  أحمد حمدي باشا :

تولى دمشق مرتين. الأولى 1872م – 1874م/ والثانية/1878م – 1884م([910]).

عرف بنشاطه في نشر المعارف وتنفيذ الإصلاح وتوطيد أركان الأمن في حواضر الولاية ([911]).

4- الوالي راشد ناشد باشا:

تولى دمشق مرتين. الأولى: عام1293هـ – 1294هـ/1874م- 1875م. والثانية: 1303هـ – 1305هـ/1884م – 1886م. ويصفه المؤرخون بالطماع”حيث إن طمعه أفسد مزاياه الإدارية”. دامت ولايته سنتين ونصف السنة تقريباً، وأدَّى به طمعه إلى امتداد يده وعينه إلى ما في أيدي الناس([912]) فكثرت الرشوة في زمانه. أقام في مدينة دمشق فترة ولايته([913]) وقد فُصلت بيروت عن دمشق وتشكلت منها ولاية مستقلة لكثرة التدخلات([914]) الأجنبية فيها. وفي آخر ولايته، فُتح سوق الحميدية(*)، نسبة إلى السلطان عبد الحميد الثاني. وقد أنشئ هذا السوق على مراحل متباعدة. وهو يمتد من الباب الغربي للجامع الأموي المعروف بباب البريد، إلى باب دائرة المشيرية غرباً. ولم يكن لهذا السوق، نظير بعموم البلدان، وقد سقف على طراز سقف مدخل باب الجامع الأموي الغربي المسمى (الزلحفة)([915]).بني هذا السوق بدلاً من سوق الأروام، فوق الخندق الجنوبي للقلعة، من الغرب إلى الشرق، بين باب النصر وباب البريد. وتم ذلك على مرحلتين([916]):

1- المرحلة الأولى: بني فيها القسم الغربي الممتد من باب النصر، عند المدخل الغربي لسوق الحميدية الحالي، وسوق العصرونية أيام والي دمشق محمد باشا العظم، في عهد السلطان عبد الحميد الأول. وكان ذلك عام 1195هـ/1780م. وعرف هذا السوق باسم السوق الجديدة([917]).

2- المرحلة الثانية: بني فيها القسم الشرقي الثاني الممتد من سوق العصرونية حتى باب البريد، سنة 1303هـ – 1305هـ /1884مـ 1886م. أيام الوالي راشد ناشد باشا، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني. وهذا ما يُفسر إطلاق اسم سوق الحميدية على القسمين معاً. (مع أسباب ما ذكر سابقاً).

ويصفه الزوار من الأجانب و السّيّاح بأنه أهم أسواق العالم جمالاً. بل يمكن القول إنه لا مثيل له في العالم. ويبدو كأنه معرض دائم، يستدرج الزائر إلى داخله، متأملاً في جمال البضائع الدمشقية المعروضة.

وذكرت  الوثائق حول توسيع سوق الحميدية، ما يلي :

“الدار باطن(*) دمشق، بمحلة باب البريد، بدخلة الرملي التي أزيلت وصارت طريقاً سـلطانياً بأمر الحكومة السـنية. وهُدمت وأُخذ أكثرها، وأُضيف إلى الطريق”([918])

ونقرأ في وثيقة أخرى :

“…جميع الدكان الكائنة بسوق الأروام التي هُدمت قبل تاريخه، مع السوق المذكورة بأمر الحكومة السنية، وضُم إليها جانب من الخندق”([919]).

المقصود هنا خندق قلعة دمشق المجاورة للسوق. وقد عثرنا على إحدى الوثائق التي تشرح أحوال الدكاكين، وكيفية استملاك أخرى، عوضاً عنها، عند توسيع السوق الجديد (الحميدية)([920]) ونقرأ فيها ما يلي:

“إنه لما كانت الدكاكين التي عددها (63) دكاناً، في الصف الشمالي من سوق الجديد بدمشق الشام وأرضها وبناؤها وقف المرحوم محمد باشا عظم زاده، وكدكها جارية في ملك أربابها، فقد صدر الأمر بتوسيع الطريق، ودعت الحاجة لاستملاك وأخذ الدكاكين المذكورات، وفقاً لقانون استملاك الأملاك الهمايونية. وبمقتضى الأمر، أخذ الدكاكين المذكورات بالكلية، ولم يبق لها أثر. واشترى أرباب الكدكات ما وراء الدكاكين من خندق القلعة، من مأمور المجلس البلدي، وأخذ المأمور من أرباب الكدكات، مبلغاً معلوماً عوضاً عن أرض وبناء الثلاث وستين دكاناً المذكورات. وصار هذا بتمامه لناظري الوقف المذكور، عوضاً عن أرض وبناء الدكاكين”.

“باع المجلس البلدي بالشراء الشرعي من جانب العسكرية، ما هو جار من خندق قلعة دمشق الشام، بموجب سندات الطابو السابقة، وذلك جميع قطعة الأرض الكائنة داخل خندق قلعة دمشق بالصف الشمالي، بالنسبة للسوق المذكور، الخالية من البناء التي مساحتها 282 ذراعاً وعشرة قراريط من أصل 24 قيراطاً من الذراع التربيعية بالذراع الاسلامبولي”(*).([921])

وهكذا، فالوثائق واضحة، حيث تمَّ هدم السوق القديم، وبيع قسم من أراضي خندق قلعة دمشق التابع للعسكرية، لبناء دكاكين جديدة مع احتفاظ ناظري الوقف بحقهم بالإشراف عليه(**):

وقد أنشئ في تلك الفترة، المكتب الإعدادي الليلي. نقرأ في إحدى الوثائق:

“محمد صادق بك قائممقام طبيب مكتب إعدادية دمشق الشام.. حسن أغا يوزباشي الداخلية في مكتب الإعدادية في دمشق الشام”([922]). أي مدرسة الإعدادية الليلية (أي داخلية) أحدهم طبيب، والآخر يوزباشي (مشرف) الداخلية.

5- الوالي عثمان نوري باشا

تولى ولاية دمشق مرتين الأولى 1308هـ – 1309هـ([923])/1891م – 1892م والثانية عام 1313هـ/1896م. قبل مجيء الوالي حسين ناظم باشا مباشرة. وقد ذكرته الوثائق، إذْ نقرأ في إحداها:

“توجه صاحب الفضيلة باشكاتب محاكم شرعية دمشق الشام، إلى دار حضرت الدستور الوقور، والوزير الأفخم، والمشير المعظم، صاحب الدولة والإقبال، الحاج عثمان نوري باشا والي ولايت سورية الجليلة حالياً، أدام الله تعالى إقباله الكائنة بصالحية دمشق لأجل سماع…”([924])

وقد اهتم عثمان نوري باشا بقضايا الجند وأفراد الإدارة العثمانية، حيث كان القاضي يتوجه بأمر منه للبت في القضايا التي تخص العسكريين، أو ممن كان في سلك الإدارة العثمانية. نقرأ في إحدى الوثائق:

“السيد علي الكيلاني المعيَّن من طرف حضرة مشير باشا المعظم حالاً دولتلو عثمان نوري باشا..”([925])

وسميت بدمشق جادة(*) باسمه، تمتد بين العفيف والجسر الأبيض. وكانت هذه الجادة تُعرف في العهد العثماني، باسم (طريق الدواسة) فلما بُدئ بعمارتها أواخر القرن التاسع عشر، سميت بجادة نوري باشا، نسبة إلى أول من بنى بها داراً. والواقع فإن البناء كان بمنزلة(**) القصر آنذاك. ونقرأ له وصفاً في هذه الوثيقة:

“ادعى يحيى الحراشة والسيد أحمد حشيش من محلة القيمرية، الناظران على وقف جدهما، على حضرة صاحب السعادة، عثمان نوري باشا المشار إليه ابن عبده الأستانة لي، الحاضر معهم بالمجلس…خلاصة الدعوى: بأن من الجاري في وقف جدهما، جميع بياض وقرار المقسم من جميع الجنينة الكائنة في أرض صالحية دمشق، بالطريق السلطاني، تجاه حمام العفيف. وتعرف بجنينة المشوسي الحاملة لغراس أشجار فواكه متنوعة، نصفها للوقف ونصفها للمدعى عليه. إن هذا المدعى عليه عمّر وبنى في أرض المقسم المذكور، عمارة مشتملة على ساحة جديدة، بها بركة ماء ناهدة ومرتفق جديد وأوجاق جديد، وبجانب المطبخ المذكور أودتين(***) جديدتين، وثلاث أود من الجهة القبلية وغسل خانة ومرتفق وأودة صغيرة وإيوان صغير بعقد قبو يصل إليه بسلم حجر، وباب يدخل منه إلى جنينة بها بركة ماء ناهدة وأشجار فواكه متنوعة التي غرسها المدعى عليه، يجري إليها الماء من دمنة جديدة، ويعلو القبو من السلم الحجري الذي هو داخل الإيوان القبلي وبرأس السلم الحجر المذكور، ومنافع وحقوق شرعية، وطرق شرعية وثلاث أبواب، الأول يدخل منه إلى الجنينة من الطريق السلطاني، والثاني كذلك إلى ساحة الدار والباب الثالث من الجهة الشمالية من الدخلة غير نافذة، يدخل منه إلى واخور معد لربط الدواب به أودتين وبركة ماء صغيرة تجري إليها الماء من فائض بركة الدار. كل ذلك جديد من الأساس إلى الراس..

الحكم: بصحة ثبوت ملكية المدعى عليه المشار إليه. ويتصرف بنصف الحصة كما يشاء..”([926]).

وقد نزل في هذا القصر الأمير فيصل بن الحسين عام1918م. وفي العهد الفرنسي صار مقراً للمندوب السامي الفرنسي. وأخيراً وبعد الجلاء، اتخذته السفارة الفرنسية مقراً لها، بعد إحداث تعديلات جوهرية عليه. (هذا ما تبين لنا بعد الدراسة الدقيقة).

وتحدثت الوثائق عن غنى الوالي عثمان نوري باشا والي دمشق، وغنى عائلته. ومنهم زوجته. نقرأ عن ذلك في إحدى الوثائق مايلي:

“حضر إلى دار صاحب الدولة الحاج عثمان نوري باشا، لإجراء الوكالة الآتي ذكرها… حضرت لديه السيدة فاطمة كريمة علي باشا والي ولاية طرابلس الغرب سابقاً، حرم حضرة دولتلو نوري باشا المشار إليه.. المتوطن جميعهم بدار الوالي باشا، ووكلت عنها لطفي عبد الله أحد تجار (طربزان) المقيم الآن في دار الخلافة العلية، لينوب عنها ويقوم مقامها في بيع ما هو جار في ملكها، وآيل إليها بالطريق الشرعي. وذلك جميع الحصة الشائعة ومقدارها اثنا عشر قيراطاً من أصل 24 قيراطاً من جميع البابور(*) المعروف والمشهور ببابور عبد الله”([927]).

وتولى ابنه مصطفى بك مناصب عدة، على درجة عالية من الأهمية. نقرأ في إحدى الوثائق:

“محروسة شام شريف بقدة صالحية جادة سندة مقيم أوردي لهمايون أركان حربية دائرة سي برنجي شعبة سندة مستخدم قائممقام عزتلو مصطفى بك ابن المرحوم عثمان نوري باشا والي ولايت سورية”([928]).

نلاحظ من الوثيقة المكتوبة باللغة العثمانية آنذاك ذِكْرها أن مصطفى ابن عثمان نوري باشا والي ولاية سورية الساكن جادة صالحية دمشق، ويعمل قائممقام أركان دائرة الحربية الهمايوني. ثم تولى قومندان الأوردي الخامس الهمايوني. نقرأ في إحدى الوثائق:

“مفتي آلاي المعين من قبل صاحب العطوفة مصطفى نوري باشا قومندان الأوردي الخامس الجليل الهمايوني..”([929]).

وهكذا نلاحظ من تاريخ الوثائق، أن ابن الوالي عثمان نوري باشا قد تبوأ مراكز إدارية مهمة في تلك المرحلة.

6- الوالي شريف رؤوف باشا:

في عهد الوالي شريف رؤوف باشا الذي تولى ولاية دمشق من عام 1309هـ إلى 1311هـ/1890م – 1892 م، تجدَّد إعمار سوق مدحت باشا 1308هـ/1889م. الذي يبدأ أوله من باب الجابية، تجاه منارة جامع سيباي الواقع أول سوق الدرويشية، وآخره يتّصل بأول سوق مئذنة الشحم الممتد من محلة النصارى، بالطريق الموصل إلى الباب الشرقي في مدينة دمشق القديمة، على طراز ونمط سوق الحميدية، وكان قبلاً يسمى السوق الطويل. ويوجد في بداية هذا السوق، حمام يدعى حمام المرادنية الذي كان يعتبر من أجمل وأهم حمامات دمشق القديمة([930]). وفي أيامه احترق الجامع الأموي، ذلك الحدث المهم الذي ذكره كثير من المؤرخين. وكان ذلك في عام1311هـ/1892م. (وسنذكر ذلك بشيء من التفصيل لأهميته).

وفي ولاية الوالي المذكور (شريف رؤوف باشا) شُيَّد معهد المعلمين لتخريج معلمي المدارس الحكومية، حيث انتشروا في مدارس دمشق، بعد تخرجهم وعلَّموا معظم العلوم. ونعتقد أن بناء المعهد هو البناء الذي تشغله وزارة السياحة اليوم. وكان معهداً للمعلمين ثم معهداً للحقوق ثم مبنى لوزارة التربية.

نقرأ في إحدى الوثائق:

“حضر حيدر أفندي، معلم التاريخ في مكتب الإعداد العسكري، من سكان سوق ساروجة، ووكَّل وأناب عنه صالح أفندي… وعرّف به كل من صبري يوزباشي معلم الرياضيات في مكتب الرشدية العسكري و….”([931]).

وفي أيامه، مدت سكة حديد بين المزريب ودمشق، ثم بين بيروت ودمشق. نقرأ في إحدى الوثائق:

“…. بخصوص إرثها من تركة والدها، فإنها استوفت حقها بخصوص البستان الكائن في أرض الربوة التابعة لأراضي صالحية دمشق، ويعرف ببستان المأذنة، والجنينة التي فُصلت منه مثلاً مرور طريق الكروسة(*) والمنقسمة تلك الجنينة قسمين بسبب مرور طريق السكة الحديدية الموصلة إلى بيروت، في ذلك وقف جدهم حسن الحريري موقوفة على أولاده الذكور خاصة دون الإناث “([932]).

ثم في عام 1305هـ/1887م تجدد في دمشق طريق السكة الحديدية من دمشق إلى بيروت، وفي سنة 1309هـ/1890م. تشعبت منه طريق إلى المزريب في حوران([933]).

7- الوالي حسين ناظم باشا:

تولى دمشق([934]) من عام 1313هـ – 1325هـ/1894م – 1906م. ويُعُّد أطول الولاة عهداً، فقد استمرت ولايته اثنتي عشرة سنة، وعرف بميله للعمران. فقد نمت مدينة دمشق في أيامه، نمواً كبيراً نحو الغرب، بإنشاء حي المهاجرين، إذْ وزع الأراضي للبناء مجاناً، ووجه بضرورة العناية بها، وذلك بسبب كثرة الهواء العليل، مما دفع كثيراً من الموسرين للسكن في سفح جبل قاسيون([935]).

وبنى كذلك داراً للحكومة، ومشفى الغرباء. وبنى لنفسه داراً عظيمة (القصر الجمهوري القديم) حيث كانت داره قبلاً، مقراً للمفوضية العراقية. ففي إحدى الوثائق، نرى إشارة إلى داره هذه، في معرض تحديد الوثيقة لقطعة أرض.

تقول الوثيقة:

“….قطعة الأرض الملك الكائنة بالمحلة المرقومة (الصالحية)، بذيل قاسيون المحدودة قبلة الطريق السلطاني، وشرقاً دار صاحب الدولة والإقبال حسين ناظم باشا والي ولاية سورية الجليلة حالاً، وشمالاً دار بيد ورثة شهاب الدين باشا فريق فرقة الرديف سابقاً”([936])

ومن أعماله المهمة، تنظيم جلب مياه عين الفيجة إلى دمشق، مقسمة بنسب هندسية عادلة، على أحيائها”([937]).

“كان طول الالتزام مسافة عشرين كم في قساطل وجسور حديدية ووزع([938]) المياه على السبلان التي وضعت في الطريق، فأحيا دمشق وأحياءها الجديدة حيث جُلبت المياه بنسبة هندسية بحيث لا يحرم منها قريب ولا بعيد، فقير ولا غني([939]). وكان عامة أهل دمشق سابقاً، يستخدمون المياه الملوثة من الأنهر، إلا طبقة الأغنياء منهم.

وفي سنة 1324هـ/1906م نهض أكارم رجالات دمشق، وبمساعدة وزيرها ناظم باشا، وجرت المباشرة والاشتغال بتخطيط وتعمير دملة (نفق) لأجل مد قسطل حديد، لاستيعاب أربعة آلا ف متر مكعب، يمتد من قلب نبع ماء عين الفيجة، إلى بركة المقاسم التي بدئ بعمارتها أيضاً، من العرصة التي اشتريت لأجلها والواقعة في محلة الصالحية، غَرْبَ جامع السكة المعروف بأبي نقالة (جامع العفيف) في محلة العفيف، يفصل بينهما الطريق السلطاني، ويوزع في البركة المذكورة إلى مئتين وخمسين حنفية حديد، من الطراز الحديث الذي اختُرع في البلاد المتمدنة. وبلغت صرفيات هذا المشروع (55 ألف ليرة ذهبية عثمانية). وقد استوردت الآلات والأدوات من المعامل الإفرنجية”([940]).

وربـط الوالي حسـين ناظم باشا دمشـق، بخط البرق الواصل إلى المدينة المنورة. وخلـد ذلك بنصـب تذكاري في سـاحة المرجة. وسقف أسـواق دمشـق بصفائح، لمنع سريان الحريق من جانب لآخر، ووزع الأراضي بأطـراف الولاية، على طوائـف المهاجـرين المسـلمين. وأنشأ القرى لإيوائهم([941]).

وكان له دور بمسـاندة حقـوق طائفـة الروم الأرثوذكس في الشـام، لكي يكون لهم بطريـرك عربي وطني، فتحقق لهـم ذلك، وأعيدت حقوقهم إليهـم. كما بنى الثكنـة السـلطانية العسـكرية الحميديـة التي تشغلها اليوم بعض كليات جامعـة دمشـق في البرامكـة.

ونقرأ في الأمر السلطاني مايلي:

“إنّ الثكنـة(*) العسـكرية المـراد بناؤها، المباشر به، المجاور للقشلة الهمايونيـة المخصصـة للمشـاة بسـتان كبيـر وبسـاتين (جمـال بـك) بحق الشـفعة به للجهـة العسكريـة ولوجـود هـذا وفيما يكـون التصرف للجهـة العسـكرية يمكن النظـر في إيجابـه من عائدات الحـرمين الشريفين للأجـرة الواقعـة.. ولا يسـمح في هذه البساتين البيـع للآخرين أو إقامة إنشـاءات حتى تسـتكمل الأسـباب”([942]).

وفي أمر آخر، في العام التالي، يؤكد على ذلك، إذ نقرأ في الأمر السلطاني مايلي:

“إن بناء الثكنة العسكرية للمشاة، والأراضي المجاورة لها من البستان الكبير وبساتين جمال بك، وحق شفعة للجهة العسكرية لا يسمح بإقامة بناء مجاور لها، إلا بعد إعلام أمر الإنشاء إلى الجهات العسكرية.. علماً بأن كافة البساتين المجاورة للثكنة العسكرية هي من الأراضي المرقومة، ولا يحق لأصحابها إقامة مبان عليها، إلا بعد إعلام الجهة العسكرية، قبل المباشرة بالبناء أو البيع، وتبليغ ذلك إلى مديرية الدفتر الخاقاني/الطابو”([943]).

وبخصوص أراضي البرامكة، أوقاف المرحوم عثمان الكيواني، واستملاكها من جهة الحكومة، وإنشاء مشاريع جديدة فوقها، نقرأ في الوثيقة مايلي:

“لما كانت جميع أراضي الجنينة الكائنة خارج دمشق، بأراضي القينية والحمرية التابعة لثُمن القنوات بموقع البرامكة المعروفة بجنينة الحلبي، جارية في وقف المرحوم إبراهيم الكيواني والجارية قيمتها بملك الحكومة السنية، بطريق الشراء لجانب الدولة ومن مال شركة طريق (الشمندوفير) الممتد من بيروت للشام وحوران لأجل مرور عربات الشركة المذكورة، والانتفاع بأرضها بالمدة المعطاة للشركة، عندها حضر المفوض العام من قبل الشركة لإجراء معاملاتها، والأجرة الآتي ذكرها تدفع لجهة الوقف من قبل الشركة من مال عائداتها، لمدة عقدين كل عقد ثلاثة سنوات، بأجرة قدرها عن كل سنة 600 قرشاً عملة بندر الشام، مقبوض ذلك بيد النظار المؤجرين من مال المستأجر من مال الشركة”([944]).

وقد أنشئ خط للترام الكهربائي في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، كما ذكرنا، ومدَّت خطوطه من المرجة قرب دار الحكومة والبلدية، إلى محلة الصالحية والمهاجرين، وفتحت الجادة الرشادية النافذة من جانب محطة الحجاز إلى باب السريجة، وهي شارع خالد بن الوليد اليوم ([945]). نقرأ في الوثيقة مايلي:

“المدعى عليه الموسيو (السيد) ميسون مدير شركة الترام والالكتريق (الكهرباء) في دمشق ومن تبعة دولة بلجيكية..وخلاصة أن نهر تورا المعروف بالشام هو من الأنهار المملوكة، وأن المدعى عليه قد خرب حرم النهر المذكور عند الجسر الأبيض من صالحيه دمشق بقصد أن ينشئ على النهر المذكور جسراً لمصالح الشركة المذكورة التي هي في إدارته”([946]).

وسنتحدث بشيء من التفصيل عن أهم المشاريع العمرانية التي نفذت في مدينة دمشق أثناء فترة ولاية حسين ناظم باشا.

أولاً: السرايا الجديدة(*):

شُيّدت هذه السّرايا بجوار مبنى البلدية، من ناحية الغرب، وعلى الضفة الجنوبية لنهر بردى سنة (1900م)، وذلك على طراز البناء الأوروبي، مع مسحة إغريقية يونانية قديمة، تتميز بالسقف الهرمي (الجملون) والذي يحوي شعار الحكومة العربية. وكان قبلاً، يحوي شعار الدولة العثمانية (الهلال والنجمة) الذي يعلوها. وقد تعددت تسمياتها، فعرفت بالسرايا الجديدة (بديلاً عن سرايا الحكم التي وجد مكانها مبنى العابد فيما بعد) وسميت سرايا الحكومة، ودار الحكومة، والسراي أو السرايا)([947]).

جعل الولاة العثمانيون هذه السرايا مقراً لحكمهم، ثم صارت داراً للحكومة العربية، إبان العهد الفيصلي وأيام الانتداب الافرنسي بعده. كما اتخذت مقراً لرئاسة مجلس الوزراء، بعد الجلاء سنة 1946. وهي حالياً مقر لوزارة الداخلية.

ينتصب عند المدخل الرئيسي، وفي منتصف الحديقة المنظمة أمامه، عمود تذكاري يؤرخ لمرور ربع قرن على جلوس السلطان عبد الحميد الثاني، فوق عرشه. وتشير الكتابة المنقوشة فوقه إلى سنة (1318هـ/1900م). والملاحظ أن القسم العلوي للنصب، مسطح، كما لو كان مهيّأ لاستقبال نموذج أو تمثال على غرار النصب التذكاري للاتصالات البرقية، بين دمشق والمدينة المنورة، في ساحة المرجة، والذي يعلوه نموذج دقيق لجامع يلدز([948]).

ثانياً: مبنى مستشفى الغربا ( الوطني):

تم تشييدُ هذا المبنى في 18 آذار 1899، ضمن الأراضي التي تشغلها (مقابر الصوفية)، وبملاصقة بستان الأعجام من جهة الغرب، وفي منطقة (الشرف الأدنى). وقد بُني بديلاً عن البيمارستان، لمعالجة الفقراء والأغراب. ومن هنا كانت تسميته بـ (مستشفى الغربا). وبلغت تكاليف البناء ما ينوف عن (800 ألف درهم)، كما بنيت عند مدخله، بركة ماء (تبرع بنفقتها رئيس المجلس الطبي العسكري الفريق عثمان باشا، من ماله الخاص، صدقةً عن روح ابنته. ولقد درست قبور كثيرة في موضع إقامة المستشفى، عدا قبر الشيخ ابن تيمية، وقبر تلميذه ابن كثير الدمشقي، القائمين في وسط مبنى كلية طب الأسنان.

عرف هذا المستشفى في أوائل عهده، باسم المستشفى السلطاني أو الحميدي، ثم مستشفى الغربا، ثم صار اسمه في عهد الحكومة              العربية 1918- 1920م، المستشفى الوطني.([949]).

ثالثاً: مدرسة الطب:

أنشأ الوالي حسين ناظم باشا، أيام ولايته الأولى، أول مدرسة للطب تؤسس في دمشق، في العهد العثماني. فقد صدرت أوامر الإرادة السلطانية (عبد الحميد الثاني) 1901 م، بإنشائها باسم مدرسة الحياة. وعهد إلى اللواء الطبيب فيضي باشا بتنظيمها، وعيَّن لها أساتذة من الأستانة يدرسون فيها باللغة التركية. وكان أول مقر لها مبنى (زيوار باشا) الكائن بين ساحة عرنوس والمستشفى الايطالي، سنة 1909م (هدم هذا البناء نهاية عام 1985م). واستمرت فيه حتى نهاية عام 1913م أيام الوالي عارف بك المارديني، حيث نقلت إلى المبنى الجديد المشيّد خلف مستشفى الغربا (الوطني) ضمن حديقته، وتم تنظيمها منذ ذلك الوقت، وصارت تسميتها (مكتب الطب). وفي عام1915م إبان الحرب العالمية الأولى، نقل مكتب الطب هذا إلى بيروت، وبقي فيها حتى نهاية الحرب التي كانت تعرف في أيام السفربرلك بـ(النفير العام)([950]).

رابعاً: الثكنة الحميدية(*):

تعرف هذه الثكنة([951]) أيضاً، باسم (القشلة الحميدية). وذكر المنجد أن الثكنة شيدت أيام الولاية الأولى لحسين ناظم باشا 1895م- 1907م، في عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي أمر ببنائها لتكون جامعة. إلا أن الظروف حالت دون ذلك، فصارت تستعمل ثكنة عسكرية عثمانية، ينام ويُطعم فيها أفراد الجيش الخامس العثماني المتمركز في مدينة دمشق. وقد استعملت في بنائها، أعداد كبيرة من حجارة قلعة دمشق. وجاءت على طراز فن العمارة الأوروبية المحض. ثم صارت مقراً لحامية دمشق من القوات المغربية (المغاربة) التابعة للجيش الفرنسي، منذ بداية الاحتلال 1920م. واستمرت هكذا حتى الجلاء عام1946 م، حين نقلت إليها معاهد الجامعة السورية التي كانت موزعة بين التكية السليمانية وغيرها([952]).

كان عمران مدينة دمشق عفوياً، خضع للمحور الاجتماعي(الديني – التجاري) المتمثل في طريق الحج، وللمحور السياسي(الهجرة) ولتيار الإصلاح (مبانٍ إدارية، مستشفيات). وكان السكن الذي شكل معظم هذا المظهر العمراني، يتراوح بين المنازل الضخمة والمتوسطة. وكلها منفتحة نحو الداخل، مغلقة نحو الخارج. قبل أن تتأثر بعمارة الغرب، أواخر القرن التاسع عشر، حيث أخذت أساليب العمارة الأوروبية تغزو المدينة، فكانت المباني تقام وفقاً لأساليب العمارة الأوروبية، فتغيَّر طابع المدينة، وتغيَّرت معالمها، ففقدت شخصيتها المميزة.

وأخيراً لابد من كلمة حق، وهي أن بعض ولاة دمشق العثمانيين الذين تولوا مسؤولية المدينة العريقة، شعروا بضرورة تقديم بعض الشكر والعرفان لها ولأهلها الأكارم، فتركوا بصمات عمرانية كبيرة، وتنظيماً مميَّزاً في بناء القصور الفخمة، وتحسين الطرقات وإقامة الضواحي الجديدة، وإسكان كثير من المهاجرين المسلمين فيها، وتقديم العون لهم. ولا تزال بعض هذه الآثار ماثلة لليوم تُذكّر بمن حكموا وكانوا كباراً ورحلوا.(*)

2- الدور الدمشقية الكبرى في فترة الدراسة:

أ – خصائص الدور الدمشقية:

إن عمارة الدور الدمشقية القديمة وتخطيطها، لا يختلفان كثيراً عن عمارة البيوت الدمشقية الحالية. لكن ضيق المساحة العقارية داخل المدينة القديمة، لم يترك مجالاً إلا لعدد قليل من البيوت، لأنْ تتطور تطوراً تاماً، فعدد الغرف والأواوين(*) أو حجم الدار، يضيق أو يتسع طبقاً للمساحة المتوفرة. لذلك فقد وجدنا أن البيوت المتكاملة في عناصر مخططها، موجودة خارج أسوار المدينة القديمة أو في المناطق الشرقية([953]).

وقد عثرنا في إحدى وثائق المحكمة الشرعية لمدينة دمشق، على وصف لمنزل دمشقي، مع بايكة ملاصقة له. ويقع البيت في محلة باب توما:

“الدار الكبيرة والبايكة الملاصقة لها الكائن ذلك بمحلة باب توما، تابع ثمن القيمرية بساحة الدوامنة، المشتمل كامل الدار المرقومة على ساحة سماوية بها بركة ماء ناهدة، يجري إليها الماء من الطالع القايم للبناء بالدار الصغيرة الملاصقة للدار المذكورة الجارية في ملك البائعين المرقومين، وإيوان ومربعين، على كتفيه قبليات ومطبخ شرقي، وداخله بيت مونه وبيت غدا وقبو وبيت مونة شمالية ومربعين شماليين وسلم حجر يصعد منه إلى فرنكه، وضمنها أود ترمي على الدهليز، وسلم حجر أيضاً بالجهة الشرقية، يصعد منه إلى فرنكتين ومنافع شرعية، والبايكة يشمل كاملها على جدر وسقف ومنافع شرعية وغير ذلك، ويحدها شرقاً خان الغزولي”([954]).

وما ميَّز الدور الدمشقية وجعلها غنية وعريقة هي مداخل وأبواب الدور، حيث ظهر في القرن الثامن عشر، طراز من الأبواب في دمشق، واضحٌ ومعبرٌ أكثر من أي مكان آخر؛ فقد ظهرت هذه النماذج في البيوت التي يعود إنشاؤها الى تلك المرحلة([955]).

لقد زيَّنت الأبواب تلك الأزقة والدروب. ولم يصل اليها التأثير الأوروبي، وذلك لما تتحلى به من الأُطر جميل وأشكال الورود المحفورة. وقد استمرت حتى منتصف القرن العشرين، حيث قضت عليها الأبواب المصنوعة على الطراز الأوروبي. ومازلنا نجد عليها مختلف أنواع المطارق، بدءاً بالحلقة الحديدية البسيطة، وانتهاءً بالمطرقة البرونزية المنزلة بالفضة.

وكان في مركز مدينة دمشق القديمة ووسطها، تسْع عشرة داراً من أصل الدور الثماني والعشرين الهامة فيها([956]).

وقد بنيت الدور بالحجر كما العادة، وتصل المياه لداخلها، وفيها حدائق واسعة وباحات سماوية وإسطبلات وغرف للمؤونة وغرف صيفية وأخرى شتوية وقاعات للحرملك وأخرى للسلاملك ولواوين(*). وتجاور هذه البيوت الأسواق، مما يسهل الوصول إليها. وهذا يدل على أن هناك صلة بينها وبين النشاطات الاقتصادية التي كانت تجري مجاورة لها([957]). وكانت تشبه في ذلك، البيوتات التجارية في المدن الأوروبية، في ذلك الوقت. وقد خلت الدور الدمشقية من العنبر أو السقيفة، وهي بحاجة لصيانة دائمة، بسبب الأمطار والثلوج، لكونِ كسوتها الخارجية من الطين([958]).

وكان الكانون”موقد النار الأساسي الذي يستخدم من أجل الطبخ، في الدور الدمشقية”وهو مكون من حاجزين من الطرفين، يبنيان من الآجر، ارتفاعهما 30 سم وعليه توضع قدور الطعام، وتوقد النار بالحطب وغيره([959]).

وطرأ على الدور الدمشقية تغيرات، لتزايد السكان والنفوس، مع الفقر وضيق الحال، والميل في هذه المرحلة، إلى الجديد وتقليد النموذج الغربي في البناء، الأمرُ الذي حرم الدور الدمشقية من تجدد الهواء، ووصول الماء إليها وإلى سائر المنافع، وفقدت الدور بهاءها من سعة وإبداع([960]).

ونجد القاياتي أثناء زيارته لدمشق، أواخر القرن التاسع عشر، قد لاحظ إنشاء بيوت حديثة، على النمط الأوروبي الغربي القادم من بيروت وغيرها من البلاد العربية التي تطورت فيها العمارة([961]). وهذه العمارات والدور بدأت من ساحة المرجة حتى منطقة الجسر الأبيض، ثم امتدت بعد ذلك، إلى جميع الجهات. وهناك صور فوتوغرافية كثيرة لهذه الأبنية.

وقد ظل ديوان الحسبة حتى أواخر القرن التاسع عشر، هو الذي يتولى في المدينة، كل ما له علاقة بالبناء والخدمات (طرق وصحية وغيرها) قبل أن تتولاها البلدية، في بداية القرن العشرين. وينتقد عبد العزيز العظمة عمل تلك البلديات بأنها تركت كل بانٍ يبني كيف شاء وبما يشاء من مواد البناء([962]).

ونظمت الإدارة العثمانية، إدارة البناء والعقارات. فقد عيَّنت مديراً للأبنية بدمشق، يراقب متانة البناء وطريقة الإنشاء، مع من يساعده من الموظفين، ويشرف على إزالة المخالفات في الأبنية، بناء على شكاوى الناس واحتجاجهم. وهذا ما وجدناه في هذه الوثيقة:”توجه رفعتلوا إسماعيل أفندي مدير الأبنية بدمشق للكشف والمعاينة على تربيع وتشبيك عمارة الدار([963])..”.

وفي وثيقة أخرى:

“توجه أحد كتاب الضبط لمحكمة الباب، إلى الدار الكائنة باطن دمشق، باب شرقي، بدخلة تحت القبو، للكشف على الحائط الواقع شمالي بالنسبة للدار المذكورة أعلاه، قبلي بالنسبة للفرن، ملك وقف آل الزرابيلي، فوجد أن الحائط المذكور مخالف…”([964]).

وفي وثيقة ادعاء كشف المنازل على بعضها، نتيجة بناء المخالفات، والطلب في حيثيات الدعوى تستير ذلك، نجد مايلي:”المدعي الحاج محمود عثمان الغفري من سكان محلة الشاغور، المدعى عليها الحرمة نرجس بنت الدادا من سكان المحلة المذكورة.. إن له جميع الدار في محلة الشاغور الجواني، بزقاق مصبغة الكيوان، بالقرب من المصبغة، تجاورها دار المدعية عليها. وأن مشرقة(*) دارها المحدودة أعلاه تكشف أن الغرفة الواقعة بدار المدعي المذكور تكشف دهليز دارها كذلك طالبتـه تستير ذلك وتراضى الطرفان بمنع الكشف وإزالته بالتراضي..”([965]).

يوجد في كل صحن دار دمشقية بحرة – بركة، تقام وسط الدار أو في زاوية ولها أشكال متعددة([966]). وقد اعتاد الدمشقيون تزيين الدور من داخلها، وإهمال زينة الجدران الخارجية، حيث كان لبناء الدور ثلاثة أهداف هي :

1- المحافظة على الدين والصحة.

2- مراعاة طبيعة المناخ.

3- مراعاة وجود المنافذ لدخول الهواء والنور، والإيوان والمشارق الواسعة، بعيداً عن أنظار الغريب والقريب على حد سواء.

تدخل الشمس صحن الدار حتى المساء، مع الهواء النقي، وتُساعد غزارة المياه الجارية، حُبَّ الدمشقيين للطهارة والنظافة، واعتيادهم على الكنس والشطف والرش مراراً كل يوم، بحيث يكون صحن الدار دائماً تام النظافة. وتغرس في الأحواض، على جوانب الدار، أشجار الليمون والنارنج و الكباد وغيرها وإلى جانبها أحواض الزهور والرياحين والياسمين ذات الأشكال والروائح الزكية([967]). وفي كتاب الروضة البهية، وصف لصحن الدار في البيوت الدمشقية، كما يلي:

“كل دارٍ، لا تخلو من وجود إيوان قبلي، وبه بركة ماء في منتصف دياره، يأتي إليها الماء ضمن قساطل فخار محكمة من مقاسم نهر القنوات وغيره، كل على حسبه. ولا بد من وجود برك الماء (البحرات) فيها لأجل التبريد أيام الحر والصيف. وما فاض عن البرك، يجري ضمن قساطل لقضاء الحاجة.. حيث يذهب ضمن قناة تتجمع بالنهر الكبير المسمى (نهر قليط)”([968]).

وتحدثت الوثائق حول الأعمال الاجتماعية بين الناس، مثل مشاريع المياه، حيث نقرأ أن المدعي له بذمة والد المدعى عليه مبلغ 527 قرشاً، حسب التفصيل الأتي:

1- 400 قرش لأجل تسليك وتنزيل سياق ماء مالح داره الكائنة في سوق القباقبية، على سياق ماء مالح دار المدعى عليه الكائنة بزقـاق الخضراء، قرب داره.. حيث إن سياق ماء مالح داره تغير إلى سياق آخر، ولم يسلك على سياق دار الأفندي المرحوم. وبقي المبلغ عنده وأقر له به وتوفي بعدها..”([969]).

كما نلاحظ فإن مدينة دمشق كانت منظمة من حيث المياه العذبة، وجرها في تلك الفترة إلى المنازل، وخروج المياه المالحة منها إلى مجارير خاصة وتسليكها حسب الأصول.

وكان في كل دار في دمشق، في تلك الفترة، بئر ماء عذب تستخرج مياهه إما بالدلو وإمّا  بالكبّاس. وبقيت هذه الآبار في الدور، بعد إدخال مياه الفيجة إليها، ثم ردمت وانقضى أثرها.

يدخل الماء إلى المدينة بأنابيب (قساطل) فخارية أو حديدية. وعندما تبلغ الأحياء في المقاسم (الطوالع) الكبيرة والصغيرة نسبة لاتساع الحي، تجري إلى الأحواض (البحرات) الموجودة في المدينة والدور والمساجد والحمامات والخانات والمعامل. وينظم ذلك مختص اسمه”الشاوي”([970]). وكان لها أكبر الأثر في تحسين صحة المواطنين. ولولاها لما أمكن إنشاء حي المهاجرين.

ب: الأبنية العمرانية الرسمية:

كانت دمشق مقسَّمة في تلك الفترة، إلى ثمانية أقسام إدارية عرفت بالأثمان وهي: ثمن القنوات وثمن العمارة وثمن القيمرية وثمن الشاغور وثمن الميدان التحتاني وثمن الميدان الفوقاني وثمن ساروجا وثمن الصالحية([971]).

وقسمت عام 1305هـ/1888م، في عهد الوالي نظيف باشا، إلى أربع بلديات، لكل منها رئيس، وذلك بهدف المنافسة في العمل. ويبدو أن رؤساء هذه البلديات اتفقوا فيما بينهم، ولم يحصل المراد في ذلك التقسيم، فاختصر فيما بعد إلى بلديتين فقط، وذلك في عهد الوالي شكري باشا سنة 1325 هـ / 1908م([972]).

وسنبدأ بذكر دار يوسف عنبر(*) التي تعدُّ اليوم، من أشهر الدور الدمشقية في فترة دراستنا. فقد جاء في وثيقة نادرة ما يلي:

“اشترى ناظر الإصلاح خانة بدمشق الشام، عزتلو مصطفى كامل بن عثمان الأستانة لي، وعمدة الأماجد الفخام، رئيس دائرة البلدية الأولى بدمشق عزتلو محمود بك، نجل المرحوم أحمد باشا بوظة، وقدوة الأماجد رئيس دائرة البلدية الثانية بدمشق الشام عزتلو محمود بك نجل المرحوم عمر أغا عابد زاده، وافتخار الأماجد الفخام رئيس دائرة البلدية الثالثة عزتلو السيد محمد كمال أفندي نجل المرحوم علي أفندي قدسي زاده، ورئيس دائرة البلدية الرابعة بدمشق الشام عزتلو جبران أفندي ولد الخواجة اسبر الحمصي، من مال صندوق الاصلاحخانة ومال صناديق دوائر البلدية الأربعة على حكم التفصيل، الآتي ذكره :

من ذلك ما اشتراه الاصلاحخانة(**) الموما إليه من مال صندوق الاصلاحخانة الحصة الشائعة، وقدرها النصف اثنا عشر قيراطاً من البيع الآتي ذكره. وما اشتراه دوائر البلدية الأربعة الموما إليهم من أموال صناديق الدوائر الأربعة المرموقين الحصة وقدرها النصف الثاني تتمة سهام المبيع الآتي ذكره فيه سوية بينهم أرباعاً بما سيقابل كل حصة من الثمن الأتي بيانه فيه، من الموسيو بنيامين بن وانيس ابن الكستريان، هو مدير البنك العثماني في بيروت الحاضر يوم تاريخه بالمجلس، بعد أن عرف كل من مسيو ميخائيل بن فضل الله السيوفي والحاج عبده القواص تعريفاً شرعياً الوكيل البائع المذكور عن ((الموسيو كلود جيمس أو سكن(***) مدير كمثال بنك))  الغائب عن دمشق والمقيم في لندن عاصمة انكلترا، الشاهد له بالوكالة عن الغائب المذكور ورقة الوكالتنامة(****) المحررة باللغة الفرنساوية، المصدق عليها من مقام سفارة الدولة العثمانية في لندن المؤرخة في 18 آذار سنة 1873 م. الموافق ذلك تاسع عشر من محرم الحرام سنة 1290هـ/1873م المشروح ذلك ضمن الإعلام المسجل بسجل المجلس سنة 1292 هـ/1875م بزمن الموما لخلافة الشام محمود عزيز أفندي فباعهم لجهة الاصلاحخانة ودوائر البلدية الأربعة على الحكم المرقوم ليعود منفعة المبيع الآتي ذكره فيه وريعه للجهات المذكورة ويصرف في مصالحها، وذلك في صحة من البايع وموكله المذكور. الانتقال الشرعي بالطريق الشرعي، وذلك جميع عمارة وبناء الدار الكائنة باطن دمشق بمحلة مأذنة الشحم، قرب حمام عيسى القاري المعروفة قديماً بدار رستم أفندي قهوجي السلطان. والآن تعرف بدار عنبر… مع جميع الأحجار والأنقاض الموجودة فيها. وجميع الدور الثلاث الملاصقة لها بمبلغ 2500 ليرة ذهب انكليزية، قبضـها البائـع الوكيل وأدخلت في مال البنك المذكور”([973]).

1- “ودار يوسف أفندي عنبر، موقعها في حي المنكنة. قال من ساح بلاد سوريا، إنّه ليس لهذه الدار نظير على الإطلاق حتى في أوروبا. فقد رصفت أرضها بالرخام الملون، المنقوش بأجمل النقوش، بنوع لم يوجد قبله في دمشـق وخلافهـا وقد قال أحدهم إن بعـلبك جديدة بنيت في عصرنا، وقال آخر: من لم يمكنه التفرج على نقوش بعلبك الجميلة، يقدر أن يستغني عنها بالتفـرج على دار الخواجـة عنبر. وما بني منها كلف (43 ألف ليرة). ومن يعـرف رخص مـواد البنـاء في دمشـق وقلة أجور العمال على حالة الدار التي تكلفت تلك المبالغ العظيمة([974]).

وفي تموز من عام 1884 م، جرى بيع دار(*) يوسف عنبر. فقد قرأنا في إحدى الوثائق مايلي:

“اشترى ناظر الإصلاح خانة بدمشق. ورؤساء بلديات دمشق الأربع من مدير البنك العثماني في بيروت ما هو جار في ملكه، وذلك جميع عمارة وبناء الدار المعروفة بدار رستم أفندي قهوجي السلطان والآن بدار عنبر، بمحلة مأذنة الشحم، قرب حمام عيسى القاري، مع جميع الأحجار والأنقاض الموجودة فيها، وجميع الدور الثلاثة الملاصقة لها بمبلغ وقدره (2500 ليرة ذهب انكليزية). المشتمل كامل عمارتها على براني وجواني، لكل منها ساحة سماوية ومساكن سفلية وعلوية، ومنافع وحقوق وطرق شرعية، وجميع الأنقاض المشتملة على أحجار منوعة ورخام منوع، الموضوع ذلك داخل الدار المذكورة”([975]).

2- ومن أشهر دور المدينة([976]) القديمة، دار عبد الله بك العظم. بطرف سوق البزورية. وهي كبيرة وتحتوي على أجمل القاعات الشرقية. وفيها بضع برك واسعة قلما يوجد نظيرها. ويقصد هذه الدار أهلُ السياحة للفرجة وقد قيل إن فيها ثلاث مئة وستين حجرة، بين سفلية وعلوية. وقد بنيت منذ أكثر من مئة وعشرين سنة.

3- ومن الدور الحديثة، في حي النصارى، ما بين باب توما وطالع القبة، دار حبيب أفندي الصباغ، التي بناها المرحوم متري أفندي شلهوب. وتم بناؤها سنة 1866 م. وهي متسعة جداً، مرصوفة بالرخام، فيها كثير من الأعمدة المرمرية البيضاء، وكثير من المقاصير والحجر والقاعات الجميلة المزخرفة، وحديقتها تحتوي على أجمل الأزهار. وقد قيل إن نفقتها بلغت 36 ألف ليرة، ولما توفي بانيها، اشتراها حبيب أفندي صباغ بأربعة آلاف ليرة.

4- دار المرحوم انطون أفندي الشامي. وهي أجمل وأوسع من الأولى، وتقع إلى الجنوب منها. تم بناؤها عام 1860 م أيضاً، وبلغت نفقتها 30 ألف ليرة. ولما زار دمشق ولي عهد إمبراطور روسيا 1869 م نزل بها وشهد بأنها أحسن الدور التي شاهدها بسياحته في المشرق.

5- دار شمعايا ودار الخواجة اسلامبولي، ولزبونا، وهاتان الداران في حي اليهود، وقد بُنيتا بين 1865 م – 1873 م.

6- دار سعيد أفندي قوتلي في الكلاسة، بجوار الجامع من جهة الشمال وهي الآن بحالة سيئة ويجري تجديدها. ودار أخيه مراد أفندي بزقاق العواميد، وكذلك دار محمد سعيد باشا. وكل هذه الدور حديثة أنفقت عليها مبالغ عظيمة. وقد بلغ عدد دور دمشق بالتقرير الرسمي لعام 1288 م – 1871 م نحو من 1469 داراً لكل الطوائف([977]).

وقد وصف عبد الجواد القاياتي دار القوتلي أثناء رحلته إلى الشام فقال”وأما عمارتها (أي دمشق) فإنها بالطين والأخشاب ظاهراً، مزينة الباطن بالرخام الملوّن والنقوش الذهبية. فلقد رأينا داراً أصلها عمارة الشيخ المرادي (مفتي الشام قديماً) وانتقلت إلى ملك أولاد القوتلي في هذا العهد القريب. وبها من حسن الصنعة وكمال البهجة، ما يبهر العقول ويدهش الخواطر، وتحار فيه الأعين والنواظر. وصحن هذه الدار مفروش بالرخام وفي الوسط، بركة كبيرة، ممتلئة بمياه ذات انسجام وحولها الأشجار والأزهار، وفيها قاعة من أجمل القاعات، وحوائط مفصلة قطعة قطعة، بألواح من رخام أزرق، ولوح من بلور مزوّق من نوع المرآة. ومن كل جانب، ألواح من المرمر مكتوبة بالذهب الأحمر عليها شعر…”([978])

وكما نلاحظ، فالدار جاءت قطعة فنية معمارية آية في الروعة والجمال وراحةً لنفس الناظر إليها، والساكن فيها.

وقبل إنهاء وصف الدور الدمشقية، لابد من أن نذكر دار جبري(*) الشهيرة التي ورد وصف لها في أحد سجلات المحاكم الشرعية في دمشق/ وتقع في محلة القيمرية، زقاق الصوّاف بدمشق القديمة، حيث نقرأ في إحدى الوثائق:

“….فأجراهما الدار الكائنة باطن دمشق، بمحلة القيمرية المعروفة بدار جبري المشتملة على براني وجواني، لكل منهما ساحة سماوية. فالبراني مشتملٌ على الساحة المرقومة، وعلى أودة مربع لها بابان للدار البرانية، وباب للدار الجوانية، وعلى سلم خشب يصعد منه إلى قصر ومشرقة. والجواني مشتمل على أبواب على كتفيه المربعين، أحدهما له باب يتوصل منه إلى المربع المحيط بجانب كل من البراني والجواني، وعلى صالونين، وعلى مربع قبلي ولصيقة مطبخ، وبكل منهما بركة ماء نافرة، وصفوف ومنافع شرعية. وللدار الجوانية بركة ماء ناهدة، يجري إليها الماء من فائض بركة دار الجوانية. والماء الثاني الذي بأواسط البركة، من حنفيات البركتين الملاصقتين لباب الجامع الأموي المعروف الآن بباب النوفرة الجاري منه الماء المذكور، وذلك لمدة ثلاثة عقود، كل عقد سنة. وعن كل سنة 140 قرشاً وأربعون بارة”([979]).

كما نلاحظ من الوثيقة، أن دار جبري (التي مازالت قائمة إلى اليوم في مدينة دمشق) هي عبارة عن بيت دمشقي عريق، لأحد أعيان المدينة، يتكوّن من عقار واسع المساحة موقوف، وفيه عدد كبير من الغرف والساحات. وتماثل تماماً وصف الدور الدمشقية المألوفة في تلك الفترة، مع ملاحظة توزع الماء الذي يدخل للدار، وهي مجاورة للجامع الأموي قرب باب النوفرة. والأجرة السنوية 140 قرشاً وهي سعر مناسب لتلك الفترة، إذا ما قارناه بسعر أجرته اليوم.

وكانت مواد البناء المستعملة في تلك الدور، مناسبة للظروف المناخية السائدة في المدينة، مثل الطين الأحمر (الصلصالي) بعد خلطه بالتبن، ويضاف إليه الحجر والآجر مع الخشب، لإقامة مداميك الجدران، ولتغطية بعض الواجهات، ولصنع إطارات الأبواب والنوافذ الخارجية والداخلية. وقد أكّدت التجارب والدراسات أهمية استخدام الطين في البناء مع بيئة قارية كهذه([980]).

كما أن حيطان المنزل المرتفعة الملساء، تؤدي دوراً مهماً في حالِ نشوب حريق، لأنها تمنع النيران أن تسري من بيت لآخر. وهذا ما أدى إلى وجود بيوت قائمة في المدينة، عمرها عدة قرون حتى الآن. ولم تكن بيوت دمشق التي تخص المسلمين أو المسيحيين تختلف عن بعضها من حيث التكوين أو الثمن. وهي منتشرة في كافة أنحاء مدينة دمشق وضواحيها([981]). إلا أن بيوت الأعيان المسلمين والنصارى كانت أكثر غلاءً وأبهة، من بيوت أعيان اليهود([982]).

ولم تكن البيوت الدمشقية تحوي حمامات، بسبب غلاء الوقود وعدم توفره، لذلك كان لحمامات السوق، أهمية في تلك المرحلة.

حمامات دمشق:

إن ذكر كثير من الحمامات في مدينة دمشق، من خلال الوثائق، ما هو إلا دليل على التطور الاجتماعي والعمراني والاقتصادي والرفاه الذي تمتع به الدمشقيون، حيث تفننوا في تزيين الحمامات وبنائها. وساعدهم في ذلك، كثرة المياه وحب الناس للنظافة والطُّهر.

يصف الحصني في كتابهِ”منتخبات التواريخ”حمامات دمشق فيقول:”أما حماماتها فهي من أشهر حمامات الدنيا، لكثرة المياه فيها. ولها شهرة عظيمة وترتيب غريب، أحسنها حمام سوق الخياطين الموجود ليومنا هذا، مع حمام الملكة بجادة الدرويشية، وحمام البزورية، وحمام السنجقدار. وقد فقدت دمشق حمام القيشاني المشهور في صناعته الهندسية وشكله اللطيف، وقد بني في محله سوق ساروجة. وهذه الحمامات جميعها غزيرة الماء البارد والحار، ويبلغ عددها زهاء خمسين حماماً، اليوم. وكانت قديماً أكثر…”([983]).

ويصف الحسيني الدمشقي في”الروضة البهية”، حمامات دمشق فيقول:”إن حمامات دمشق من أبدع الحمامات في الدنيا، لما بها من البناء والزخرفة والفرش والخدمة، ولاسيما تزيُّنُها بنوافير الماء داخلاً وخارجاً، وبالبرك (البحرات) المبنية من المرمر والرخام، على أجمل طراز([984]).

لقد انتشرت الحمامات في كل أنحاء دمشق. وكان لكل حارة أو محلة، حمام واحد على الأقل. وقد وجدت في محلة القيمرية، والبزورية، والصالحية، والعفيف، وسوق الشراكسة، والنصارى، والشاغور، ومحلة تحت القلعة، وزقاق درب الوزير، والقنوات، والدرويشية، وسوق باب البريد الذي وجد فيه حمام رامي وحمام القيشاني.([985])

وقد تميَّز كل حمام عن الآخر، في نمط البناء من حيث المواد المستخدمة، وطريقة البناء والزخرفة والزينة. إلا أنَّ الحمام بشكل عام، تألف من ثلاث مجموعات أساسية هي: البراني، والوسطاني، والجواني.

ورأى كثير من السّيّاح أن حمامات دمشق أفضل من غيرها من حيث الإتقان والهندسة وغزارة الماء وحسن الخدمة ورخص أجرة الاغتسال فيها([986]). وكما هو متعارف عليه، فالأب يورث ابنه الحرفة التي يحترفها. وعليه، فقد توارث العمل في تلك الحمامات، أفرادُ أسر محددة في دمشق مثل آل التيناوي، والحنبلي، والسمسمية. وعمل بها أيضاً الانكشاريةُ والأشراف. وكان لهذه الحرفة، شيخها، شأن بقية الحرف، في المدينة ([987]).

وعند توسع دمشق إلى الضواحي المجاورة، في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، بني في كل محلة جديدة، حمام أو أكثر. وذكرت الوثائق العديد منها في الصالحية والمهاجرين وغيرهما.

وكانت الحمامات الغالية الثمن، الفاخرة البناء، ملك الأعيان. فقد بلغت قيمة([988]) (2.5) قيراط، من قيمة أحد الحمامات، عشرة آلاف قرش في تلك الفترة. وبذلك يكون القيراط أربعة ألاف قرش و 24 قيراطاً × 4 = 96 ألف قرش([989]).

وبالإضافة إلى هذه الحمامات الفاخرة، وُجدت حمّامات متوسطة البناء والفرش والخدمة لعامة الناس. وكان من أشهر حمامات تلك الفترة في دمشق:

§ حمام القيشاني الذي تحول سنة 1325 هـ/1908 م إلى سوق.

§ حمام الملكة بجوار القصر العدلي من الجنوب.

§ وحمام نور الدين في البزورية.

§ وحمام العرايس والعفيف والحاجب والمقدم في الصالحية.

§ بالإضافة لحمامات المزة والميدان.

3- إعادة بناء الجامع(*) الأموي قمة النبوغ المعماري في دمشق 1311هـ – 1320 هـ/1890 م – 1899م .

تعدُّ عملية إعادة إعمار الجامع الأموي، بعد حريقه الأخير، من الانجازات الحضارية الرائعة والمجهولة عند أهل دمشق، في مختلف فنون العمران، وهي لوحة مشرّفة لأهل الشام في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، تبين مدى التقدم العمراني الذي كانت تتمتع به دمشق في تلك الفترة، يوم لم تكن الكهرباء والرافعات وطوابير المهندسين ومكاتب الإنشاءات الهندسية، معروفة فيها.

ونظراً لأن هذا الأمر يدخل في صميم هذه الرسالة، موضوعاً وزماناً، ونظراً لأنه يكاد يكون مجهولاً أو شبه مجهول عند أغلب الناس في هذه الأيام، ورغبة منا في تقديم دراسة ميدانية واقعية عن هذا الموضوع، فقد رأينا تقديم صورة حية عن إعمار الجامع الأموي، إنصافاً لمن لم يذكرهم أحد ولم يُجارهِم أحد.

لقد تعرض هذا الجامع الكبير إلى الحريق، خمس مرّات في عهود مختلفة. وكان أخرها سنة 1311هـ/1890م، وهو الأسوأ على الإطلاق([990]).

ذلك أنه في ضحى يوم السبت، رابع ربيع الثاني 1311 هـ، انطلقت النار من الجامع. ولم يكن في دمشق مصلحة للإطفاء. وبعد ساعتين ونصف الساعة، كانت النار قد أتت على الجامع بكامله: القبة والسقف والأعمدة والمنبر والمحراب والأبواب. ولم يبق إلا القسم الغربي الذي يتخذ اليوم صالة للاستقبال، فكان الناس يصلون فيه أثناء إعمار المسجد([991]).

وقد قدرت نفقات البناء بنحو 70.000 ألف ليرة ذهبية، جمعت من الأهالي ومن المسلمين في مختلف أقطارهم. وقد تبرع السلطان عبد الحميد الثاني بمبالغ كبيرة لعمارته، بعد أن تجاوزت المصروفات هذا التقدير بكثير.

ويمكن تقسيم مراحل البناء إلى أربع مراحل أساسية:

المرحلة الأولى: وهي تمتد من 1311 هـ – 1314هـ/1894م – 1897م، وقد كانت مرحلة إزالة الأنقاض، وإعداد الأعمدة والأخشاب ومستلزمات البناء، بالإضافة إلى جمع التبرعات.

وكان أهل حارات دمشق يتناوبون العمل في إزالة الأنقاض، من دون مقابل. وكان الجميع يشتركون في ذلك العمل بمنتهى السعادة، ويتكفل الأغنياء بتقديم الطعام لهم، وكان ذلك يجري وفق تنظيم مدروس تقوم به اللجنة العليا التي أوكل إليها أمر إعمار الجامع([992]).

وقد شكل والي دمشق حسين ناظم باشا لجنتين تحت إشرافه. الأولى للمبايعات، ورئيسها مفتي الولاية محمد أفندي المنيني. والثانية للإنشاءات ورئيسها محمد فوزي باشا العظم، رئيس المجلس البلدي، يساعده عبد الرحمن باشا اليوسف([993]).

وكانت أعمدة الجامع قبل الحريق، مربعة وهي آيلة للسقوط، فقررت اللجنة تزويد الجامع بأعمدة حجرية جديدة بالكامل، وهي الأعمدة التي نشاهدها اليوم في الحرم.

ثم اختلفت اللجنة في كيفية بناء السقف، فاقترح بعضهم أن يكون قباباً حجرية، على غرار التكية السليمانية في الصالحية، ولكن الأكثرية رأت إعادة إعماره من الخشب، كما كان.

وكانت تواجههم مشكلة كبرى، وهي كيفية نقل هذه الأعمدة الضخّمة، بغض النظر عن مصدرها، فأشار عليهم، معماري دمشقي يدعى عبد الغني الحموي، بأن يأتوا بالعمد من مكان يعرفه في المزة. وتعهد لهم بإعداد ما يصلح لنقلها إلى الجامع، فاستعمل عربة طويلة واطئة يجرها الثيران، ولها ملاقيط من تحتها يُلتقط بها العمود، فاستغربوا هذا الاقتراح ثم تجاهلوه. فقال لهم إنها ليست من اختراعه، ولكنه رأى مثلها في مقالع الحجارة بإيطاليا، فصدّقوه. وصنعت العربة وصارت تحمل العمود الهائل، وتأتي به إلى الجامع، يحف به الناس بالأهازيج والعراضات.

ونجحت الفكرة، ونقلت الأعمدة كلُّها على هذه العربة. وهي اليوم محفوظة في صحن الجامع يمر بها الناس ولا يعيرونها أدنى اهتمام. وقد اعترف السيد عبد الغني الحموي بعد ذلك، للجنة، بأنه لم يشاهد ايطاليا في حياته، ولم يزر مقالع الرخام فيها، وأن هذه العربة من اختراعه، وأنه ما زعم  لهم ما زعم إلا ليقبلوا فكرته، بعدما لمس ترددهم في قبولها.

المرحلة الثانية : 1314 هـ -1316 هـ/1897 م- 1899 م.

كان يعمل في الجامع أكثر من خمسمائة عامل كل يوم. وكانوا قد اتفقوا على أن تكون بداية العمران في القسم الشرقي. وهكذا مع نهاية شهر شعبان 1316 هـ/1899 م كان قد اكتمل بناء النصف الشرقي من الجامع، وتم فرشه وتعليق الثريات التي كانت ما تزال تنار بالزيت. كما شمل هذا القسم إعادة بناء ضريح النبي يحيى(*) في صورته الحالية.

المرحلة الثالثة: 1316 هـ – 1318 هـ/1899 م – 1901 م.

وفيها شرعوا في عمارة القسم الأوسط من الجامع، حيث المنبر ومحراب الحنفية. وقد تأنقوا في بناء المحراب وزخرفته، إلى الدرجة التي تبهر الأبصار. ولا يعرف الكثيرون اليوم أن هذا المحراب بشكله الحالي، هو من صنع أهل الشام قبل مائة عام تقريباً. وكان الشيخ محمد بن أبي نجيب الدهان وأخوه درويش، من مشاهير صناع الفسيفساء والعجمي بدمشق. وهما اللذان صنعا الشبابيك الثلاثة الرائعة فوق المنبر التي نراها اليوم ([994]).

وكانت أصعب عملية في بناء هذا القسم، هي إعادة بناء القبة: قبة النسر بعدما تهدمت. وقد أنجز بناؤها مع القسم الأوسط في شهر شعبان سنة 1318 هـ/1901 م. وتم تدشين هذه المرحلة، رسمياً وشعبياً، في الشهر المذكور.

المرحلة الرابعة: 1318 هـ – 1320 هـ/1901 م – 1903 م.

وهي إعادة إعمار القسم الغربي من الجامع، وفيها اكتمل بناء الجامع وتم افتتاحه رسمياً وشعبياً، يوم 28 جمادى الأولى سنة 1320 هـ/1903م. ومن الأمور اللافتة للنظر في عملية اعمار الجامع، أن أحد تجار القاهرة استأذن في مشاركته أهل دمشق، في بناء الجامع، وتعهد ببناء بابيه المحروقين، وهما باب النوفرة وباب الصاغة، على نفقته الخاصة، فاستجابت اللجنة لطلبه، وقدرت نفقات بنائهما بنحو 400 ليرة ذهبية.

وعلى ذلك، فان الباب الغربي والباب الشمالي، هما من بقايا البناء القديم. والبابان الآخران من بناء النجارين في دمشق، قبل نحو مائة عام([995]).

وقد كتبت تحت قبة النسر، بالجامع الأموي، بعد اكتمال تجديده هذا، أبيات من الشعر بالخط الكبير، مؤرخة سنة 1320هـ/1903م. ويمكن بسهولة أن تُقرأ من قبل المصلين، لكن لا أحد ينتبه إليها، وقد اخترنا منها ما يلي:

طرقت عليه طوارق فتهدمت منه الدعائم ثم عاد مشيدا
قد تم تجديداً بعصر مليكنا عبد الحميد أعز سلطان يدا
الحمـد لله في تاريخـه الشام جامعها بخير جددا

وقد جدد ورمم الجامع مؤخراً، في عهد الرئيس حافظ الأسد، على ما هو عليه اليوم.

من خلال دراسة التطور العمراني والسكاني لدمشق، في الفترة المدروسة، نلاحظ أن المدينة توسعت غرباً وشمالاً وجنوباً، بنتيجة حركة عمرانية واسعة قام بها وشجعها بعض ولاة دمشق الذين تركوا أثراً طيباً.

فقد أُحدثت مناطق جديدة، وشُقَّت طرق، وجدِّدت أسواق، ونشأ حي الأكراد والشراكس في سفح جبل قاسيون، والصالحية وحي المهاجرين في غربها، والأكراد في شرقها. وقد اهتمت الإدارة العثمانية بأحوال المهاجرين الاجتماعية والاقتصادية.

وقد شيَّد ولاة دمشق في الفترة المدروسة، كثيراً من الأعمال العمرانية الرسمية، مثل سوق الحميدية، وترميم الجامع الأموي، وتنظيم جلب مياه عين الفيجة إلى دمشق.

وذكرت الوثائق وصفاً جميلاً لطراز الدور الدمشقية، مع ما يرافقه من ملحقات مثل بايكة واخور لربط الدواب.


الخـاتمــة

لقد تبين لنا من خلال البحث، أن الوظيفة الحكومية كانت مهمة في مدينة دمشق، حيث وصل إليها كثير منهم. وقد حرصت الحكومة على تعيين الموظفين ومنح البراءات. وفي الفترة المدروسة، قامت السلطنة بجملة من الإصلاحات منها فتح  المعاهد والمدارس في الأستانة، لإعداد الموظفين فوصل كثير من الدمشقيين إلى مراتب مهمة، كالوزير والمشير وصدور العلماء وقضاة استانبول وغيرهم.

ولعبت طبقة العلماء ورجال الدين، دوراً مهماً في حياة الدمشقيين الاجتماعية، وانتشر في تلك المرحلة في المدينة، كثير من الطرق الصوفية التي تحدثت عنها الوثائق، كالنقشبندية والسعدية وغيرهما.

وشكَّل نظار الأوقاف في المدينة، طبقة اجتماعية مهمة، لكثرة ما أوقف من عقارات وأراض ٍ لمصلحة الموقوف. وقد حفلت سجلات المحاكم الشرعية بالوثائق التي تتحدث عن تلك الأوقاف. ولولا نظام الأوقاف لما بقي كثير من القصور والتكايا والمراكز المهمة، حتى اليوم.

ومن خلال قراءة كثير من الوثائق وتحليلها، ظهر لدينا الدور المهم الذي لعبه الأعيان أو الكبار، حيث وصلوا إلى مناصب، عليا في العهد العثماني، وخاصة في الفترة المدروسة. ووجدنا عائلات منهم ذات نسب شريف مثل (بنو حمزة، وبنو نصري، والصلاحي، والمرتضى…) وكان منهم كبار التجار والملاكين وزعماء العسكر، كآل العظم، والشهابي، والأطرش وغيرهم، حيث قويت سلطتهم في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد ذكرتهم الوثائق والسجلات كثيراً. وهناك وثائق مهمة جداً، تعطي فكرة اجتماعية واضحة عنهم في مدينة دمشق، طول فترة الحكم العثماني، وتحتاج لأبحاث مفصلة.

وفي الفترة المدروسة، ظهرت صناعات جديدة، نتيجة تبدل بعض العادات الاجتماعية من حيث الملبس مثلاً. وتطورت مدينة دمشق وأصبحت مركزاً أساسياً من مراكز التبادل التجاري مع أوروبا المتطورة صناعياً، واهتز العمل الحرفي نتيجة منافسة البضائع الأجنبية في المدينة خاصة، والمشرق العربي عامة. فقد عملت الشركات الأجنبية الموردة على الترويج لبضائعها، على حساب الصناعة الوطنية الدمشقية، واستخدمت في ذلك مختلف الأساليب والوسائل، من الغش والخداع وغير ذلك، مما أوضحته الوثائق، الأمر الذي أدى إلى تناقضات اجتماعية عرّضت العلاقة الأخوية بين المواطنين، للضغوطات الأجنبية.

في تلك الفترة، عانت الفعاليات الاجتماعية من ملاك وتجار وحرفيين، من الافلاس والضائقة المالية، بسبب تراكم الديون التي قدمها لهم الصرافون، وخاصة اليهود منهم مما زاد في الأمر سوءاً.

ولا حظنا أثناء قراءة الوثائق الشرعية ووثائق المحفوظات البطريركية، كثرة التبشير الأجنبي في تلك المرحلة، حيث ازداد انقسام الطوائف المسيحية الدمشقية الشرقية إلى أخرى غربية.

وقد دحضت الوثائق الشائعات التي تتّهم العثمانيين بالتمييز الديني بين سكان مدينة دمشق، فقد وجدنا أن أهل الذمة (المسيحيين، اليهود) قد تمتعوا بكامل حقوقهم المدنية والدينية، ووصل كثير منهم إلى مناصب رفيعة في الإدارة العثمانية.

وحاول معظم المستأمنين والحاصلين على الحماية الأجنبية، استغلال مراكزهم، وحماية القنصليات لهم، ووضعوا أنفسهم خارج مجتمعاتهم، وتوجهوا نحو الغرب، في كل شؤونهم. ومن خلال قراءة الوثائق وجدنا أن الدول الأجنبية منحت حماية (براءة) لليهود، بشكل واسع، وكذلك لغيرهم من سكان مدينة دمشق.

وبقي دور المرأة الدمشقية مميزاً كأم، لكنّها حاولت القيام ببعض الأعمال خارج المنزل. حيث ذكرت الوثائق أنها عملت بالتجارة، أو استثمار دكان أو أرض، وغير ذلك على نطاق ضيق.

وتنوعت الأزياء في تلك المرحلة، وتوجه معظم السكان نحو الملابس الإفرنجية، وأقبل الناس نهاية القرن 19 على شراء الملبوسات الأوروبية، في الوقت الذي حافظ كثير منهم على الزي التقليدي، حتى منتصف القرن العشرين.

وتميزت النساء الدمشقيات، بملابسهن الراقية المصنوعة من المنسوجات الوطنية، ومن ثم الأجنبية.

وقد لا حظنا من خلال الوثائق، كثرة المقاهي التي انتشرت في أنحاء المدينة وذُكرت في عمليات البيع والشراء والاستئجار. وكان لبعض الأجانب مثل اليونان، دور مهم في تنشيط المقاهي، حيث وجدنا أن أقدم مقهى في دمشق هو (مقهى ديمتري) اليوناني. وقد افتتحت في تلك الفترة الكازينوهات.

كان عدد الفقراء والأيتام في فترة الدراسة كبيراً، الأمر الذي دفع الدولة إلى تشكيل ما عرف بـ “ديوان مال الأيتام” في دمشق. وكان يرأس الديوان مدير يعينه القاضي العام، ومهمته حفظ أموال الأيتام واستثمارها والإنفاق عليهم، ريثما يبلغون سن الرشد، حيث كانت تسلم إليهم أموالهم بعد ذلك.

ومن الناحية الزراعية والصناعية، وجدنا أن التوجه الاستعماري نحو ممتلكات السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان من الأسباب الأولى للضعف الاقتصادي في دمشق خاصة، وبلاد الشام عامة.

وقد تركزت معظم الأراضي الزراعية في ريف دمشق، بأيدي الأعيان وأصحاب الوجاهة، إذْ ملك هؤلاء القرية مع فلاحيها. وقد لا حظنا من خلال تحليل الوثائق وقراءتها، أن الديون كانت تفرض على القرية بكاملها بعملية (الدين بالتكافل والتضامن) كما جاء في الوثائق.

وذكرت الوثائق وأوضحت دور الصرافين الذين لعبوا دوراً مهماً في عقد الديون بفوائد فاحشة. وتوجه في تلك الفترة كثير من الفعاليات الاقتصادية، من المدينة نحو الريف، للاستثمار في المحاصيل الزراعية، بسبب الطلب الأجنبي المتزايد عليها. بالإضافة لصناديق الأقضية التي قدمت الأموال للفلاح، مقابل فوائد. ولعب هؤلاء دوراً موازياً لدور الأعيان والصرافين، في عقد الديون، وبالتالي كانوا عامل ضغط على الفلاح.

وقد أوضحت الوثائق كيف برز في تلك الفترة، التدخل الأجنبي بالإنتاج المشرقي ومنه الدمشقي، فأخذت كل دولة تتدخّل مباشرة أو عن طريق الوكلاء، لشراء المواد الزراعية. وقدَّم التجار والقناصل الأجانب المال عن طريق عقد الديون مع الفلاح مباشرة، بشروط مجحفة بحقه.

وظهر قناصل الدول الأجنبية، كمستثمرين في الريف الدمشقي. وكان من أشهرهم(عبده بك قدسي) قنصل هولندة واليونان بالشام، وقد امتلأت محكمة تجارة دمشق بالدعاوي التي أقامها من أجل تحصيل ديونه من الفلاحين وغيرهم، مما أثر سلباً على الأوضاع الزراعية الدمشقية، بالإضافة لبروز الصرافين، كقوة اقتصادية، حيث ازدادت أموالهم على حساب فقر الناس وحاجتهم، إذ وجدنا أنَّ معظمهم كان من التابعية الأجنبية أو الحمايا لدولة أجنبية. وبالتالي استطاعوا تسيير القضايا وإصدار الأحكام لمصلحتهم.

وقد لا حظنا من خلال قراءة الوثائق، أنه جرت في حوران، اتصالات مستمرة ومباشرة بين زراع الحبوب والمصالح التجارية الأوروبية.

ورسمت وثائق سجلات المحاكم في مدينة دمشق، صورة واضحة لأحوال التجارة في المدينة، واقعياً وعملياً. فقد أظهرت أن المدينة كانت لا تزال مركزاً مهماً من مراكز النشاط الكبرى في سورية، حيث كثر عدد الأجانب والقناصل الذين تدخلوا في شؤون التجارة الداخلية، مما استدعى إحداث محاكم تجارية، للفصل في المنازعات بين التجار المحليين من جهة، ومع الأجانب من جهة أخرى. وقد برز الفرز الاجتماعي والطبقي واضحاً في المدينة. فقد ذكرت الوثائق أن عمليات الصرافة وعقد الديون بفوائد، احتكرها اليهود الدمشقيون، وهاجر كثير من الذين أفلسوا وتوقفت أعمالهم، إلى الخارج. وكردّ على التحدي الأجنبي التجاري، تشكلت كثير من الشركات الوطنية، إلا أننا لا حظنا من خلال الوثائق، أنها أصبحت في الفترة المدروسة، ملحقة بالرأسمال الأجنبي، وتابعة له.

وذكرت الوثائق كثيراً من قضايا وخلافات تجارية حدثت بين قناصل الدول الأوروبية وتراجمتها والمواطنين الدمشقيين، من تجار وغيرهم، نتيجة تشعب العلاقات التجارية وتفرعها.

كان الخنق المنظم للفعاليات الاقتصادية المحلية، يتم ببطء في البداية، لكنه تسارع في الفترة المدروسة، بعد أن حصلت كل دولة أجنبية على مواقع رئيسية، منافسة بذلك الدول الأخرى، حيث قدَّم التجار الأجانب كثيراً من التسهيلات للتجار المحليين، بائعي المفرق والجملة، حتى يروجوا للبضائع الأجنبية.

وقد أبرز البحث من خلال الوثائق، أن التجار الأجانب والشركات الأجنبية، جلبوا  إلى مدينة دمشق، معظم العمليات التجارية المصرفية التي تسهل أعمالهم في المنطقة العربية، مثل البوليصة وعمليات التأمين. ومارست الشركات الأجنبية دور الوساطة والسمسرة(القومسيونجية) لتصريف البضائع في المدينة

ونلاحظ أنه نتيجة لتلك الظروف، فقد مال الميزان التجاري لمدينة دمشق لمصلحة أوروبا بعد أن كان سابقاً لمصلحة المنطقة العربية، من حيث التبادل بالمواد الكاملة الصنع القادمة من أوروبا مقابل المواد الأولية.

وذكرت الوثائق أهم الشركات الأجنبية في مدينة دمشق في تلك الفترة وهي: شركة البيير بياجني (الايطالية) وشركة لوتيكا وشركاه (الألمانية)، اللّتان لعبتا دوراً مهماً في الترويج للبضاعة الإفرنجية.

وذكرت الوثائق بكثرة، الاتجاه نحو قيام شركات وطنية، وقد ذكرنا بعضها، إلا أن تنامي الطبقة البرجوازية المحلية التي كانت، بدايةً، تضم خليطاً من كبار الملاك ورجال المال والتجارة والصناعة، أظهر فرزاً فيما بينهم حين حاولت هذه الطبقة أن تلعب دوراً سياسياً مهماً في المنطقة، كما فعلت البرجوازية الأوروبية. إلا أن دورها أخذ منحى استغلالياً.

ومن خلال دراسة التطور العمراني والسكاني لمدينة دمشق، في تلك المرحلة، وجدنا أنّها كانت تتألف من ثمانية أثمان هي: القنوات، العمارة، القيمرية، الشاغور، الميدان التحتاني، والميدان الفوقاني، سوق ساروجة، الصالحية. وقد قُسِّمت إلى أربع بلديات، لكل منها رئيس، وذلك بهدف تحسين العمل والمنافسة ثم تقلص عددها إلى اثنين، ( كما ذكرت الوثائق).

وقد وجدنا من خلال قراءة الوثائق، أنه في الفترة المدروسة، قد توسعت المدينة إلى الضواحي خارج السور، نتيجة حركة عمران واسعة، قام بها وشجعها ولاة دمشق الذين تركوا أثراً طيباً.

ونتيجة حروب وخسارة السلطنة، على الجبهة الشرقية والغربية، أمام العدو الخارجي، هاجر كثير من سكان المناطق التي خسرتها السلطنة إلى دمشق، وسكنوا فيها. وبالتالي نقلوا معهم صورة معمارية محددة لتلبية الحاجات الإنسانية واليومية.

لذلك أحدثت مناطق واسعة جديدة، وشقت طرق، وجددت أسواق، ونشأ حي الأكراد و الشركس في سفح جبل  قاسيون والصالحية، وحي المهاجرين في غربها، والأكراد في شرقها، ونما حي الميدان، ولكنْ ظلّت المدينة القديمة تُشاهد في تلك الفترة، داخل السور، وتُشاهد الشوارع الحديثة والمباني المنشأة حديثاً، في الضواحي الجديدة.

وقد ذكرت الوثائق وصفاً للبيوت الدمشقية، مع ما يرافقه من ملحقات، مثل البايكة واخور لربط الدواب وغير ذلك. حيث قدم المعمار الدمشقي نماذج معمارية رائعة، دلت على مقدرة في التصميم والتنفيذ المعماري الرائع. كما حقق الفنان المعماري الدمشقي مهارة بارعة في دهن الكسوة والسقوف الجميلة (قصر العظم)، وتميزت بالجمال والروعة، مداخلُ البيوت الدمشقية وأبوابها التي يعود إنشاؤها لتلك الفترة. ومن الأمثلة على تلك الدور، دار جبري، ومكتب عنبر، ودار المهايني وغيرها، حيث عثرنا على وثائق تصف تلك الدور. كما ذكرت الوثائق أن الإدارة العثمانية نظمت إدارة البناء والعقارات، وعينت مديراً للأبنية وقمع المخالفات ومنْع كشف المنازل على بعضها.

ومن أهم البيوت والدور الدمشقية القديمة، دار عبد الله باشا العظم. ومن الدور الحديثة، دار حبيب أفندي الصباغ، ودار انطون الشامي، ودار يوسف أفندي عنبر، ودار شمعايا، ودار سعيد القوتلي، ودار أبي عارف المهايني.

وبرزت الحمامات في مدينة دمشق، كمعلم معماري مهم، بسبب الخدمة الاجتماعية العامة التي قدّمتها لسكان مدينة دمشق. وذكرت الوثائق أسماء كثير من الحمامات التي ما زالت منذ تلك الفترة، مستخدمة حتى الآن، إضافة إلى بعض منها طاله الهَدمُ وكان عددها زهاء خمسين حماماً، منها الحمامات الفخمة البناء والفرش، والأخرى المتوسطة، مثل حمام القيشاني، والملكة، ونور الدين، والعرايس، والعفيف، والمقدم، وحمامات المزة والميدان.


المصادر

الوثائق غير المنشورة :

– شكّل مركز الوثائق التاريخية بدمشق العمود الفقري لدراستنا، وهو يتضمّن:

أ-  سجلات المحاكم الشرعية في مدينة دمشق، في الفترة المدروسة 1876 – 1908 م. من السجل رقم 772، تاريخه 1301هـ/1884م.  وحتى السجل رقم 1324  تاريخه 1326هـ/1909م.

ب- محكمة تجارة دمشق وعدد سجلاتها 150 سجلاً

السجل الأول تاريخ 1301 هـ- 1303 هـ/ 1883م – 1885م. إلى السجل رقم 150 تاريخ: 1333هـ/1916م حيث تحولت إلى محكمة بداية تجارية.

جـ – الأوامر السلطانية:

– المجلد (2) الوثيقة 170، ت 1242 هـ

– المجلد (2) الوثيقة 189، ت 1243 هـ

– المجلد (6) الوثيقة 170، ت 1242 هـ

– المجلد (6) الوثيقة 37، ت 1285 هـ

– المجلد (7) الوثيقة 28، ت 1276 هـ

– المجلد (8) الوثيقة 126، ت 1290 هـ

– المجلد (8) الوثيقة 69، ت 1288 هـ

– المجلد (8) الوثيقة 1، ت 1888 هـ

– المجلد (8) الوثيقة 345، ت 1294 هـ

– المجلد (8) الوثيقة 179، ت 1290 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 65، ت 1302 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 34، ت 1302 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 132، ت 1304 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 83، ت 1303 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 266، ت 1303 هـ

– المجلد (9) الوثيقة 156، ت 1303 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 128، ت 1300 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 194، ت 1300 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 35، ت 1297 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 162، ت 1299 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 166، ت 1301 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 181، ت 1301 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 35، ت 1297 هـ

– المجلد (10) الوثيقة 130، ت لا يوجد

– المجلد (10) الوثيقة 183، ت 1302 هـ

– المجلد (11) الوثيقة 4، ت 1310 هـ

– المجلد (11) الوثيقة 142، ت 1318 هـ

– المجلد (11) الوثيقة 220، ت 1323 هـ

– المجلد (11) الوثيقة 148، ت 1319 هـ

– المجلد(11)الوثيقة 243، ت 1324 هـ، 1906

– المجلد (11) الوثيقة 2، ت 1310 هـ

– المجلد (11) الوثيقة 3، ت 1311 هـ

– وثائق سجلات المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية، من المصنفات الموجودة في المكتبة الوطنية (مكتبة الأسد) رقم 1 و 2 لأن القيم على المكتبة البطريركية لم يسمح لنا بالإطلاع على الوثائق الأصلية في حينها.

المصادر المنشورة

المخطوطات:

1- مخطوط سلاطين آل عثمان (ج 23) الخاص بالسلطان عبد الحميد الثاني. مصنّف تحت رقم 10704، المكتبة الظاهرية، تاريخ الإسلام، مكتبة الأسد الوطنية.

2- مخطوط الشمعة المضيئة في أخبار القلعة الدمشقية (ط) الرقم 7498، المكتبة الظاهرية، تأليف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علاء الدين علي بن أحمد خماروية ابن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي الشهير بابن طولون المتوفي في دمشق، 953 هـ، 1545 م. من فهرس مخطوط المكتبة الظاهرية بدمشق، مكتبة الأسد.

السالنامات :  كتاب الدولة العثمانية السنوي الرسمي(سالنامة دولت علية):

– سالنامة رقم 5، ت 1300 هـ

– سالنامة رقم 8، ت 1315 هـ (دار الوثائق العثمانية)

– سالنامة رقم 9، ت 1309هـ – 1330 هـ

– سالنامة رقم 14، ت 1312 هـ

– سالنامة ولاية سورية دفعة 74 ت 1299هـ،1881م. مقتبس من كرد علي

– سالنامة رقم 21، ت 1326 هـ

المصادر والمراجــع العربية

1- القرآن الكريم، وزارة الأوقاف السورية، دار الطباعة، يوسف بيضون، بيروت.

2- الإنجيل، (العهد الجديد)، جمعية الكتاب المقدس في الشرق الأدنى، بيروت ساحة النجمة، ط 1970م.

3- أبو جبل(كاميليا)، يهود اليمن، دار النمير للطباعة والنشر، سورية دمشق ط1 1999م.

4- أيبش(أحمد)، قتيبة الشهابي، معالم دمشق التاريخية، وزارة الثقافة، ط 1985م. سورية دمشق.

5- الادلبي (ألفت)، عادات وتقاليد الحارات الدمشقية القديمة، مقالات ومحاضرات، ط 1996، اشبيلية للدراسات والنشر، دمشق – سوريا.

6- بارودي (فخري)، مذكرات، ستون سنة تتكلم، مطابع دار الحياة بيروت – دمشق، 1951 م.

7- الحصيني (محمد أديب)، منتخبات التواريخ، منشورات دار الأفاق الأبجدية، بيروت ط1 1979، ثلاثة أجزاء معاً.

8- حلاق (أحمد البديري)، حوادث دمشق اليومية، نقحها محمد سعيد القاسمي، نشرها أحمد عزت عبد الكريم، جامعة عين شمس القاهرة. 1965.

9- حاشية ابن عابدين، كتاب الينبوع، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1998.

10- حافظ (مطيع)، حريق الجامع الأموي وبناؤه، دمشق 1989.

11- حلاّق (حسّان)، فواز مصطفى، حسين عدنان، قانصوه عبد العزيز، دراسات في تاريخ المجتمع العربي، مؤسسة الإيمان للطباعة، بيروت، دار المحروسة للطباعة والنشر ط 1991 م.

12- حصري (ساطع)، البلاد العربية والدولة العثمانية، دار العلم للملايين، بيروت ط1 1951 م، ط2 1960 م.

13- حمادة (سعيد)، النظام الاقتصادي في سورية ولبنان، المطبعة الأمريكية – بيروت، 1936م.

14- حكيم (يوسف)، سورية في العهد العثماني، ذكريات الحكيم (1)، المطبعة الكاثوليكية.

15- حوراني (ألبرت)، تاريخ الشعوب العربية، بيروت، لبنان، ط1997م.

16- الخوري (فارس)، أوراق، تنسيق كوليت الخوري، دار طلاس، دمشق، 1989م.

17- العظم (خالد)، مذكرات، مجلد1، الدار المتحدة للنشر، بيروت1973م.

18- رافق(عبد الكريم)، بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في العصر الحديث لبلاد الشام، تحليل وثائق غزة، جامعة دمشق،ط1،1985م.

19- رافق (عبد الكريم)، بلاد الشام ومصر، دمشق، 1968م.

20- ريحاوي (عبد القادر)، دمشق معالمها وتاريخها، دمشق، وزارة الثقافة، 1985م.

21- زواهرة(تيسير)، تاريخ الحياة الاجتماعية في لواء دمشق من، 1840 – 1864 م، منشورات جامعة مؤتة، ط1 1995 م.

22- الزحيلي (وهبة)، الفقه الإسلامي وأدلته، ط دار الفكر، 1997 م.

23- شهابي (قتيبة)، أسواق دمشق القديمة ومشيداتها التاريخية، منشورات وزارة الثقافة، سورية، دمشق 1990 م.

24- شهابي (قتيبة)، دمشق تاريخ وصور، منشورات وزارة الثقافة، دمشق, سورية، 1996 م.

25- شلاح (بدر الدين)، للتاريخ والذكرى، قصة جهد وعمر، دمشق 1990 م، لا توجد دار نشر.

26- سركو (ماري)، الامتيازات الأجنبية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة دمشق،2003م.

27- سبكي (تاج الدين)، معيد النعم ومبيد النقم، تحقيق محمد علي النجار وآخرين، القاهرة ط 1988 م.

28- سامرائي(فراس)، التقاليد والعادات الدمشقية ط1 2004 م، الأوائل للنشر، سورية – دمشق.

29- صباغ (ليلى)، الجاليات الأوروبية في بلاد الشام في العهد العثماني في القرنين السادس عشر والسابع عشر, مؤسسة الرسالة، بيروت، جزءان، ط 1989 م.

30- الصالحي (ابن كنان)، المتوفى عام 1153 هـ، صفحات نادرة من تاريخ دمشق في العصر العثماني، يوميات شامية، تحقيق أكرم العلبي. دار الطباع، دمشق، ط1   1414 هـ – 1994 م.

31- الطنطاوي (علي)، الجامع الأموي، وزارة الأوقاف دمشق، 1960 م.

32- العظمة (بشير)، جيل الهزيمة من الذاكرة، رياض الريس، دمشق، ط1   1991 م، ط2     1998م.

33- العظمة (عبد العزيز)، مرآة الشام، تاريخ دمشق وأهلها، دار الفكر المعاصر، بيروت, لبنان, رياض الريس للنشر، ط1  1987 م.

34- غرايبة (عبد الكريم)، سورية في القرن التاسع عشر، جامعة الدول العربية، ط1961، الجيل للطباعة.

34- غالب (اسماعيل)، المسكوكات العثمانية، ترجمة محمود عامر، قيد الطبع.

36- العلبي، (أكرم حسن)، خطط دمشق، دار الطباع، 1989م.

37- العلبي (أكرم حسن)، ولاة دمشق في العصر العثماني، كتاب قيد الطبع.

38- العلبي (أكرم حسن)، خالد العظم، دمشق, دار شهرزاد للنشر الشام، 2005 م.

39- العلبي (أكرم حسن)، يهود دمشق، كتاب قيد الطبع.

40- عطار (عدنان)، الحويطات، دراسة جغرافية تاريخية اجتماعية سياسية، لا توجد دار طبع ولا دار نشر.

41- علاف (أحمد حلمي)، دمشق مطلع القرن العشرين، ط1    1976 م، ط2     1983 م.

42- الغزي (كامل)، نهر الذهب في تاريخ حلب، دار القلم العربي، حلب ط1،    1926م. ط2    1992م.

43- عبد المسيح (جورج)، رسالة من رسالة، بيت مرّي، ط1   1972، كتب عام 1966، وزّع عام 1967 م.

44- عطية (جورج)، مناظرة علنية مع شهود يهوه، منشورات النور، لبنان، ط1    1986  ، ط2   1992.

45- عبد الهادي (يوسف)، ثمار المقاصد، وزارة الأوقاف، دمشق سورية ط1    1982 م. جزءان دون طباعة أو دار نشر.

46- قاسمية (خيرية)، حياة دمشق الاجتماعية، مطبعة الداوودي – دمشق عام 2000 م.

47- قاسمي (محمد سعيد)، قاموس الصناعات الشامية، تحقيق ظافر القاسمي، بعناية معهد الدراسات العليا باريس عام 1960 م.

48- قاياتي (محمد عبد الجواد)، 1838 – 1902 م، نفحة البشام في رحلة الشام، دار الرائد العربي، بيروت، ط2   1981 م.

49- قساطلي (نعمان)، الروضة الغناء في دمشق الفيحاء، دار الرائد العربي، بيروت – لبنان، ط    1879م.

50- كرد علي (محمد)، خطط الشام، 6 أجزاء، دمشق، ط 1925 – 1928م.

51- كوثراني (وجيه)، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي، بلاد الشام مطلع القرن العشرين، قراءة في الوثائق، معهد الانماء العربي، ط 1980 م.

52- كواكبي (نزيه)، دمشق دراسات تاريخية وأثرية، ط 1980 م، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق – سورية.

53- كيال (منير)، الحمامات الدمشقية وتقاليدها، دمشق 1966 م.

54- محمد (عز الدين الحسيني) الدمشقي، 1270 هـ – 1301 هـ، الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، لجنة احياء التراث، دار الفارابي للمعارف ط 2000 م.

55- محمد عوض (عبد العزيز)، الإدارة العثمانية في ولاية سورية،        1864 – 1914 م، دار المعارف – مصر، ط 1967 م.

56- منجد (صلاح الدين)، ولاة دمشق في العصر العثماني، دمشق، 1949م.

57- نعيسة (يوسف)، مجتمع مدينة دمشق، من 1772 م – 1840 م، دار طلاس، دمشق – سورية، جزءان، ط1 1986 م.

58- نصر الله (حنا)، فطير صهيون، ترجمة عن الوثائق الفرنسية، بيروت، ط1 1968م، ط2، دمشق، دار طلاس، 1986م.

59- الموسوعة الفقهية، الكويت 1987، ط2، ج9

60- هاجو (متري)، موسوعة بطريركية إنطاكية التاريخية الأثرية، المجلد الخامس، سورية الجنوبية، جامعة لوفان – بلجيكا، ط1 1997 م.

61- دليل المحاكم في مدينة دمشق، سوق ساروجة، دار الوثائق العثمانية. إعداد وتقديم د. بريجيت مارينو، الأستاذ أكرم العلبي، توموكي آوكاوارا، ط 2002.

المصادر والمراجع المترجمة

1- انطونيوس (جورج)، يقظة العرب، تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد – إحسان عباس، دار العلم للملايين، بيروت    ط1   1962 – صدر أول مرة باللغة الانكليزية عام 1939 م.

2- سوفاجيه (جان)، دمشق الشام لمحة تاريخية منذ العصور القديمة حتى عهد الانتداب، تعريب فؤاد افرام البستاني، تحقيق أكرم حسن العلبي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ط1   1936م، دمشق، ط2    1989م.

3- شيلشر (ليندا)، دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترجمة عمر ودنيا الملاح وشركاه، دمشق, سورية, ط1    1998 م.

4- عيساوي (شارل)، التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، 1800- 1914، ترجمة د. عبد الرؤوف حامد، ط1 بيروت, 1990 م.

5- عيساوي (شارل)، التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقيا، ترجمة سعيد رحمي، دار الحداثة، بيروت, لبنان، ط1 1995 م.

6- ولتسنجر (كارل)، الآثار الإسلامية في مدينة دمشق، ترجمة قاسم طوير، ط1 برلين 1924 م، ط معربة 1984 م، دمشق, سورية.

7- أرنست رامزور، “تركية الفتاة وثورة 1908م” ترجمة د. صالح أحمد العلي، بيروت، 1960م.

8- ل.ن كوتلوف، تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي، منتصف القرن الـ 19- 1908، ترجمة سعيد أحمد، وزارة الثقافة، دمشق، 1981م.

المراجع الأجنبية

1- Jean,Baptiste, Inte’restet Imperialisme Fransais dans le’mpire Ottoman (1895 – 1914). Sorbonne – paris 1977.

2- The Ensyclopedia of islam new edition Vol , 111prepared by number of leading Orientalists leiden London E.J. Brtll  – luzan. 1986, Imru, AL Kys B.Hudjr, Imttiyazat.

3- Albert Hourani , The emergence of The Midlle East , Pablished 1981 , by The Magmillan Press.

4- Encarta , Encyclopedia , 2001 , part of History D 3 D2 European Salotage in Ottoman State 2001 , الموسوعة الأمريكية.

5- H.Bowen and H.A.R. Gibb, Islamic society and The West – First Edition 1957 , vol -1.

6- Gorge  Koury , province of Damascus , 1783 – 1832. The university of Michigan , P.b. 1970 ,

7- Roger  Owen , The midlle east in The world economy 1800 – 1914 , London 1981.

8- Encyclopedia , History of world civilization , Alikhan , by sanley  lame , pooke , Akash deep publishing house,  newdelhi, india.

9- K. BaedKer , Palestine et syrie , maneul du voyageur , Duxie’me e’dition , Leipzig , 1893.

10- AFIF BAHNASSI , The omyad mosque of Damascus , First Edition 1989.

الجرائد:

1- جريدة الثورة الثقافي العدد، 468، ت 5،7، 2005 م الموضوع : خراب الشحم وتعداد الشواهد الحضارية، دمشق – سورية.

2- جريدة الأمة،العدد، 28، ت كانون الثاني 1910، دار الوثائق، سوق ساروجة، دمشق.

3- جريدة الثورة العدد، 12806، ت 13، 9، 2005 م، دمشق – سورية.

المجلات:

1- مجلة العاصمة، جريدة الحكومة العثمانية الرسمية تاريخ نشأتها 1919 م، تصدر مرتين في الاسبوع، العدد 2، ت 27 شباط 1919، سوق ساروجة، دار الوثائق- دمشق – سورية.

2- مجلة ثروت فنون، مجلة عثمانية، نومرو 43، عالم مطبعة (س) أحمد احسان وشركائه، دار الوثائق العثمانية، سوق ساروجة، دمشق.

3- مجلة صدى حرمون، العدد 4، ت 4، شباط – آذار 2005، مجلة قومية اجتماعية أدبية وفكرية، لبنان – بيروت.

Email – Haramoun @ ssnp. net.


الفهرس

الإهـداء. 2

مقدمة 3

عناصر السكان في دمشق. 7

المجتمع الدمشقي ومظاهره 76

الواقع الاقتصادي في دمشق ما بين 1871 – 1908م 111

الإنجازات العمرانية في عهد الولاة العثمانيين. 195

الخـاتمــة 219

المصادر 223

الفهرس.. 230


( ([1]ابن كنان الصالحي الدمشقي، يوميات شامية، صفحات نادرة من تاريخ دمشق في العصر العثماني من 1111هـ ، 1153 هـ، دار الطباع دمشق، تحقيق أكرم العلبي، ط1 1414 هـ / 1994 م. ص513.

والمالكانة: هو النظام الذي حل محل الالتزام في العصر العثماني. وهو في الواقع نوع من أنواع الملك المؤقت للأرض، المصدر السابق، ص284.

([2]) سالنامة دفعة 2، سنة 1285 هـ، 1868م. ص188

([3]) سالنامة دولة علية دفعة45، ص296.

([4]) عبد العزيز العظمة، تاريخ دمشق وأهلها، مرآة الشام،  دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 1987م. ص 30

([5]) ليندا شيلر، دمشق في القرنين، الـ 18 و19،  ترجمة الملاح، مطبعة دار الجمهورية دمشق ط1 1994م، ص18-19.

(*) كان الناس في دمشق ينتسبون إما إلى المهنة التي يمارسونها مثل اللحام والحداد و الخباز….وإمّا إلى البلد الذي جاؤوا منه مثل: المصري والحلبي والحجازي والحمصي والحصني والصفدي والبغدادي… وإمّا إلى صفة معينة أطلقت على الجدّ الأكبر وانتشرت عند الأحفاد والذرية مثل: الأحدب والمسطول والمالح والأصفر الـخ…..

وهناك أسر كثيرة نسبت إلى المدن التي جاءت منها، ولكن على طريقة النسب التركية وهي إضافة ” لي” على الاسم بدل ياء النسبة مثل : موصللي بدل موصلي، خربوطلي نسبة إلى خربوط بدل خربوطي، وقوّتلي، وجزائرلي. و لم تُعرّب هذه الألقاب حتى اليوم.

([6]) سجل 781، الوثيقة 4، تاريخ 1302 هـ، 1885 م.

([7]) تيسير الزواهرة، تاريخ الحياة الاجتماعية في لواء دمشق، جامعة مؤتة  الأردن، 1995 م، ص 24.

([8]) عبد العزيز محمد عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية، دار المعارف بمصر، 1967 م، ص 73.

([9]) عوض : المرجع السابق، ص 308.

([10]) جورج عبد المسيح، رسالة من رسالة، بيت مري، بيروت، لبنان، 1972 م، ص 83.

(*) شهود يهوه: فئة دينية ظهرت نتيجة التبشير الأجنبي في سورية انشقت عن المسيحية ( متهودة)* الصهاينة الجدد، إلهها يهوه إله بني إسرائيل ( يمكن العودة للتوراة والاستزادة أكثر عن إله بني اسرائيل : المحارب، المقاتل، المدمّر، الغازي).وهي فئة محظورة في سورية يوجد لها أتباع في حمص والساحل السوري، ووادي النصارى… “.

* المصدر: الأب جورج عطية، مناظرة مع شهود يهوه، منشورات النور، 1992.

([11]) عوض، مرجع سابق، ص 320،أيضاً العظمة، مرآة الشام، ص 86.

([12]) سجل تجارة، رقم 1، و 148، ت 1302 هـ، 1883 م.

([13]) سجل تجارة، رقم 2، و 157، ت 1302 هـ، 1883 م.

([14]) سجل تجارة، رقم 2، و157، ت 1302 هـ، 1883 م.

([15]) المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية، ج 3، رقم الوثيقة 436 – D – ALE  يمكن العودة للوثائق البطريركية حيث حفلت بالشكاوى في مناطق ريف دمشق من الغربيين الذين أرادوا أن يحولوا الناس من الأرثوذكسية إلى الكثلكة  وغيرها.

([16]) سالنامة ولاية سورية، وثيقة14، ت1299هـ، 1887م، انظر الملحق رقم28.

([17]) المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية، ج 2،ص 10.

([18]) المحفوظات البطريركية الأرثوذكسية، ج 2، ص 12.

(*) عزتلو : لقب عثماني يعني صاحب العزة، وقد أبقيناه على حاله لمعرفة لغة العصر.

([19]) س 1322، و 47، ت 1326 هـ، 1909 م.انظر السالنامة في الملحق رقم29.

(**) إلا أنها ألغيت فيما بعد وشارك المسيحيون إخوانهم المسلمين في خدمة الجيش

([20]) يوسف الحكيم، سوريا في العهد العثماني، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1966م، ص 29 – 42

([21]) شارل عيساوي، التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، بيروت، 1990 م، ص 607. أيضاً عبد الكريم رافق، بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، جامعة دمشق، ط1 1985 م، ص ت.

([22]) أوامر سلطانية، إلى قاضي دمشق، المجلد رقم 16، و 94، ت 1197 هـ، 1787 م.

([23]) أوامر سلطانية، إلى قاضي دمشق، المجلد رقم 2، و 170، ت 1242هـ، 1825م.

([24]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 2، و 189، ت 1242هـ، 1825 م.

(*) انظر الملحق رقم – 10 –

([25]) مذكرات البارودي، مذكرات لم تنشر، ج1، مطابع دار الحياة، بيروت، 1951 ص 48 – 49 ،أيضاً العظمة،  مرآة الشام، ص 147.

([26]) سجل 877، و 31، ت 1305 هـ، 1888م.

([27]) س 1002، و 87، ت 1312 هـ، 1895 م.

(*) برنجي: كلمة تركية تعني الأول. وتُفَسَر بمعنى متميز.

([28]) س 1180، و 118، ت 1318 هـ، 1901 م.

([29]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق المجلد، 11، و 173، ت 1321 هـ، 1904 م.

([30]) س 1270، و 86، ت 1323 هـ، 1906 م.

([31]) س 1322، و 47، ت 1326 هـ، 1909 م

(** ) انظر الملحق-29-

([32]) العظمة، مرآة الشام، ص 148.

(*) الما بين السلطاني هو الدائرة التي تتوسط ما بين السلطان والصدر الأعظم   – محمود عامر : قاموس اللغة العثمانية دمشق 2002 م ص 395

([33]) انظر الوثائق التالية: س 1189، و 26، ت 1317 هـ، 1900 م.

س 1196، و 7، ت 1317 هـ، 1902 م.

س 1023، و 190، ت 1313 هـ، 1896 م.

([34]) عبد الجواد القاياتي، نفحة البشام في رحلة الشام، دار الرائد العربي بيروت، ط 2، 1981 م، ص 120-

([35]) خيرية قاسمية، حياة دمشق الاجتماعية، مطبعة الداوودي، دمشق، 2000 م، ص 28

([36]) القاياتي: نفحة البشام في رحلة الشام، ص 120 -128 والكميدا يعني الكوميديا.

([37]) محمد كرد علي، مذكرات، بيروت، 1969م، ج1، ص 32.

([38]) فارس الخوري ( أوراق )، تنسيق وتحقيق وتعليق كوليت الخوري، دار طلاس، دمشق،1989م، ص 359 – 360.

([39]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 7، و  28 ، ت 1278 هـ، 1855 م.

(*) انتشرت الطريقة النقشبندية في دمشق آواخر القرن السابع عشر، على يد جد الأسرة المرادية (مراد المرادي) وتابع بعده ابنه السيد محمد، وأصل الأسرة من بخارى، والطريقة التي نشروها (النقشبندية) تنسب إلى الشيخ أحمد الفاروقي الذي عاش في الهند واشتهر بالمجدد. المصدر:رافق، بحوث اقتصادية، ص22.

([40]) أوامر سلطانية، دمشق، المجلد 11، و 102، ت 1316 هـ، 1899 م.

(*) الزاوية السعدية الجباوية: تقع في الميدان الفوقاني، كانت أصلاً تربة للأمير إينال نائب الشام الذي قتل سنة842هـ. في حوران ودفن في تربته ولم تكن قد انتهت، فجاء الشيخ السعدي الجباوي فسقفها وسكنها، وبعده جاء سعد الدين فرفع سقفها، ثم الشيخ حسن يقال إنه من قطاع الطرق فجاءه الفتح والكشف فتاب إلى الله، فصار لهم خاصية الكشف والبرء من الجنون لآل السعدي، وخلفه ابنه حسين ثم ابنه سعد الدين، ولهذه الزاوية شهرة كبيرة في دمشق وهي ما تزال إلى اليوم. ولهم زاوية اخرى في القيمرية. المصدر: العلبي: خطط دمشق، ص479.

([41]) س 1214، و 36، ت 1319 هـ، 1902 م.

([42]) س 119 1،  و 17، ت 1319 هـ، 1902 م.

س 1196، و17، ت 1319هـ، 1902م.

(**) العَشَاءين : أي بين المغرب والعشاء.

([43]) س 1298، و 15، ت 1320 هـ، 1903 م.

([44]) قاسمية : حياة دمشق الاجتماعية، مرجع سابق، ص 31.

(*) هي اليوم زاوية أبو الشامات في باب الجابية – قنوات – وقد جددت حديثاً

([45]) س 1296، و 43، ت 1323 هـ، 1906 م.

([46]) س 1296، و 44، ت 1323 هـ، 1906 م. وعن هذه الطرق ومؤسسيها وتاريخها انظر الموسوعة الإسلامية ص1250.

([47]) س 1296، و 45، ت 1323هـ، 1906 م.

(**) حسبة لوجه الله : أي من دون أجر.

([48]) س 875، و 92، ت 1306 هـ، 1889 م.  *( كما وردت الجمل في الوثيقة )

([49]) أحمد حلمي العلاف، دمشق مطلع القرن العشرين، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1976 م، ص80.

([50]) العظمة : مرآة الشام، ص 133.

(*) انظر الملحق رقم -3-

([51]) تقي الدين الحصني، منتخبات التواريخ، دار الأفاق الأبجدية، بيروت ط1 1979م. ج 1-3  ص 987.

(*) ازدادت أهمية ناظر الأوقاف بازدياد الأوقاف في مدينة دمشق مع أوائل العصر المملوكي حتى إن الإمام النووي كان يرفض تناول ثمار من غوطة دمشق لأنها كانت موقوفة. الحصني، المصدر السابق، ج 1-3، ص 988.

(*) كان الكل (أي العقار ) يقسم إلى قراريط أو أسهم مجموعها 24 قيراطاً. المصدر: رافق، بحوث اقتصادية واجتماعية، جامعة دمشق ط1985،ص75.

([52]) س 1187، و 93، ت 1319 هـ، 1902 م.والثمن هو واحد من ثمانية أقسام لدمشق.

([53]) س 950، و 159، ت 1310 هـ، 1893 م.

([54]) س 840، و 124، ت 1304 هـ، 1887 م.

س 799، و 19، ت 1301 هـ، 1884 م.

س 798، و 22، ت 1301 هـ، 1884 م.

([55])Gibb and  Bowen , is lamic society and the west , first  Edition 1957, vol – 1 – p. 171–173.

([56]) عوض : الإدارة العثمانية في ولاية سورية، ص 247.

([57]) كرد علي : خطط الشام، دمشق، 1925 – 1928م، ج5، ص 726-728.

([58]) عوض : مرجع ذكر سابقاً، ص 249

(*) جامع سنان باشا: بناه والي الشام سنان باشا عام 999هـ وهو يوسف بن عبد الله سنان باشا الوزير الأعظم، الكثير الخيرات في انحاء السلطنة العثمانية، أقام والياً في دمشق 19شهراً ثم تولى منصب الصدارة العظمى توفي 1004هـ.

المصدر: العلبي: خطط دمشق، ص212.

([59]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 11، و 173، ت 1321 هـ، 1904 م.

([60]) س 1292، و 125، ت 1323 هـ، 1906 م.

([61]) س 1227، و 107، ت 1320 هـ، 1903 م.

([62]) س 1196، و 30، ت 1319 هـ، 1902 م.

([63]) المحفوظات البطريركية الإنطاكية، رقم الوثيقة 54، D- LAT ،  ج3، ص 227

([64]) س 1159، و 211، ت 1318 هـ، 1901 م.

(*) انظر الملحق رقم (4- 6)

([65]) س 1130، و 130، ت 1316 هـ، 1899 م.

(**) تمسكات شرعية : حجج شرعية

([66]) س 1294، و 62، ت 1321 هـ، 1904 م.

س 1039، و 21، ت 1312 هـ، 1895 م.

س 1212، و 79، ت 1321 هـ، 1904 م.

([67]) يوسف الحكيم، ذكريات الحكيم رقم 3، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1966م، ص 85- 86

([68]) عز الدين عربي كاتبي الصيادي، – الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، دار الفارابي للمعارف، ط1 2000 م، ص 171

([69]) عبد الكريم رافق، بلاد الشام ومصر، دمشق ط 1967 م، ص 307.

([70]) س 20 تجارة، و 38، ت 1306 هـ، 1889 م.

([71]) س  848، و 28، ت 1304 هـ، 1887 م.

([72]) س تجارة 18، و 154، ت 1306 هـ، 1889 م.

([73]) البارودي: مذكرات، ج1، ص 12، أيضاً مجلة ثروت فنون، عالم مطبعة س  أحمد احسان وشركائه. نومرو 45 – دار الوثائق العثمانية، سوق ساروجة، دمشق، ص 367.

([74]) س 1161، و 49، ت 1319 هـ، 1902 م.

(*) الريال المجيدي : أو المجيدي الأبيض كان يعادل ت 7شوال 1303هـ، 1886م 24 غرش.

المصدر: س تجارة رقم(5) و(303) عام1886 م.

([75]) س 118 تجارة، و 161، ت 1333 هـ، 1914 م.

(*) تهليلة: هي في دمشق عنوان على الاجتماع على قراءة القرآن والأذكار التي تقام، والذي يقرأ يدعى تهللجي، المصدر، القاسمي،  قاموس الصناعات الشامية، دمشق 1960 م، بعناية معهد الدراسات العليا باريس، ص 122

([76]) البديري، الحلاق، حوادث دمشق اليومية، نشرها أحمد عزت عبد الكريم، القاهرة، ص 38 – 39.

([77]) س 927، و 97، ت 1309 هـ، 1892 م.

(**) جميع الجواري كانت بنت عبد الله.

([78]) س 1029، و 157، ت 1312 هـ، 1895 م.انظر: حسان حلاق، دراسات في تاريخ المجتمع العربي، دار المحروسة للطباعة والنشر، ط1، 1991، ص120.

([79]) هو سوق مدحت باشا.

([80]) س 974، و 162، ت 1311 هـ، 1894 م.

([81]) كرد علي: مذكرات ج1 ، ص 53.

([82]) س 1137، و 74، ت 1317 هـ، 1900 م.

(*) القبضايات : كلمة تركية مفردها قبضاي أي الخال الغليظ أو زكرتية – الفتوة.

المصدر: البارودي، مذكرات، ص72.

([83]) البارودي : مذكرات، ص 13.

([84])Ency clopedia of Islam ,AL-KAYS B. HUDJR-IMTTYAZAT,P1186.

(*) انظر الملحق رقم 9.

([85]) عبد الكريم رافق،  بحوث في التاريخ الاقتصـادي والاجتمـاعي لبلاد الشام،   ص 42-43

([86]) عبد الغني النابلسي مفتي دمشق، رسالة الصلح بين الإخوان في حكم إباحة الدخان، عُني بنشرها أحمد دهمان دمشق، 1343 هـ، 1926م،  من رافق، بحوث في التاريخ الاقتصادي، ص 31.

([87]) س 1087، و 137، ت 1316 هـ، 1899 م.

([88]) س 1272، و 65، ت 1323 هـ، 1906 م.

([89]) س 889، و 33، ت 1306 هـ، 1889 م.

([90]) س 877، و 69، ت 1305 هـ، 1888م.

([91]) س 1261، و 274، ت 1328 هـ، 1911م.

([92]) س 915، و 158، ت 1307 هـ، 1890 م.

([93]) س 868، و 106، ت 1306 هـ، 1889 م.

(*) التراس: صانع التروس مفردها ترس.

([94]) س 1045، و 243، ت 1314 هـ، 1897 م.

([95]) س 949، و 1، ت 1308 هـ، 1891 م.

([96]) س 1100، و 47، ت 1314 هـ، 1897 م.

([97]) س تجارة 86، و 253، ت 1329 هـ، 1912م.

([98]) س 961، و 123، ت 1309 هـ، 1892 م.

([99]) س 875، و 55، ت 1306 هـ، 1889 م.

([100]) س 1106، و 174، ت 1315 هـ، 1898 م.

([101]) س 898، و 17، ت 1307 هـ، 1890 م.

([102]) س تجارة، 118، و 161، ت 1333 هـ، 1916 م.

([103]) س تجارة، و 118، 188، ت 1333 هـ، 1916 م.

([104]) س تجارة،  92، و 4، ت 1328 هـ، 1911 م.

([105]) ل. ن كوتلوف : تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي منتصف القرن الـ 19 – 1908، وزارة الثقافة دمشق، 1981، مترجم، ص 160.

([106]) رافق: بحوث اقتصادية واجتماعية، ص ب ب.

(*) القومسيون: مبلغ من المال يدفع للوسيط في عمليات البيع.

([107]) س تجارة 18، و 143، ت 1306 هـ، 1889 م.

(**) المقاولة : الاتفاق.

([108]) س تجارة 18، و 176، ت 1306 هـ، 1889 م.

([109]) ليلى صباغ، الجاليات الأوروبية، مؤسسة الرسالة، بيروت 1989 م، ج1، ص 87.

(*) اجزاجي : بائع الأجزاء الطبية، الصيدلي، ومكان البيع الاجزخانة ( الصيدلية ).

المصدر: القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص130.

([110]) س 1249، و 124، ت 1322 هـ، 1905 م.

([111]) س 1281، و 105، ت 1319 هـ، 1902 م.

([112]) س تجارة، 22 و 67، ت 1307 هـ، 1890 م.

([113]) س تجارة، 14، و 47، ت 1305 هـ، 1888 م. انظر س 14، 1779، ت 1305 هـ، 1888م.

(*) انظر الملحق رقم 8 .

([114]) س تجارة 18، و167، ت 1306 هـ، 1889م.

([115]) س تجارة 19، و194، ت 1306 هـ، 1889 م.

([116]) عيساوي، التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 597.

([117]) س تجارة، 2، و257، ت 1302 هـ، 1885 م.

([118]) س تجارة، 2، و 49، ت 1302 هـ ، 1887 م.

([119]) س تجارة، 8، و121، ت 1304 هـ، 1887 م.

([120]) س تجارة،21، و 68، ت 1308 هـ، 1891 م

([121]) س 1292، و 195، ت 1323 هـ، 1906 م.

([122]) س تجارة 8، و 134، ت 1304 هـ، 1887 م.

([123]) س تجارة 15، و 213، ت 1306 هـ، 1889 م.

([124]) س تجارة 17، و 42، ت 1305 هـ، 1888 م.

([125]) س تجارة 18، و 170،ت 1306هـ، 1889 م. وقرية سوف قضاء وادي العجم.

([126]) س تجارة 20، و 4، ت 1306 هـ، 1889م.

([127]) س  22، و 89، ت 1307 هـ، 1890 م.

([128]) س  22، و 89، ت 1307 هـ، 1890 م.

([129]) س 1095، و29، ت، 1312هـ، 1895م.

([130]) س 1140، و 123، ت 1310هـ، 1893م.

(*) الفوائد النظامية : المعترف بها 8 % وهي كبيرة وقد عانى منها الناس أما غير النظامية فكانت تصل 25 %

([131]) س تجارة، و 115، و 77، ت 1306 هـ، 1889 م.

([132]) س تجارة، 20، و 65، ت 1306هـ، 1669 م.

([133]) س تجارة، 22، و 87، ت 1307 هـ، 1890 م.

([134]) س تجارة، 10، و 6، ت 1304 هـ، 1887 م.

([135]) س تجارة 20، و 59، ت 1306 هـ، 1889 م.

([136]) س تجارة، 18، و 73، ت 1303 هـ، 1886 م.

([137]) س تجارة، 11، و 59، ت 1304 هـ، 1887 م.

شيلشر: دمشق في القرنين 18 و 19، حول الصرافين الذين اختصوا بتحويل السندات المالية وربحوا كثيراً. ص 104.

([138]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للهلال الخصيب، ص 68.

(*) البوايك : جمع بايكة وهي مكان إنزال الدواب والحيوانات.

المصدر: القاسمي، قاموس الصناعات الشامية ص 170 .

([139]) س تجارة، 19، و 67، ت 1306 هـ، 1889 م.

([140]) س تجارة، 1، و 200، ت 1302 هـ، 1885 م.

([141]) كوتلوف : حركة التحرر الوطني، ص 79.

([142]) الحويطات، عدنان عطار، دراسة تاريخية جغرافية اجتماعية سياسية، لا توجد دار نشر ولا تاريخ طباعة، ص 74.

([143]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 366.

(*) الأرثوذكسي : المستقيم الرأي.

(**) البورستان : هم أتباع الكنيسة الإنجيلية.

([144]) س 1322، و 108، ت 1327 هـ، 1910 م.

([145]) فراس السامرائي، تقاليد دمشق الاجتماعية، الأوائل للنشر، دمشق، سورية، ط1 2004. ص 95

([146]) س 1296، و 163، ت 1324 هـ، 1907 م.

([147]) س 1045، و 66، ت 1313 هـ، 1894 م.

(*) الويركو: كلمة تركية، تعني ضريبة، أو رسم (ويرمك)، وهي ويركو الأملاك والتمتع، تقسم إلى عشرة أقساط في السنة توزع على الفلاحين كسندات قيمة كل منها 5 قروش.

([148]) س 1108، و 154، ت 1316 هـ، 1899 م.

(**) العنّابة و الزينبية : تمثل اليوم منطقة السادات وساحة التحرير والعباسيين وما حولها.

([149]) س 963، و 237، ت 1309 هـ، 1892 م.

([150]) س 997، و 14، ت 1310 هـ، 1893 م.

([151]) س 1002، و 87، ت 1312 هـ، 1895 م.

([152]) س 1180، و 118، ت 1317 هـ، 1900 م.

([153]) س 1270، و 86، ت 1323 هـ، 1966 م.

([154]) س تجارة 89، و 10، ت 1329 هـ، 1912 م.

([155]) س تجارة 92، و 56، ت 1329 هـ، 1912 م.

([156]) س 1268، و 280، ت 1324 هـ، 1907 م.

([157]) س 1249، و 124، ت 1322 هـ، 1905 م.

([158]) س 1281، و 105، 1319 هـ، 1902 م.

([159]) س 1090، و 19، ت 1315 هـ، 1898 م.

([160]) س 781، و 6، ت 1302 هـ، 1885 م.

([161]) س 927، و 219، ت 1309 هـ، 1892 م.

([162]) س 855، و 52، ت 1304 هـ، 1887 م.

س 855، و 54، ت 1304 هـ، 1887 م.

س 848، و 34، ت 1304 هـ، 1887 م.

س 877، و 138، ت 1305 هـ، 1888 م.

(*) انظر الملحق رقم 70

(**)  الحواش : جمع حوش، الدار.

([163]) س 853، و 235، ت 1305 هـ، 1888 م.

س 864، و 80، ت 1305 هـ، 1888 م.

([164]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 2، و 189، ت 1242 هـ، 1825 م.

([165]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 8، و 9، ت 1273 هـ، 1855 م.

([166]) مخطوط سلاطين آل عثمان، ج3، الخاص بالسلطان عبد الحميد الثاني، مصنفه تحت رقم 10704 المكتبة الظاهرية تاريخ الاسلام، ص 99. مكتبة الأسد. دمشق.

([167]) المصدر السابق، ص 55.

([168]) س تجارة 18، و 32، ت 1305 هـ، 1888م.

([169]) س تجارة 19، و 194، ت 1306 هـ، 1889 م.

([170]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 8، و 9، ت 1273 هـ، 1855 م.

([171]) أكرم العلبي، يهود دمشق في العصر العثماني، كتاب قيد الطبع.

([172]) الزواهرة، تاريخ الحياة الاجتماعية في لواء دمشق، ص 29.

انظر أيضاً: البرت حوراني، تاريخ الشعوب العربية، بيروت، لبنان ط 1997، ص 294.

(*) منطقة القينية والحمرية : هي المنطقة المحيطة بجريدة الثورة ودوار كفرسوسة والمسافة تصل إلى ألف متر من جميع الجهات.

([173]) الزواهرة، المرجع السابق، ص 23 – 24.

([174]) س 20، و 22، ت 1306 هـ، 1889 م.

(**) محلة الزط : تقع غربي الأليانس في شارع اليهود اليوم. وكانت امتداداً لحارة اليهود.

([175]) س 848، و 83، ت 1304 هـ، 1887 م.

([176]) س 897، و 53، ت 1306 هـ، 1889 م.

([177]) س 1107، و 205، ت 1316 هـ، 1899 م.

([178]) س 972، و 158، ت 1311 هـ، 1894 م.

(*) مشد المسكة : هي حق الفلاح في البقاء في الأرض التي استصلحها. وهذا الحق مذكور في كتب الفقه. ويمكن التنازل عنه مقابل مبلغ من المال. كما أنه يورث أيضاً. ونعتقد أن هذه الفكرة جديدة على الكثيرين من الباحثين. حاشية ابن عابدين – دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1998 م، ج 7 ص 31.

([179]) س 1142، و 19، ت 1317هـ، 1900م.

([180]) س 1108، و 82، ت 1317 هـ، 1900 م.

([181]) س 1184، و 142، ت 1317 هـ، 1900 م.

([182]) س 772، و 112، ت 1301 هـ، 1884 م.

([183]) س 1113، و 3، ت 1315 هـ، 1898 م.

([184]) س 1154، و 210، ت 1317 هـ، 1900 م.

([185]) س 1247، و 136، ت 1323 هـ، 1906 م.

(*) كاليبولي: ميناء هام عند مدخل بحر مرمرة من جهة البحر المتوسط، لعب دوراً عسكرياً مهماً في فترة السلطنة العثمانية. أطلس سورية والعالم، مكتبة أطلس، دمشق، سورية ص 69.

([186]) س 1214، و 137، ت 1320 هـ، 1903 م.

([187]) س 988، و 80، ت 1310 هـ، 1893 م.

([188]) س 972، و 25، ت 1310 هـ، 1893 م.

([189]) س 972، و 39، ت 1310 هـ، 1893 م.

([190]) س 1071، و 60، ت 1314هـ، 1898م.

([191]) س 1154، و 90، ت 1316 هـ، 1899 م.

(*) الفدان الروماني : يعادل (6000 متر) فتكون مساحة الأرض 12.5 فدان × 6000 متر 2

([192]) الموسوعة الفقهية – الكويت 1987 م. ط2، ج9، ص 63.

(**) فراغ الوفاء : تعني حق البائع في استرداد ما باعه من المشتري خلال فترة تُحدد. فإذا انقضت المدة ولم يُعد البائع المال أصبح البيع ناجزاً و قطعياً.

([193]) س 811، و 103، ت 1303 هـ، 1880 م.

([194]) س 1109، و 81، ت 1316 هـ، 1899 م.

(*) قرية جلين: في لواء حوران. نلاحظ أنه سكن فيها يهود وكانوا وكلاء عن يهود آخرين انظر الوثائق السابقة.

([195]) س 1039، و 21، ت 1312 هـ، 1895 م.

([196]) مجلة الثورة الثقافي، العدد 468، ت 5،7، 2005، ص 11- 10 (العنوان : خراب الشحم تعدد الشواهد الحضارية) تصوير وتحقيق ” ياسر أبو نقطة “.

(*) الملاحظ من الوثائق أن أثرياء اليهود هؤلاء استأجروا الأراضي المذكورة ربما لعدم تمكنهم من شرائها لرفض الحكومة العثمانية ذلك أو لأنهم يريدون حفر وسلب ما فيها من لقى أثرية وطمس معالم حضارة شعوب المنطقة الأصليين، قبل كشف وتكذيب زيف ادعاءاتهم.

(**) انظر في الوثيقة السابقة كيف أن أغنياء اليهود استأجروا أراضي حوران والقنيطرة بشكل متجاور.

([197]) س 1212، و 79، ت 1321 هـ، 1904 م.

([198]) س 1294، و 62، ت 1321 هـ، 1904 م.

س 1027، و 84، ت 1312 هـ، 1895 م.

([199]) س 1004، و 202، ت 1312 هـ، 1895 م.

([200]) س 1120، و 133، ت 1315 هـ، 1898 م.

(*) يمكن العودة للوثائق والاطلاع على أسماء هذه العائلات.

([201]) س تجارة، 120، و 1535، ت 1334 هـ، 1917 م.  س 1324، و 87، ت 1325 هـ، 1908م.

([202]) س تجارة (73، و 178، ت 1322 هـ، 1905 م.

([203]) انظر نص الوثيقة رقم 92،  س  772، في الملحق رقم 1، دمشق، ت 1301 هـ، 1884 م.

([204]) نعمان القساطلي.. الروضة الغناء في دمشق الفيحاء، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان، ط 1879 م، ص 96.

([205]) الصباغ : الجاليات الأوروبية،، ج2، ص 320.

([206]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق المجلد 24، و 29، ت 1208 هـ، 1791 م.

([207]) س 927، و 105، ت 1309 هـ، 1892 م.

([208]) س تجارة 89، و 94، ت 1329 هـ، 1912م.

([209]) س تجارة 83، و 30، ت 1327 هـ، 1910 م.

([210]) س 867، و 139، ت 1305 هـ، 1888 م.

([211]) أوامر سلطانية مجلد، 9، و 266، ت 1303 هـ، 1884 م.

([212]) س تجارة 83، و 6،ت 1327هـ، 1910م.

([213]) س تجارة 11، و 141، ت 1307 هـ، 1890 م.

([214]) س تجارة2، و177، ت 12 رمضان 1302هـ، 1883م.

(*) الحمايا ( البراءتلية) هم سكان محليون دمشقيون تمتعوا بالحماية الأجنبية بموجب البراءة السلطانية.

([215]) شيلشر: دمشق في القرنين 18 – 19، ص 105.

([216]) شيلشر: المرجع السابق، ص 106

([217]) شيلشر: المرجع السابق، ص 106 – 105.

([218]) الصباغ: الجاليات الأوروبية، ج1 ، ص 71.

([219]) س تجارة 18، و 8، ت 1305 هـ، 1888م.

([220]) س تجارة 19، و 65، ت 1306 هـ، 1889 م.

([221]) س تجارة 19، و 71، ت 1306 هـ، 1889 م.

([222]) الصباغ : الجاليات الأوروبية، ج1، ص 72

([223]) ارنست رامزور، تركية الفتاة وثورة 1908م”، ترجمة د. صالح أحمد العلي، بيروت 1960 ص42.

([224]) شيلشر: دمشق في القرنين 18 – و 19، ص 107.

([225]) رامزور، مرجع سابق، ص43.

([226]) س تجارة 18، و 172، ت 1306 هـ، 1889 م.

([227]) شيلشر: دمشق في القرنين 18 و 19، ص 107- 108.

([228]) س تجارة، 11، و 46، ت 1304 هـ، 1887 م.

([229]) سركو: الامتيازات الأجنبية، ص 241.

([230]) س تجارة 10، و 111، ت 1304 هـ، 1887 م.

([231]) س 934، و 97، ت 1310 هـ، 1893 م.

(*) القوّاص: هو من يخدم القناصل، ويمشي أمامهم حاملاً سلاحه لابساً ثياباً مزركشة ومزخرفة واذا ركب القنصل عربة، يجلس القواص بجانب السائق، القاسمي،  قاموس الصناعات الشامية، ص 368.

([232]) س تجارة 118، و 144، ت 1333 هـ، 1918 م.

([233]) نزيه الكواكبي، دمشق دراسات تاريخية وأثرية، المديرية العامة للآثار والمتاحف، دمشق، ط1 1980م، ص 189.

([234]) س 1214، و 52، ت 1319 هـ، 1900 م.

([235]) س 1306، و 26، ت 1324 هـ، 1905 م.

([236]) س 888، و 39، ت 1307 هـ، 1888 م

([237]) س 1112، و 107، ت 1316 هـ، 1897 م

([238]) أوامر سلطانية دمشق، مجلد 8، و 69، ت 1288 هـ، 1869 م.

([239]) س 790، و 95، ت 1302 هـ، 1883 م.

([240]) س 811، و 136، ت 1303 هـ، 1884 م.

(*) جزيرة كريت : تقع في البحر المتوسط جنوب اليونان وهي تابعة لها،، أطلس سورية والعالم، الصباغ، 1973 م. ص783 – 79

([241]) س 1129، و 3، ت 1316 هـ، 1897 م.

(**) الموره : شبه جزيرة تقع جنوب اليونان على البحر المتوسط، أطلس سورية، المرجع السابق،.

([242]) س 1170، و 188، ت 1318 هـ، 1899 م.

([243]) س 1300، و 181، ت 1324 هـ، 1905 م.

([244]) س 1305، و 218، ت 1324 هـ، 1905 م.

([245]) نزيه الكواكبي، دراسات تاريخية وأثرية، ص 196.

([246]) س 877، و 16، ت 1305 هـ، 1886 م.

([247]) س 936، و 83، ت 1309 هـ، 1890 م.

([248]) س 971، و 31، ت 1309 هـ، 1890 م.

([249]) س 936، و 256، ت 1310 هـ، 1891 م.

([250]) س 1180، و 93، ت 1317 هـ، 1898 م.

(*) بخارى : مدينة شرق ايران،على الحدود مع تركمنستان حيث وصل الاسلام، أطلس سورية، مرجع سابق،

([251]) س 1140، و 165، ت 1317 هـ، 1898 م.

([252]) س 861، و 129، ت 1305 هـ، 1886 م

([253]) س 849، و 232، ت 1305 هـ، 1886 م.

([254]) س 927، و 70، ت 1309 هـ، 1890 م.

([255]) س 951، و 119، ت 1310 هـ، 1891 م.

([256]) س 1188، و 103، ت 1318 هـ، 1899 م.

([257]) س تجارة، 120، و 1507، ت 1335 هـ، 1916 م.

([258]) الكواكبي : دمشق دراسات تاريخية وأثرية، ص 197.

([259]) س 889، و 74، ت 1306 هـ، 1887 م.،  س 1045، و 148، ت 1313 هـ، 1894 م

([260]) س 1142، و 193، ت 1317 هـ، 1898.

([261]) س 877، و 16، ت 1305 هـ، 1886 م.، س 977، و 218، ت 1309 هـ، 1890 م

([262]) أوامر سلطانية، دمشق، 17، و 79، ت 1305 هـ، 1886 م.

([263]) س تجارة، 17، و 79، ت 1305 هـ، 1886 م.

([264]) أوامر سلطانية دمشق، 11، و 148، ت 1319 هـ، 1900 م.

([265]) س 1249، و 86، ت 1321 هـ، 1902 م.

([266]) س 1300، و 181، ت 1324 هـ، 1906 م

([267]) س 877، و 16، ت 1305 هـ، 1887م.

([268]) س 971، و 31، ت 1309 هـ، 1891م.

(*) الذراع المعمارية : هو الذراع النجاري الذي استخدم في دمشق في الفترة نفسها (1890) لقياس قطعة أرض خالية من البناء داخل دمشق كان طولها 67.75. المصدر : Baedker  – من رافق : تحليل وثائق غزة، بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لبلاد الشام في العصر الحديث، ص 79.

([269]) س 1317، و 60، ت 1326 هـ، 1907 م

([270]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد،6، و 37، ت 1285 هـ، 1866 م

([271]) س 1212، و7، ت 1321 هـ، 1902 م.

([272]) س 1197، و 245، ت 1320 هـ، 1901 م.

([273]) أكرم العلبي، خطط دمشق، دار الطباع، دمشق 1989، ص 336.

([274]) العلبي : خطط دمشق، ص 357

([275]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 11، و 166، ت 1301 هـ، 1882 م.

([276]) أوامرسلطانية دمشق، المجلد 11، و 243، ت 1324 هـ، 1905 م.

([277]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 11، و 142، ت 1318 هـ، 1899 م

([278]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 8، و 69، ت 1288 هـ، 1869 م.

([279]) أوامر سلطانية دمشق، المجلد 11، و166، ت 1301، 1882 م

([280]) س 1214، و 219، ت 1321 هـ، 1902 م.

([281]) س 849، و 219، ت 1305 هـ، 1886 م.

(*) السكة : هو الشارع الرئيسي في حي المهاجرين تمتد ما بين الجهاركسية وجامع العفيف غرباً وقد دعيت تلك الجهة بعد ذلك بخان السبيل وتتجه غرباً إلى قرب محطة أبو رمانة وقد يطلقون اسم السكة على ذلك كله. وهذه التسمية تعود إلى أواخر العهد المملوكي وفترة الاحتلال العثماني. إلا أن التسمية اليوم تطلق على  الجادة الرئيسية من حي المهاجرين التي تمتد من طلعة شورى حتى ساحة أخر الخط. ثم بعد إنشاء سكة الترامواي في نفس الشارع المذكور نسبت إليها،  معالم دمشق القديمة. أحمد الأيبيش، د. قتيبة الشهابي، معالم دمشق التاريخية، وزارة الثقافة، دمشق، 1985م، ص 288.

([282]) س 889، و 127، ت 1306 هـ، 1887م.

([283]) س 925، و 65، ت 1309 هـ، 1890م.

([284]) س 1133، و 3، ت 1316 هـ،1897 م

([285]) س 886، و 39، ت 1307 هـ، 1888م.

([286]) س 952، و 159، ت 1308 هـ، 1889 م.

([287]) س 977، و 218، ت 1309 هـ، 1890 م.

([288]) س 1031، و 182، ت 1312 هـ، 1893 م.

([289]) س 1045، و 148، ت 1313 هـ، 1894 م.

([290]) س 1140، و 51، ت 1317 هـ، 1898 م.

([291]) س 1140، و 44، ت 1317 هـ، 1898 م.

([292]) س 1270، و 78، ت 1323 هـ، 1904 م.

([293]) مجلة العاصمة، جريدة الحكومة الرسمية، تاريخ نشأتها 1919 م.، تصدر مرتين في الاسبوع، بخصوص المهاجرين العدد 2 ص 6، ت 27 شباط 1919، مركز الوثائق العثمانية، سوق ساروجة، دمشق.

([294]) مجلة، صدى حرمون، العدد 4، ت 4 شباط ، آذار  ، 2005، مجلة قومية اجتماعية أدبية فكرية.

([295]) الزواهرة، لواء دمشق اجتماعياً، ص 57.

([296]) س تجارة، 85، و 29، ت 1319 هـ، 1902 م.

([297]) س تجارة، 118، و 330، ت 1332 هـ، 1915 م.

س، 1091، و 77، ت 1315 هـ، 1898 م.

س، 1046، و 170، ت 1313 هـ، 1896 م.

([298]) البارودي : مذكرات، ج1، ص 13.

([299]) س 927، و 97، ت 1309 هـ، 1892 م.

([300]) س 1029، و 126، ت 1312 هـ، 1895 م.

([301]) س تجارة، 118، و 188، ت 1332 هـ، 1915 م.

([302]) س تجارة، 118، و 161، ت 1332 هـ، 1915 م.

([303]) س 1275، و 129، ت 1323 هـ، 1906 م.

([304]) س 952، و 135، ت 1308 هـ، 1891 م.

([305]) س 952، و 135، ت 1308 هـ، 1891 م.

([306]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 143.

(*) منذ ماقبل الميلاد كانت دمشق تخرج العباقرة في الهندسة المعمارية (الجسور والقصور ) ولنا في ابلودور الدمشقي مثال، فقد أدهش بعمارته الرومان واليونان ولا تزال آثار الأبنية والجسور التي أشادها، تشهد بعبقرية المهندس الدمشقي الفنان (انظر البيوت الدمشقية الرائعة في المدينة القديمة)

([307]) العلاف : المصدر السابق، ص 144.

([308]) س 1268، و 280، ت 1324 هـ، 1907 م.

([309]) س 772، و 58، ت 1301هـ، 1884 م.

([310]) الحصني : منتخبات التواريخ، ص 274.

([311]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 137.

([312]) أوراق فارس الخوري، ص 85.

([313]) س 1180، و 26، ت 1317 هـ، 1900 م.

([314]) س  877، و 38، ت 1305 هـ، 1888 م.

([315]) س 806، و 367، ت 1303 هـ، 1886م.

(*) انظر الملحق رقم 30.

([316]) العلاف: مصدر سابق، ص 139.

(**) الحجّام: هو من يمتص الدم الفاسد بالمحجم ( كاسات من زجاج) وهذا يخفف الآلام وهي منتشرة اليوم.

المصدر: قاموس الصناعات الشامية، ص80.

([317]) كتاب فطير صهيون،ترجمة من الوثائق الفرنسية، يوسف حنا نصر الله، ط 1، بيروت 1388هـ، 1968م، ط2 1986م، دار طلاس، دمشق.

([318]) قاسمية: حياة دمشق الاجتماعية، ص 45.

([319]) س تجارة 89، و 82، ت 1329 هـ، 1912 م.

([320]) س تجارة 76، 1179، ت 1323 هـ، 1906 م.

([321]) س 1170، و 95، ت 1319 هـ، 1902 م.

([322]) القاياتي : نفحة البشام، ص 114

([323]) الصيادي :  الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، ص 156 – 161.

([324]) خالد العظم، مذكرات، مجلد 1، الدار المتحدة للنشر، بيروت 1973 م، ج 1، ص 23.

([325]) س 900، و 133، ت 1306 هـ، 1889 م.

ذكر أنه كان في دمشق عدة مشافٍ. كان هناك المستشفى العسكري في أول الصالحية إلى الشمال من موقع فندق الشام حيث كانت الثكنة العسكرية في دمشق، وقد بني في العهد العثماني بعد رحيل القوات المصرية كما هو واضح في الأوامر السلطانية، ويخطئ من ينسب بناءه إلى ابراهيم باشا ” الأوامر السلطانية في دمشق، س 3، و 119، ص 35- 39، في القسم العثماني من الأوامر وليس القسم المترجم ”

([326]) س 1267، و 108، ت 1323 هـ، 1906 م.

([327]) س 1247، و 260، ت 1323 هـ، 1906 م.

([328]) العلاف: مصدر سابق، ص 142.

كانت هذه الصيدلية في أول سوق البزورية بجوار محكمة البزورية من الجنوب، وبعد سليم فارس تسلمها ابنه انطون سليم فارس وبقيت كذلك زمناً طويلاً، ثم تحولت اليوم إلى محل لبيع السكاكر. أكرم العلبي، موسوعة دمشق الكبرى،  كتاب قيد النشر.

([329]) كرد علي: خطط الشام، ص 159 – 160.

([330]) س 1249، و 124، ت 1322 هـ، 1905 م.

([331]) س 1249، و 123، ت 1322 هـ، 1905 م   ” وهي صيدلية سليم فارس”.

([332]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ج 2، ص 279

([333]) سجل محفوظات البطريركية الأرثوذكسية دمشق رقم،  2508 – DAM – ت 1908، 1909 ج1، ص 36.

([334]) س 1100 و 87، ت 1314 هـ، 1807 م.

(*) انظر الملحق رقم -10-

(*) المقاولة: الاتفاق.

([335]) س تجارة، 96، و 87، ت 1328 هـ، 1911 م.

([336]) حصري: البلاد العربية والدولة العثمانية، ص120.

(*) انظر الملحق رقم -7-

([337]) قرآن كريم، الآيات بحسب تسلسلها، سورة البقرة 220، سورة النساء  2 و 10.

([338]) أوامر سلطانية، قاضي دمشق، المجلد 8، و 179، ت 1290 هـ ، 1873م

([339]) أوامر سلطانية، قاضي دمشق، المجلد 10، و 183، ت 1302 هـ، 1885 م.

([340]) أوامر سلطانية، قاضي دمشق، المجلد 8، و 345، ت 1294 هـ، 1877م.

(*) أراضي العنابة: هي المنطقة المحيطة بحي القصاع حتى ساحة العباسيين.

([341]) س 1066، و 12، ت 1313 هـ، 1896 م. (انظر نص الوثيقة في الملحق رقم 7)

([342]) س 1066، و 13، ت 1313 هـ، 1896 م. (انظر نص الوثيقة في الملحق رقم 7 )

([343]) س 1066، و 14، ت 1313 هـ، 1896 م. (انظر نص الوثيقة في الملحق رقم 7 )

([344]) س 874، و 65، ت 1305 هـ، 1888 م.

([345]) س 874، و 39، ت 1505 هـ، 1888 م.

([346]) س 874، و 10، ت 1305 هـ، 1888م.

([347]) س 1137، و  48، ت 1317 هـ، 1900م.

([348]) س 1305، و 41،ت 1324 هـ، 1907 م.

([349]) بشير  العظمة، جيل الهزيمة من الذاكرة، رياض الريس، دمشق، ط1 1991م، ط2 1998م،  ص 30

(*) تمغة: ختم.

([350]) أوامر سلطانية، إلى قاضي دمشق، المجلد 10، و 181، ت 1301 هـ، 1884 م.

([351]) يوسف نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، دار طلاس، دمشق، سورية ط1، 1986 م، ج2 ص 296.

([352]) العظمة : مرأة الشام، ص 134- 135.

([353]) كرد علي: خطط الشام، ج6، ص 277

([354]) كرد علي: خطط الشام، ج 6، ص 277.

([355]) العظمة: مرآة الشام، ص 155.

([356]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص 287-288.

([357]) القاسمي: المصدر السابق، ج 2، ص 417

([358]) السربوش: لفظة فارسية عبارة عن لباس تضعه النساء على الرأس. وقد عرف المتأخرون السربوش وقالوا إنه يشبه التاج، شكله مثلث يجعل على الرأس بغير عمامة، نعيسة، مجتمع مدينة دمشق، ج 2، ص 699.

([359]) تجليها: الجلوة هي الغناء للعروس كي تشعر بالفرح

([360]) القاسمي: نفس المصدر، ج2، ص 288.

([361]) نعيسة: مجتمع مدينة دمشق، ج2، ص 704.

([362]) القساطلي: الروضة الغناء في دمشق الفيحاء،  ص 127.

([363]) العظمة: مرآة الشام، ص 84

([364]) محفوظات البطريركية الأرثوذكسية، ج2، ص 37، و 1272، DAM  ورقة أصول شخصية، ت 1327هـ/1910م.

([365]) القساطلي: الروضة، ص 128.

([366]) القساطلي: المصدر السابق، ص

([367]) كرد علي: خطط الشام، ج 6، ص 290.

([368]) نعيسة:  مجتمع مدينة دمشق، ج2، ص 706.

([369]) كرد علي: خطط الشام، ج6، 290.

([370]) كرد علي: المصدر السابق، ج6، ص 290.

([371]) القساطلي: مرجع سابق، ص 127

([372]) س 1076، و 129، ت 1314 هـ، 1897 م.

([373]) الشلاح: للتاريخ والذكرى، لا يوجد دار نشر، دمشق 1990م، ص 24.

([374]) س 1216، و60، ت 1319 هـ، 1902 م.

([375]) س 1254، و 14، ت 1321 هـ، 1904.

([376]) س 1198، و 102، ت 1321 هـ، 1904 م.

([377]) س 1161، و 10، ت 1318 هـ، 1901 م.

([378]) س 1047، و 146، ت 1313 هـ، 1896 م

([379]) س 1213، و 11، ت 1319 هـ، 1902 م

([380]) س 910، و 98، ت 1308 هـ، 1891 م.

(*) وهذا يسمى مخالعة، وهو معروف في المحاكم إلى اليوم. ويكون في حالة رغبة الزوجة وحدها في الطلاق دون الزوج، وذلك لمنع تلاعب المرأة بالزواج.

([381]) س 790، و 100، ت 1302 هـ، 1885 م

([382]) س 925، و 90، ت 1308 هـ، 1891 م

([383]) س، 892، و 253، ت 1307 هـ، 1890 م

([384]) س 781، و 75، ت 1302 هـ، 1885 م

([385]) س 867، و 111، ت 1303 هـ، 1886 م.

(*) النفقة: وهي مبلغ من المال تفرض على الزوج للزوجة من قبل الحاكم الشرعي، تصرفها على نفسها وأولادها.

([386]) س 781، و 53، ت 1302 هـ، 1885 م

([387]) س 780، و 156، ت 1303 هـ، 1886 م

([388]) س 337، و 159، ت 1304 هـ، 1887 م.

([389]) س 914،  و 149، ت 1002308 هـ، 1891 م

([390]) س 1075، و 190، ت 1313 هـ، 1896 م

([391]) س 1100، و 20، ت 1313 هـ: 1896 م

([392]) س 1107، و 25، ت 1315 هـ، 1898 م

([393]) العظمة: جيل الهزيمة من الذاكرة، ص 39.

(*) إن التكشف الفاضح البعيد عن الحشمة هو من أعظم دواعي إثارة الشهوات والانحرافات. إن النساء اليوم والفتيات مطالبات أن يمارسن نوعاً من الحشمة العصرية المتناسبة مع الأخلاق العامة، وأن تراعي المرأة الآخر الذي تتعامل معه في المجتمع الواحد، مع التدين اللائق كل حسب أوامر شريعته، وممارسة الاحترام والتعاون دون إكراه في الأمور الشخصية ( كلنا مسلمون لرب العالمين، وكلنا آمن برسالة الأنبياء والرسل وبنبيه الخاص، وجميع الطرق تؤدي إلى الله الواحد شفيع الجميع.

([394]) القاياتي: نفحة البشام، ص 140.

([395]) العظمة: جيل الهزيمة من الذاكرة، ص 33.

([396]) س 1198، و 102، ت 1321 هـ، 1904 م

([397]) العظمة: مرآة الشام، ص 76 – 77.

([398]) البارودي: مذكرات، ج1، ص 13.

(*) “أسطة تغسل رأس النساء بالحمام، البلانة: تخرج الأوساخ، الرسّامة: تمارس الرسم وتطريز الصرما، الغسالة: غسل الثياب، تعمل بها الفقيرات، الماشطة: الداية، تأتي ليلة زفاف العروس، النقاشة: التي تنقش على أيدي العروس ومن يرغب من أهلها، الكبابة: التي تعمل الحرير كبكوبة.

([399]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ج1، ص 37، 134، 154، 403، 408.

(*) لودان: أقراط.

([400]) س تجارة 19، و 31، ت 1306 هـ، 1889 م.

([401]) س تجارة 18، و 292، ت 1305 هـ، 1888 م

([402]) س تجارة،12، و 4، ت 1304 هـ، 1887م.

([403]) س تجارة،7، و 194، ت 1304 هـ، 1887 م.

([404]) س تجارة، 1، و 129، ت 1302 هـ، 1885 م.

([405]) س 1139، و 122، ت 1317 هـ، 1900 م

(*) الكدك: هو محتويات المحل المنقولة كالميزان والرفوف.

([406])  س 944، و10، ت 1307 هـ، 1890 م.

([407]) س 812، و 40، ت 1303 هـ، 1886 م.

(**) استحكرت: استثمرت، أصبحت الأرض حكراً عليها.

([408]) س 813، و 52، ت 1303 هـ، 1886 م.

([409]) س 1239، و 11، ت 1321 هـ، 1904 م.

([410]) س 813، و 3، ت 1303 هـ، 1886 م.

([411]) س 1196، و 7، ت 1319هـ، 1902 م.

([412]) س 870، و 142،ت 1302 هـ، 1885 م

(*) جفلكات: جمع جفتلك وهي قرية صغيرة مع ما يتبعها من أراضٍ (حتى اليوم تستخدم في المناطق الشمالية من سورية القريبة من الحدود مع تركيا.

(**) الفرون: جمع فرن لصنع الخبز.

([413]) س 790، و 39، ت 1302 هـ، 1885 م

([414]) س 781، و 11، ت 1302 هـ، 1885 م.

(***) العربخانات: محلات العربيات التي كانت تجرها الخيل وتستخدم لركوب الناس والتنقل داخل مدينة دمشق والريف المجاور. وبقيت حتى النصف الثاني من القرن العشرين حيث نافستها السيارة وتوقف عملها.

([415]) س 1249، و 31، ت 1321 هـ، 1904 م

([416]) س 1049، و 9، ت 1313 هـ، 1896 م.

([417]) س 1321، و 129، ت 1326 هـ، 1909 م.

([418]) س 840، و 248، ت 1304 هـ، 1887 م.

([419]) س 1245، و 182، ت  لا يوجد

([420]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 9، و 34، ت 1302 هـ، 1885 م.

(*) انظر الملحق رقم -12-

([421]) غرايبة:سورية في القرن الـ 19، محاضرات عام 1961 م، ص 137

([422]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 24 – 34

(**) القنباز: هو ثوب طويل يصل إلى مشط القدم. مفتوح من الأمام، عريض من الأسفل، يضيق من الأعلى ويرد من الطرف الأيمن عادة فوق الأيسر ويعلق عند العنق بزر ظاهر.

([423]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 2

(*) بقي الطربوش مستخدماً حتى سبعينات القرن العشرين لدى كبار السن. وقد  رأيت بعض الأقارب يرتدونه ” الباحثة.

([424]) العظمة: مرآة الشام، ص 72 – 74.

([425]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص 292

([426]) س 1037، و 205، ت 1313 هـ، 1896 م

([427]) العظمة: مرأة الشام، ص 72.

(*) المتيان: كان يلبس تحت السروال وهو ثوب مفتوح من الصدر يسمى (متيان).

(**) ساكو جوخ: أي جاكيت جوخ.

([428]) س 1037، و 205، ت 1313 هـ، 1896 م.

([429]) العظم: مذكرات خالد العظم، ص 14 – 38

([430]) س 738، و 84، ت 1298 هـ، 1881 م

([431]) س 886، و 11، ت 1306 هـ 1889 م

([432]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 103

([433]) العظمة: مرآة الشام،  ص 72 -73

([434]) العظم: مذكرات، ص 33.

([435]) العظمة: مرأة الشام، ص 73.

([436]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 103

([437]) العظمة: جبل الهزيمة من الذاكرة، ص 41.

([438]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص 394.

([439]) العظمة: مرآة الشام، ص 73.

([440]) العظمة: المرجع السابق، ص 86- 87.

([441]) نعيسة: مجتمع مدينة دمشق، ج2 ص 651

([442]) العظمة:مرآة الشام، ص 88.

([443]) الزواهرة: لواء دمشق اجتماعياً، ص 75.

([444]) أوراق فارس الخوري، ص 323، أيضاً  قاسمية: حياة دمشق الاجتماعية، ص 90.

([445]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 120.

([446]) العلاف: المصدر السابق، ص 53 – 59.

([447]) نعيسة: مجتمع مدينة دمشق، ج2 ، ص 651.

([448]) كرد علي: خطط الشام، ج6، ص 276.

([449]) العظمة: مرأة الشام، ص 87

([450]) كرد علي: خطط الشام،  ج6، ص 276.

([451]) كرد علي: المصدر السابق، ج6، ص 240

([452]) المرجع، الأب باسيلوس سامي سيّاف، كاهن رعية برزة للروم الأرثوذكس.

(*) جاء في بشارة السيد المسيح ” أجاب رئيس المجمع اليهودي وهو مغتاظ لأن يسوع أبرأ في يوم السبت وقال للجمع هي ستة أيام ينبغي العمل ففي هذه ائتوا واشتغلوا وليس في يوم السبت، فأجابه يسوع وقال: يا مرائي ألا يحل كل واحد منكم في السبت ثوره  أو حماره من المذود ويمضي به ويسقيه..” انجيل لوقا – الاصحاح 13 – الآية 14 – 13 العهد الجديد وقد ترجم من اللغة اليونانية أصدرته جمعية الكتاب المقدس، بيروت، 1970.

([453]) كاميليا أبو جبل، يهود اليمن، دار النمير، سورية، ط1 1999، دمشق ص 120.

([454]) التوراة، سفر الخروج، الاصحاح،12، انظر د. كاميليا ابو جبل، يهود اليمن، ص 121.

([455]) قتيبة الشهابي، دمشق تاريخ وصور، وزارة الثقافة، 1986 م، ص 87.

([456]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 120.

([457]) ابن كنان  الصالحي الدمشقي، يوميات شامية، ص 19

([458]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 135.

([459]) العظمة: مرآة الشام، ص 110، انظر قاسمية: حياة دمشق الاجتماعية، ص 94.

([460]) عيساوي: الهلال الخصيب، ص 361.

([461]) ابن كنان الصالحي الدمشقي: يوميات شامية، ص 24. انظر نعيسة، المرجع السابق، ص 269.

(*) الصرة أميني: هو حامل أموال السلطان، المؤتمن عليها.

([462]) س 1100، و 36، ت 1313، 1896 م. حول كيلار الحج

س 1161، و 49، ت 1319 هـ، 1902 م.  دار محافظ ركب الحج، سوق ساروجة

انظر غرايبة: سورية في القرن التاسع عشر، ص 141

انظر الزواهرة: تاريخ الحياة الاجتماعية في لواء دمشق، ص 31

([463]) س 963، و 49، ت 1309 هـ، 1892 م، “اشترى محمود الجوخدار بالوكالة عن المرأة”.

انظر خالد العظم، مذكرات، ص 11، العظمة، مرآة الشام، ص 114.

(**) التـختـروان: هو الهودج الذي تركبه النساء أثناء رحلة الحج.

([464]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 9، و 113، ت 1303 هـ، 1886 م.

(*) المراكيب: الأحذية، والمراكيبي هو صانع الأحذية وتستخدم في مصر والمغرب العربي

([465]) عيساوي: الهلال الخصيب، ص 361

([466]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 134.

([467]) رافق: بحوث اقتصادية لبلاد الشام، ص 125.

ALBert – Hourani , A Histry of The arabe  peoples   p.p.277

(**) بخارى: مدينة في إيران ( خراسان)

([468]) ابن كنان الصالحي، يوميات شامية، ص 311

انظر: جان سوفاجيه، دمشق الشام، تعريب فؤاد البستاني، تحقيق أكرم العلبي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ط1 1936، ط2 1989م، دمشق، ص 151.

Gorge – Koury , Province of Damascus , 1783 – 1832. The university of Michigan , ph. D 1970 p.p. 125 – 126.

([469]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 6.

(**) قناق: كلمة تركية أصلها ( قوناق) (الدار) أخذها الدمشقيون عن الأتراك واستخدمت للبراني ” من أوراق البارودي ” ج1 ، ص 94.

([470]) قاسمية: حياة دمشق الاجتماعية، ص 98.

([471]) العظمة: مرآة الشام، ص 79.

([472]) قره كوز: العين السوداء.

([473]) الزواهرة: لواء دمشق اجتماعياً، ص 74.

([474]) س 798، و 71، ت 1301 هـ، 1884 م

([475]) س 813، و 3، ت 1303 هـ، 1886 م.

([476]) س 1100، و 75، ت 1313 هـ، 1896م

([477]) س 1095، و 15،ت 1314 هـ، 1897 م

([478]) س 1106، و 122، ت 1315 هـ، 1898 م.

([479]) س 1292، و 190، ت 1323 هـ، 1906 م.

([480]) س 1292، و 187، ت 1323 هـ، 1906 م

([481]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 109

([482]) كرد علي: خطط الشام، ج 6 ص 280.

([483]) مذكرات البارودي، ج6، ص 95

([484]) مذكرات البارودي، ج6، ص 94

([485]) س 1292، و190، ت 1323 هـ، 1906 م.

([486]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 109.

([487]) س 1227، و 126، ت 1320 هـ، 1903 م.

([488]) الباحثة :  وحدثني أحد كبار السن حول لعبة كان يلعبها الرجال وتمارس في الساحات العامة أو أمام الدكاكين وهي لعبة (المنقلة) حيث لا تزال لديه وهي قطعة من خشب الجوز. واستمتعت بشرح كيفية اللعب فيها والفوز فقال: ” هي كما تريْن قطعة من خشب الجوز طولها حوالي 75 سم وعرضها 20 سم وسماكتها 5 سم ويحفر فيها (14 حفرة). في صفين متتالين وتسمى الحفرة منها (بيتاً) ونضع في كل بيت سبع حصيات صغيرة ملساء. وللعب فيها يجلس لاعبان والمنقلة بينهما ويوزع كل منهما حصى البيت الواحد على البيوت الأخرى، فإذا بقي في يده زوج أو زوجان ربحهما مع مثلهما من منافسة. وهكذا حتى تنتهي المنقلة كلها من الحصى، والغالب هو الذي جمع العدد الأكبر فيحق له أخذ حصاة وتركها على زند المغلوب حتى يخفف من حدة وقع الغلب عليه نتيجة الهزيمة. ويتهكم الحاضرون على المغلوب ويطلبون منه أحياناً حلوان الغلب ( أكلة زلابية أو ما شابه )، أو القيام بأعمال محددة زيادة في التهكم ”

([489]) القساطلي: المصدر السابق، ص 109.

([490]) محاضر مجلس ولاية دمشق، س 5، و 411.

([491]) أوراق البارودي: ج1، مصدر ذكر سابقاً، ص 93.

([492]) أوراق البارودي: ج1، مصدر ذكر سابقاً، ص 60.

([493]) خالد العظم: مصدر ذكر سابقاً، ص 47.

([494]) س تجارة، 91، و 3، ت 1331 هـ، 1914 م.

([495]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص 471.

([496]) س تجارة 118، و 53، ت 1333هـ، 1916م. انظر القاياتي، نفحة البشام، ص 128.

(*) انظر الملحق رقم11.

([497]) كرد علي: خطط الشام، ج6، ص 279.

([498]) الصيادي: الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، ص 158-161.

([499]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 125.

([500]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ص 305 – 306.

([501]) مذكرات البارودي، ج1، ص 44.

([502]) القاياتي: نفحة البشام، ص 142.

([503]) العظمة: مرآة الشام، ص 80.

([504])Jean , Baptiste , Intereste Imperialis me Francais dans Lempire Ottoman  (1895 – 1914 ) sorbonne , paris 1971 , P. 69

انظر: The Encarta – encyclopeadia. c.d. d 2-3 History 2001    الموسوعة الأمريكية

([505]) غرايبة: سورية في القرن التاسع عشر، ص 158، 159، 160.

([506]) شيلشر : دمشق في القرنين 18 و 19، ص 79.

([507]) ل. ن  كوتلوف : تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي منتصف القرن الـ 19 – 1908،  ص 13-14.

([508]) الموسوعة الأمريكية  The Encarta – Encyclopedia. c d. History , 2001 ,

(*) انظر الملحق 4.

([509]) عبد العزيز عوض: الإدارة العثمانية في ولاية سورية، ص30، نقلاً عن (كنز الرغائب في منتخبات الجوانب) ج6 ص138-142.

([510]) س تجارة، 96، و 20، ت 1328 هـ، 1911 م.

(*) القصبة : واحدة لقياس مساحة الأراضي الزراعية تعادل في مدينة دمشق 24 م.2

([511]) س 809، و 248، ت 1303 هـ، 1886 م

([512]) س 928، و 48، ت 1309 هـ، 1892 م

([513]) س تجارة 96، و 19، ت 1328 هـ، 1911 م.

([514]) س 812، و 73، ت 1303 هـ، 1886 م

([515]) س 1296، و 83، ت 1323 هـ، 1906 م

([516]) س 809، و 248،ت 1303 هـ، 1886 م.

(*) العُشر: هي ضريبة يجمعها شخص يدعى عشار : حيث يشتري أعشار القرى من الحكومة بمبلغ معلوم عند المزايدة، فيقسط على ستة أقساط يدفعها للحكومة بوعد استحقاقها ويستلم من حاصلات تلك القرية التي اشتراها على موجب حاصلاتها في المائة 12% قرشاً و 25 بارة. وقليل من هؤلاء العشارين يتقون الله في أخذ العشر من الفلاحين خاصة إذا كان الواحد منهم صاحب نفوذ فيأخذ نصف الحاصلات أو أكثر.

المصدر: القاسمي،  قاموس الصناعات الدمشقية، ص 430.

وقد ذكر هؤلاء العشّارون في الإنجيل المقدس، بكثرة حيث كان ينظر لهم اليهود كخطاة. ولكن السيد المسيح جلس معهم وحاورهم لأنه جاء للمرضى وليس للأصحاء.

([517]) س تجارة، 98، و 61، ت 1326 هـ، 1909 م.

(**) المدّ : يعادل نصف كيلة، وربع المدّ يعادل = 4.5 ليتر ( 3.273 كغ ) أي المدّ = 3.273 ×4 =… كغ. والكيلة الموحدة 30.27 ليتراً أي 25.656 كغ من الحنطة.

رافق: وثائق غزة، ص 83.

([518]) س تجارة، 94، و 103، ت 1328 هـ، 1911 م.

([519]) س تجارة، 118، و 505، ت 1328 هـ، 1911 م.

([520]) س تجارة، 96، و 144، ت 1328 هـ، 1911 م.

([521]) شيلشر : دمشق في القرنين 18 و19، ص 108.

(*) المقصود بالفلاح هنا الذي يعمل بالمياومة أو المشاهرة في أرض أرباب المزارع وكبار المزارعين والملاك، أو ربع المحصول، فيدعى مرابع.

([522]) س تجارة، 94، و 103، ت 1332 هـ، 1915 م

([523]) شيلشر: دمشق في القرنين 18 و19، ص 108

([524]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 206.

انظر: Roger Owen, The Midelle east in the world  economy, 1800- 1914, London, 1981  p. 356

([525]) س تجارة، 25، و 206، ت 1309 هـ، 1893 م

([526]) س تجارة،98، و54، ت 1328 هـ، 1911 م.

([527])Gibb & Bowen ibed , vol. 1. p. 54

([528]) س تجارة، 98، و 61، ت 1326 هـ، 1909 م

([529]) س تجارة، 118، و 505، ت 1331 هـ، 1914 م

([530])opcit , vol. 1. p. 12  Gibb & Bowen

([531]) س تجارة، 96، و 19، ت 1328 هـ، 1911 م

([532]) س تجارة، 4، و13، ت 1302 هـ، 1885 م

([533]) س تجارة، 15، و 279، ت 1306 هـ، 1889 م.

([534]) س تجارة، 17، و 124 ، ت 1305 هـ، 1888 م

([535]) س تجارة، 17، و 99 ، ت 1305 هـ، 1888 م

([536]) س تجارة، 17، و 99  الوثيقة السابقة

([537]) س تجارة، 19، و 18، ت 1306 هـ، 1889 م.

([538]) س تجارة، 18، و 154، ت 1306 هـ، 1889 م

([539]) س تجارة، 18، و 154، ت 1306 هـ، 1889 م

([540]) س تجارة، 18، و 156، ت 1306 هـ، 1889 م.

([541]) س تجارة، 96، و 140، ت 1328 هـ، 1911 م

([542]) س تجارة، 96، و 144، ت 1328 هـ، 1911 م

([543]) س تجارة، 15، و 246، ت 1306 هـ، 1889 م.

(*) اهتم البدو بتربية الجمال لاستخدامها في نقل البضائع والغلال في تلك المرحلة بين المدن (دمشق، بغداد، حلب، استانبول…. حيث لم تكن وسائط النقل الحديثة قد أخذت دورها بشكل كامل في كل المناطق.

([544]) س تجارة، 19، و 67، ت 1306 هـ، 1889 م

([545]) س تجارة، 8، و 106، ت 1304 هـ، 1887 م.

([546]) س تجارة، 13، و 653، ت 1306 هـ، 1889 م

([547]) س تجارة، 22، و 40، ت 1305 هـ، 1888 م.

([548]) س تجارة، 18، و 22، ت 1305 هـ، 1888م.

([549]) س تجارة، 96، و 19، ت 1328 هـ، 1911 م

([550]) س تجارة، 22، و 54، ت 1307 هـ، 1890 م

([551]) س تجارة، 22، 57، ت 1307 هـ، 1890 م.

(*) لوعدة : لمدة

([552]) س تجارة، 21، و 8، ت 1308 هـ، 1891 م

([553]) س تجارة، 1، و 169، ت 1302 هـ، 1885 م.

([554]) س تجارة، 22، و 41، ت 1305 هـ، 1888 م.

([555]) س تجارة، 15، و 221، ت 1306 هـ، 1889 م

(*) ما سهل زيادة المساحات المزروعة في الفترة المدروسة، هو بناء خطوط السكك الحديدية، ومنح امتيازها لشركات أجنبية، وتصدير الحبوب من حوران وجعله أكثر أماناً وسهولة. ولكن الفائض لم يكن كبيراً. وبشكل عام فإن صادرات مدينة دمشق والريف المجاور لها كان ضعيفاً، حيث كان يخشى من أنه في بعض الأعوام لا يكفي لإطعام سكان  المنطقة (**).

المصدر: Roger owen, ibed, p.364

– ذكر القنصل الفرنسي عام (1882م ) أن قيمة الفدان من الأراضي الجيدة في البقاع قد ارتفعت خلال 12 عاماً من (2500 قرش و 2700 قرش ) إلى ما لايقل عن (12000 قرش) وقد سهلت سكة حديد الحجاز قيام المهاجرين الشركس وغيرهم بالاستقرار حول دمشق والزراعة ولكنها بطرق بدائية. وحدثت بعض المشكلات حول امتلاك أراضٍ تابعة لقرى من ريف دمشق بين الشركس (***)

المصدر: Roger owen, Opcit, p.363

(**)Roger Owen , Opcit p. 365 – 367

(***) س تجارة، 17، و 82، ت 1305 هـ، 1888 م.

([556]) ألفت الادلبي، عادات وتقاليد الحارات الدمشقية القديمة، اشبيلية للدراسات والنشر، دمشق ط 1996 م. ص 86. ومنه (أبو البقاء البدري، نزهة الأنام في محاسن الشام، الذي صدر أواخر القرن الـ 9 م الذي ذكر عشرين صنفاً من المشمش، وثلاثين من العنب، وخمسة عشرة من الدراق..”

(*) الرطل : معروف وهو حوالي 2600 غرام ثم استقر على 2500 غرام.

(**) الحق : 178 × 2.5 = 545 كيلو غرام ÷ 3،1  3= 165 كيلو غرام.

(***) المدّ: يساوي نصف كيلة، ووصفت الكيلة في عام 1890 بالمجيدي نسبة إلى السلطان عبد المجيد العثماني وكانت قيمتها موحدة في السلطنة منذ عام 1847م بـ35.27 ليتراً. من الحنطة، حيث تختلف المادة المراد وزنها. أي أن الكيلة مدّين وتعادل تقريباً 36 ليتراً. المصدر: عبد الكريم رافق، وثائق غزة، ص81.

([557]) س 1227، و 152، ت 1320 هـ، 1903 م.

(****) هي اليوم المنطقة المحيطة بفندق الميريديان من الشمال، والجبخانة اليوم هي الثكنة العسكرية غربي جامع الحسن في أبو رمانة.

(*****) افرنجي : تعني البندورة ومن النباتات الجديدة التي عرفت في دمشق في فترة دراستنا نبات الإفرنجي أو البندورة، وقد نقل إلى الشام من مصر وكان الناس يعافون أكله , ثم أحبوه وكثرت زراعته حتى أصبح من أشهر الخضراوات في المطبخ الدمشقي.

الغزي،  نهر الذهب في تاريخ حلب، دار القلم العربي، حلب ط1 1،1926، ط2 1992،  ص 105.

كما انتشرت زراعة البطاطا في الفترة ذاتها.

المصدر السابق، ج1، ص 103.

([558]) س 1058، و 80، ت 1313 هـ، 1896 م.

([559]) س تجارة، 17، و 3، ت 1305 هـ، 1888م.

([560]) س تجارة، 14، و 228، ت 1305 هـ، 1888م.

([561]) س تجارة 7، و 135، ت 1303 هـ، 1886 م

([562]) س تجارة، 92، و 91، ت 1329 هـ، 1912 م.

([563]) س تجارة، 19، و 91، ت 1306 هـ، 1889 م

([564]) س تجارة، 7، و 93، ت 1304 هـ، 1887 م.

([565]) س تجارة، 8، و 122، ت 1304 هـ، 1887 م.

([566]) رافق،  بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لبلاد الشام، ص 57.

([567]) Jean Baptist,  ibid  p. 70

([568]) عوض، الإدارة العثمانية في ولاية سورية، ص 321- 325

([569]) س تجارة،10، و 5، ت 1304 هـ، 1887 م

([570]) س تجارة، 10، 100، ت 1304 هـ، 1887 م.

([571]) س تجارة، 1، و 93، ت 1302 هـ، 1885 م.

([572]) س تجارة، 7، و،7، ت، 1304 هـ، 1887 م

([573]) س تجارة، الوثيقة السابقة.

([574]) س تجارة، 7، و،8، ت، 1305 هـ، 1888 م.

([575]) س تجارة، 7، و،71، ت، 1304 هـ، 1887 م.

([576]) جميع الأموال من الوثائق السابقة.

([577]) س تجارة، 1، و 288، ت 1303 هـ، 1886 م.

([578]) س تجارة، 8، و 134، ت 1304 هـ، 1887 م.

([579]) س تجارة، 15، و 213، ت 1306 هـ، 1889 م.

([580]) س تجارة، 10، و 138، ت 1304 هـ، 1887 م.

([581]) س تجارة، 17، و 66، ت 1305 هـ، 1888 م

([582]) س تجارة، 18، و 169، ت 1306 هـ، 1889 م

([583]) س تجارة، 20، و 4، ت 1306 هـ، 1889 م.

([584]) س تجارة، 15، و 183، ت 1306 هـ، 1889 م.

([585]) س تجارة، 2، و 25، ت 1302 هـ، 1885 م.

([586]) س تجارة، 1، 231، ت 1302 هـ، 1885 م.

([587]) Roger Owen , ibed. p 352 – 253 – 354

([588])Roger Owen , Opcit. p. 360

([589]) غرايبة : سوريا في القرن التاسع عشر، ص 15.

([590])Roger Owen , Opcit. p. 365- 367

([591]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 180

([592]) Roger Owen , ibed , p 355

([593])Roger Owen , ibed. p. 370

([594]) الصباغ: الجاليات الأوروبية في بلاد الشام، ج2 ص 864.

([595]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 342.

([596]) يمكن العودة إلى السجلات والوثائق المعتمدة في البحث فقد ورد معظم أسماء الأسواق والخانات وغيرها من المرافق التجارية والصناعية في مدينة دمشق لتلك المرحلة.

([597]) كوتلوف: تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي، ص 65.

([598]) رافق : بحوث اقتصادية، التنظيم الحرفي في بلاد الشام، ص 44.

([599]) رافق: المرجع السابق، ص 45-46.

([600]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 550 – 551.

(*) عمليات الشد: هي الاحتفالات التي تنتهي بضم المحتفل بهم إلى الصنعة أو الكار.

(**) انظر الملحق رقم – 9 –

([601]) س 812، و 197، ت 1304 هـ، 1887 م

([602]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 71

(***) المخوّمون : هم الذين يصنعون السروج من جلد الجمال.

([603]) رافق : بحوث اقتصادية، ص 45

([604]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 71.

(*) المزيّك: انظر القاسمي،  قاموس الصناعات، ص 96.

([605]) شيلشر: دمشق في القرنين 18 و 19، ص 102.

([606]) س تجارة، 20، و 70، ت 1306 هـ، 1889 م

([607]) س تجارة، 11، و 49، ت 1304 هـ، 1887 م.

([608]) س تجارة، 11، و 133، ت 1304 هـ، 1887 م

([609]) س تجارة، 2، و 119، ت 1302 هـ، 1885 م.

([610]) الحصني: منتخبات التواريخ، ج2، ص 244 – 245.

([611]) س 809، و 288، ت 1303 هـ، 1886 م.

([612]) س 1272، و 65، ت 1323 هـ، 1906 م.

(*) الزممات : الديون

(**) الفتالة : صنعة الفتالة

([613]) محفوظات البطريركية الانطاكية، ج2، ص 244، رقم الوثيقة، 2465، ت 1889 م

([614]) شيلشر : دمشق في القرنين 18 و 19، ص 91.

([615]) سركو : الامتيازات، رسالة ماجستير لم تنشر، جامعة دمشق، 2003م، فصل التجارة، معاهدة بلطة ليمان

([616]) س 1097، و 43، ت 1314 هـ، 1897م

([617]) س 1100، و 47، ت 1314 هـ، 1897م

([618]) س 1143، و 208، ت 1317 هـ، 1900 م.

([619]) س 1144، و 208، ت 1317 هـ، 1900م.

([620]) س 499، و 24، ت 1301 هـ، 1884 م

([621]) س 772، و 58، ت 1301 هـ، 1884م.

([622]) شيلشر : دمشق في القرنين 18 و19، ص 93

([623]) شيلشر : المرجع السابق، ص 94

(*) عن الفتال والكباب والمسدي والآلاجاتي : القاسمي، قاموس الصناعات الشامية، ص433  – 441 282 – 334 – 39

([624]) سعيد حمادة : النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1936، ص 126.

([625]) س 875، و 55، ت 1306 هـ، 1886 م

([626]) حمادة : النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان، ص 134.

([627]) الغزي : نهر الذهب في تاريخ حلب، ص 139.

([628]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 123.

([629]) القساطلي :الروضة الغناء، ص 124

([630]) س 1097، و 43، 43، ت 1314 هـ، 1897 م

([631]) س 1123، و 98، ت 1317 هـ، 1900 م

([632]) س 790، و 290، ت 1302 هـ،1885 م

([633]) س تجارة، 19، و 96، ت 1306 هـ، 1889 م.

([634]) وهبي الزحيلي، الفقه الاسلامي وأدلته، دار الفكر، ط 1997 م. ص 3333.

([635]) س تجارة، 7، و 234، ت 1304 هـ، 1887 م.

(*) البناطي : جمع بالطو (الكبوت).

([636]) القاسمي : قاموس الصناعات الشامية، ص 32.

([637]) س 917، و 5، ت 1307 هـ، 1890 م.

([638]) أوامر سلطانية إلى قاضي دمشق، المجلد 8 و المجلد 1، ت 1305 هـ، 1888 م.

([639]) س تجارة، 118، و 67، ت 1330 هـ، 1913 م.

([640]) س تجارة، 118، و 533، ت 1333 هـ، 1916 م

([641]) غرايبة: سورية في القرن الـ 19، ص 143 – 146.

([642]) س 1106، و 174، ت 1315 هـ، 1898 م.

([643]) س 1243، و 151، ت 1323 هـ،  1906 م.

([644]) س تجارة، 101، و 101، ت 1329 هـ، 1912 م.

([645]) س تجارة 86، و 235، ت 1304 هـ، 1887 م.

(*) طبنجة : نوع من السلاح – المسدس في ذلك الوقت.

([646]) س 386، و 9، ت 1306 هـ، 1889 م.

([647]) جنق: هو الطبق الذي يسكب فيه الطعام ( الصحن) يستخدم اللفظ حتى اليوم في مدينة حلب وريفها. يمكن أن يصنع من مواد مختلفة ( زجاج – فخار..) سمعنا ذلك من أحد كبار السن في قرية تقع على الحدود مع تركيا (الباحثة)

([648]) س 386، و 9، ت 1306 هـ، 1889 م.

([649]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 553.

([650]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 134.

(**) هو والد خالد العظم صاحب الدار المستخدمة لحفظ الوثائق العثمانية، سوق ساروجة. دمشق

(*) هوردبشيانو : اسم الشخص الأجنبي الذي اشترت شركة الزجاج منه الأرض

([651]) س تجارة، 100، و 43، ت 1330 هـ، 1913 م.

([652]) س تجارة، 91، و 137، ت 1331 هـ، 1914 م.

([653]) س تجارة 100، و 53، ت 1331 هـ، 1914 م

([654]) س تجارة 47، و 45، ت 1314 هـ، 1897 م.

([655]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 123

([656]) كرد علي : خطط الشام، ج 4 ص 230.

([657]) القساطلي :الروضة الغناء، ص 124

([658])  Roger Owen , ibed , p 364

([659]) الحصني : منتخبات التواريخ،ج2  ص 1123، انظر أيضاً : وجيه كوثراني، التاريخ الاجتماعي، معهد الإنماء العربي، 1980، ص 154، حول حرف دمشق في تلك الفترة.

(*) إن التتبع الدقيق الموثق للوضع الاقتصادي في مدينة دمشق و رأسمال الصناعة الوطنية والدور المقاوم للرأسمال الأجنبي، يعكس كثيراً من السياسات الاقتصادية التي لم تدرس من قبل بهذا الشكل. وهي بحاجة لدراسة أكثر عمقاً وشمولاً.

([660])The encyclopeadia of Islam ibed, , p.p. 1182

([661]) س 807، و 124، ت 1306هـ، 1889 م

([662]) س 837، و 21، ت 1304هـ، 1887 م.

([663]) س تجارة، 19، و 151، ت 1306 هـ، 1889 م

([664]) س تجارة، 17، و 50، ت 1305 هـ، 1888 م.

([665]) س تجارة، 7، و 211، ت 1304 هـ، 1887 م.

([666]) س تجارة، 109، و 91، ت 1306 هـ، 1889 م.

([667]) س تجارة، 21، و 68، ت 1308 هـ، 1891 م.

([668]) س تجارة، 12، و 33، ت 1304 هـ، 1887 م.

([669]) س تجارة، 78، و 33، ت 1327 هـ، 1910 م.

([670]) س تجارة، 87، و 37، ت 1329 هـ، 1912 م.   س تجارة، 87، و 60، ت 1329 هـ، 1912 م.

(*) عليق جمال : طعام للجمال ( علف ).

(**) عدول صوف : كياس صوف، مفردها عدل (كيس) يملأ بالمواد كالقمح والشعير وغيرها.

(***) معجن : وعاء لعجن الطحين ويصبح عجيناً ثم يصنع منه الخبز.

([671]) س 1307، و 189، ت 1326هـ، 1909م.

([672]) س تجارة، 21، و 211، ت 1308 هـ، 1891 م.

([673]) The Encyclopedia of Islam , ibid , p , 1187

([674]) س تجارة،12، و 42، ت 1304 هـ،1887 م.

([675]) س تجارة، 1، و 203، ت 1302 هـ، 1885 م.

([676]) س تجارة، 3، و 189، ت 1302هـ،1885 م.

([677]) س تجارة، 2، و 119، ت 1302 هـ، 1885 م.

([678]) س تجارة، 1، و 104، ت 1302 هـ، 1885 م.

([679]) س تجارة، 8، و 73، ت 1304 هـ، 1887 م.

(*) بروتستو : بروتست، اعتراض، احتجاج، بيان خطي من قبل كاتب بالعدل  يوضّح فيه أنّ سنداً قدم إلى شخص ما فرفض دفعه أو قبوله.

([680]) س تجارة، 1، و 27، ت 1301 هـ، 1884 م.

(**) البوليصة : هي الوصل، الحوالة بمعنى السفتجة، البيان، بوليصة الشحن، بوليصة التأمين.

([681]) س تجارة، 22، و 76، ت 1307 هـ، 1890 م.

([682]) س تجارة، 20، و 88، ت 1304 هـ، 1887 م.

([683]) س تجارة، 20، و 88، ت 1304 هـ، 1887 م.

([684]) س تجارة، 5، و 293، ت 1303 هـ، 1886 م.

([685]) س تجارة،5، و 293، ت 1303 هـ، 1886 م.

(*) عقد إيجار.

([686]) س تجارة، 25، و 153، ت 1309 هـ، 1892 م.

(**) بطريقخانة: مركز بطريركية السريان.

([687]) س تجارة، 8، و 91، ت 1303 هـ، 1886 م.

([688]) رافق: بحوث اقتصادية لبلاد الشام، ص 184.

([689]) س تجارة، 10، و 71، ت 1304 هـ، 1887 م.

([690]) س تجارة، 15، و 253، ت 1306 هـ، 1889 م.

([691]) س تجارة، 19، و 91، ت 1306 هـ، 1889 م.

([692]) س تجارة،18، و 275، ت 1305 هـ، 1888 م

([693]) س تجارة، 112، و 199، ت 1305 هـ، 1888 م.

([694]) س تجارة، 112، و 199، ت 1305 هـ، 1888 م.

([695]) س تجارة، 15، و 253، ت 1306 هـ، 1889 م

([696]) س تجارة، 15، و 89، ت 1306 هـ، 1889 م.

([697]) س تجارة، 18، و 33، ت 1305 هـ، 1888 م.

([698]) رافق : بحوث اقتصادية لبلاد الشام، ص 156.

(*) استخدم لتقسيم الكل إلى أجزاء بلغت أربعة وعشرين قيراطاً ومثلما قسم الزراع  العقار إلى قراريط قُسِّم الفرس إلى قراريط أيضاً وهناك أجزاء القيراط مثل ½ قيراط وثلث وربع وثمن وسدس وخمس…

(**) الرسن : هو اللجام أو ما تربط به الفرس المقصود هنا أن يكون مربط الفرس عند المدعى عليه أوكتاف كابيلا التاجر الأجنبي.

([699]) س تجارة، 19، و 168، ت 1306 هـ، 1889 م

([700]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقية، دار الحداثة بيروت ط1 1985 م، ص 99.

([701]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 269. ص 251.

([702]) س 1060، و 9، ت 1312 هـ، 1895 م.

([703]) دليل المحاكم في مدينة دمشق، سوق ساروجة، دار الوثائق العثمانية، إعداد وتقديم د. بريجيت مارينو، الأستاذ أكرم العلبي، توموكي أوكاوارا باحث ياباني، دمشق، 2002م، ص20.

([704]) سالنامة دولة علية ولاية سورية رقم (4) عام 1298 هـ – 1880 م. أيضاً رافق، بحوث اقتصادية، ص 120

([705]) الغزي : نهر الذهب، ج1 ص 277.

وجاء في كتاب Ottoman  reform    M A oz  إن ” مجلس تجارة أنشئ في كل من بيروت ودمشق عام 1850م. وفي حلب عام 1853م ” وعندما كثر عدد الأجانب والقناصل في مدينة دمشق وزادت تدخلاتهم في شؤون المحاكم، أنشئت محكمة تجارية تضم (14) عضواً نصفهم يعين من قبل الحكومة العثمانية ونصفهم يعين من بين التجار والأجانب. وهذا بحد ذاته دليل مهم على مدى تدخل الأجانب وسطوتهم داخل البلاد في ظل الحكم العثماني.

المصدر: دليل المحاكم في مدينة دمشق، مرجع ذكر سابقاً، ص26.

([706]) س تجارة، 5، و 51، ت 1303 هـ، 1886 م.

([707]) س تجارة، 15، و 186، ت 1306 هـ، 1889 م.

([708]) س تجارة، 18، و 38، ت 1305 هـ، 1888 م.

([709]) س تجارة، 76، و 132، ت 1323 هـ 1906 م.

(*)وذلك لأنها محرمة شرعاً، وكانوا يعبرون عنها في أحيان كثيرة، كما تذكر الوثائق، بمقدار من الصابون أو القماش اشتراها المستدين من الدائن عند عقد القرض.

([710]) رافق : بحوث اقتصادية، تحليل وثائق غزة، ص 152

([711]) س تجارة، 10، و 93، ت 1306 هـ، 1889 م.

([712]) س تجارة، 77، و 50، ت 1324 هـ، 1907 م.

([713]) س تجارة،15، و 186، ت 1306 هـ، 1889 م.

([714]) س تجارة، 19، و 43، ت 1306 هـ، 1889 م.

([715]) س تجارة، 19، و 96، ت 1306 هـ، 1889 م.

([716]) س تجارة، 21، و 211، ت 1308 هـ، 1891 م.

([717]) س تجارة، 15، و 66، ت 1304 هـ، 1887 م.

([718]) س تجارة، 10، و 10، ت 1302 هـ، 1885 م.

([719]) س تجارة، 10، و 18، 1304 هـ، 1887 م.

([720]) س تجارة، 17، و 136، ت 1305 هـ، 1888م.

([721]) س تجارة، 19، و71و 59و6، ت 1306 هـ، 1889 م. انظر : س تجارة 19،و 59، ت1306هـ،1889 م.

س تجارة، 20، و 72، ت 1306 هـ، 1889 م.  س تجارة 19،و 6،ت 1606هـ، 1889 م

([722]) س تجارة، 18، و 7، ت 1305 هـ، 1888م.

(*) الكونتراتو : الاتفاق.

([723]) س تجارة 18، و 7، ت 1305 هـ، 1888م

([724]) س تجارة، 8، و 96، ت 1303 هـ، 1886 م.

([725]) س تجارة، 8، و 77، ت 1303 هـ، 1886 م.

([726]) س تجارة، 12، و 33، ت 1304 هـ، 1887 م.

([727]) س تجارة، 13، و 300، ت 1305 هـ، 1888 م.

([728]) س تجارة، 17، و 38، ت 1305 هـ، 1888م.

([729]) س، 19، و 96، ت 1306 هـ، 1889 م.

([730]) س تجارة، 1284، و 95-96، ت 1319 هـ، 1902 م.

([731]) س تجارة، 100، و 86، ت 1331 هـ، 1914 م.

(*) الرطل : الشامي كان يعادل حوالي 2700 غرام فإذا ضربنا الرقم بـ 6 أرطال يكون الجواب 16.2 كلغ وهو وزن التنكة كما هو معروف.

المصدر: رافق: بحوث اقتصادية، تحليل وثائق غزة، ص82-93,

([732]) س تجارة، 118، و 312، ت 1332 هـ، 1915 م.

([733]) س تجارة، 100، و 10، ت 1330 هـ، 1913 م.

(*) الرزي : ادارة الريجي : حصر التبغ والتنباك التي تولت مهمة تحديد زراعة وشراء وبيع التبغ السوري

(**) التنباك : نوع من الدخان يزرع على الساحل السوري وجباله على المدرجات ويستخدم في النارجيلة.

([734]) س تجارة، 76، و 112، ت 1323 هـ، 1906 م.

([735]) س تجارة، 18، و 18، ت 1305 هـ، 1888 م

(*) أحمد كولو : حاولت تتبع هذه العائلة في مدينة دمشق، فوجدت أن محامياً كان له مكتب في الشيخ محي الدين ( السوق) ولكنه  انتقل إلى مكان آخر سألت التجار المجاورين، فلم يعرفوا إلى أين انتقل ( الباحثة )

(**) تجار الأصناف : تجار يبيعون مختلف الأصناف التجارية كما هو وارد في الوثائق ( سجاد، سمن، عجوة، حديد إفرنجي، خيول، نحاس )

([736]) س تجارة، 18، و 161، ت 1306 هـ، 1889 م.

([737]) س تجارة، 15، و 135، ت 1306 هـ، 1889 م

([738]) س تجارة، 15، و 143، ت 1306 هـ، 1889 م.

([739]) س تجارة، 18، و 192، ت 1306 هـ، 1889 م.

([740]) س تجارة، 21، و 154، ت 1308 هـ، 1891 م.

([741]) س تجارة، 21، و 47، ت 1308 هـ، 1891 م.

([742]) س تجارة، 21، و 169، ت 1308 هـ، 1891 م.

([743]) س تجارة، 22، و 78، ت 1308 هـ، 1891 م.

([744]) س تجارة، 21، و 23، ت 1308 هـ، 1891 م.

([745]) س تجارة، 19، و 162، ت 1306 هـ، 1889 م.

([746]) س تجارة، 20، و 185، ت 1306 هـ، 1889 م.

([747]) س تجارة، 18، و 161، ت 1306 هـ، 1889 م.

([748]) س تجارة، 19، و 184، ت 1306 هـ، 1889 م

([749]) س، 887، و 75، ت 1306 هـ، 1889 م.

([750]) س تجارة، 19، و 180، ت 1306 هـ، 1889 م.

([751]) س تجارة، 13، و 384، ت 1306 هـ، 1889 م.

([752]) س تجارة، 78، و 243، ت 1327 هـ، 1910 م.

(*) بلاد الكرج

([753]) س تجارة، 18، و 291، ت 1305 هـ، 1888 م

([754]) س تجارة، 12، و 255، ت 1305 هـ، 1888 م.

([755]) س تجارة، 12، و 177، ت 1305 هـ، 1888 م.

([756]) س تجارة، 11، و 130، ت 1304 هـ، 1887 م.

(*) فرافق : فرنك فرنسي

([757]) س تجارة، 8، و 171، ت 1304 هـ، 1887 م، انظر الملحق رقم22.

([758]) القساطلي: الروضة، فقرة أسواق دمشق، ص99.

([759]) القساطي: الروضة الغناء، ص 97-98.

([760]) س،900، و137، ت 1306 هـ، 1889م.

([761]) س 1181، و185، ت 1318هـ، 1889 م

([762]) س 1181، و 185، ت 1318 هـ، 1901 م.

([763]) س 1094، و 79، ت 1315 هـ، 1898 م.

([764]) س 1096، و18، ت 1315 هـ، 1898 م. انظر الملحق رقم23.

([765]) س 1100، و 228، ت 1314 هـ، 1897 م.

([766]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 99.

([767]) القساطلي : المصدر نفسه، ص 98.

([768]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 100. انظر الملحق رقم23.

([769]) س تجارة، 76، و 124، ت 1323 هـ، 1906 م.

([770]) س تجارة، 1095، و 58، ت 1313 هـ، 1898 م.

([771]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 100.

([772]) س 921، و 25، ت 1309 هـ، 1892 م.

([773]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 100، وهذا الوصف موجود في الخان الذي قمنا بزيارته ( الباحثة ).

([774]) س 880، و 83، ت 1305 هـ، 1888 م.

(*) لأنه كان وقفاً على الحرمين الشريفين.

([775]) س 877، و 101، ت 1305 هـ، 1888م.

س 1212، و 42، ت 1321 هـ، 1904 م.

([776]) س 853، و 40، ت 1305 هـ، 1888م.

([777]) س 1000، و 637، ت 1320هـ، 1903م.

([778]) س تجارة، 79، و 348، ت 1325 هـ، 1908 م

([779]) س 1291، و 193، ت 1321 هـ، 1904 م.

([780]) س تجارة، 78، و 206، ت 1327 هـ، 1910 م.

([781]) س، 974، و 94، ت 1309 هـ، 1892 م.

([782]) س تجارة، 79،  و 65، ت 1324 هـ، 1907م.

([783]) س، 813، و 40، ت 1303 هـ، 1886 م.

([784]) القساطلي :الروضة الغناء، ص 111.

([785]) س تجارة، 19، و 115، ت 1306 هـ، 1889 م.

([786]) س تجارة، 19، و 11، ت 1306 هـ، 1889 م.

([787]) س تجارة، 11، و 19، ت 1304 هـ، 1887 م.

(*) الرطل يعادل في مدينة دمشق 2700 غرام. وذكر عبد الكريم رافق أن الرطل كان يعادل 12 وقية وكل أوقية 12 درهماً  ص 84، تحليل وثائق غزة.

([788]) س 850، و 18، ت 1320 هـ، 1902 م.

([789]) س تجارة، 118، و 487، ت 1330 هـ، 1913 م.

([790]) س 950، و 4، ت 1310 هـ، 1893 م.

([791]) س تجارة 96، و 129، ت 1328 هـ، 1911 م.

(*) القيراط : هو تقسيم الكل إلى أجزاء بلغت 24 قيراطاً، كما تقسم العقارات اليوم  إلى 2400 سهم. وللقيراط أجزاء أصغر مثل ¼ القيراط وثمن القيراط، ” وبضرب الرقم في 6 يكون المجموع 3500 غرش تعادل 35 ليرة ذهب تقريباً ” المصدر: رافق، بحوث اقتصادية، تحليل وثائق غزة، ص80.

([792]) س 799، و 75، ت 1301 هـ، 1884 م.

([793]) س 1100، و 192، ت 1314 هـ، 1897 م.

([794]) س 1033، و 51، ت 1313 هـ، 1896 م.

(**) أي أن ثمن الدكان كان 8 × 4،3 × 24 = 256 ليرة ذهب مجيدي.

([795]) س 1033، و 50، ت 1313 هـ، 1896 م.

([796]) س 1095، و 58، ت 1315 هـ، 1898 م.

([797]) س 848، و 171، ت 1304 هـ، 1887 م.

([798]) س 1139، و 1، ت 1317 هـ، 1900 م.

([799]) س 1188، و 75، ت 1318 هـ، 1901 م.

(*) ويركو : كلمة تركية تعني أو مال ميري أو رسم ومصدرها ( ويرمك) وتعني الوهب أو العطاء أو المنح وهي ويركو الأملاك ويركو التمتع وقسم إلى عشرة أقساط  في السنة توزع على الفلاحين كسندات قيمة كل منها 5 قروش. المصدر : عوض، الادارة العثمانية في سورية، ص 169 -170.

([800]) س 1285، و 106، ت 1319 هـ، 1902 م.

([801]) س تجارة، 11، و 1، ت 1304 هـ، 1887 م.

([802]) س تجارة، 21، و 195، ت 1308 هـ، 1891 م.

(*) رافق : بحوث اقتصادية، ص 152.

([803]) س تجارة، 2، و 15، ت 1302 هـ، 1885 م.

([804]) س تجارة، 19، و 2، ت 1306 هـ، 1889 م.

([805]) س تجارة، 2، و 25، ت 1302 هـ، 1885 م.

([806]) س تجارة، 21، و 19، ت 1305 هـ، 1888 م.

([807]) تجارة، 17، و 19، ت 1305 هـ، 1888 م.

([808]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 590.

([809]) حمادة، النظام الاقتصادي في سوريا ولبنان، ص 283.

([810]) سالنامة عثمانية، ولاية سوريا عام 1298هـ، 1880م، ص 257.

([811]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 268.

(*) يكر ملك : ذات العشرين ، أوتلق : ذات العشرة، بشلك : ذات الخمسة، الألتيلق: ذات الستة،  أما الدرهم : 16 قيراط، القيراط: 4 حبات.

([812]) اسماعيل غالب، المسكوكات العثمانية، ترجمة محمود عامر، كتاب قيد الطبع.

أيضاً : العلاف : دمشق مطلع العهد العثماني، ص 210.

(*) كان سعرها في دمشق عام 1274 هـ،1857م.  97.5 قرشاً، وفي عام 1276 هـ، 1859م،  100 قرش. ونلاحظ هبوط  سعرها في الفترة المدروسة.  رافق، تحليل وثائق غزة، ص 86-89.

([813]) س 705، و 177،ت 1296 هـ، 1879م

([814]) س تجارة، 47، و41، ت 1313 هـ، 1896 م.

([815]) س، 18، و 118، ت 1306 هـ، 1889م.

([816]) س 18، و 118، ت 1306 هـ، 1889م.  نفس الوثيقة

([817]) س تجارة، 19، و 17، ت 1306 هـ، 1889 م.

([818]) س تجارة، 20، و 14، ت 1306 هـ، 1889 م.

([819]) عيساوي: التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب، ص 503.

(*) في عام 1839 صدرت السندات القائمة على الخزينة بقيمة (25 قرشاً) بفائدة 12 % وفي عام 1844 م سُكت عملة جديدة (الليرة التركية) من الذهب والفضة بقيمة (100 قرش  و18 شلناً)

([820]) عيساوي : المرجع السابق، ص 504.

([821]) س 18، و 91 ،وس 18، و 66، وس 20، و 72 ،وس 18، و 118

([822]) الوثيقة السابقة.

([823]) س 1239، و 41، ت 1321 هـ، 1904 م.

([824]) س 1296، و 173، ت 1324 هـ، 1907 م.

([825]) غرايبة: سورية في القرن التاسع عشر، ص 162.

([826]) س تجارة، 89، و 107، ت 1329 هـ، 1912 م.

([827]) س تجارة،121، و 170، ت 1331 هـ، 1914 م.

([828]) س 1197، و 287، ت 1320 هـ، 1903 م. انظر الملحق رقم 27.

([829]) س تجارة، 10، و 35، ت 1302 هـ، 1885 م.

([830]) س تجارة، 11، و 115، ت 1304 هـ، 1887 م.

([831]) س تجارة، 1095، و 29، ت 1315 هـ، 1898 م.

([832]) س تجارة، 18، و 20، ت 1305 هـ، 1888م.

([833]) س تجارة، 18، و 83، ت 1305 هـ، 1888م.

([834]) رافق : بحوث اقتصادية لبلاد الشام، ص 120.

([835]) صباغ : الجاليات الأوروبية، ج 2، ص 852-853.

([836]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 35 – 36.

(*) Avanias،هي جمع المال بالقوة ، غرامة جماعية، القاموس التركي ، دار الوثائق العثمانية، سوق ساروجة  ، دمشق.

([837]) The encyclopedia of is lam  p.p. 1178.

([838]) كوتلوف : تكون حركة التحرر الوطني، ص 72.

انظر: Roger  Owen , The midlle east in The world economy, p. 345

([839]) كوتلوف: تكون حركة التحرر الوطني، ص 18.

([840]) سالنامة دولة عثمانية رقم 3، لعام 1879 م، ص 356، دار الوثائق، سوق ساروجة، دمشق.

([841]) Gibb- Bowen , ibed , vol , 1 , part , 1 , p. 267

([842]) عوض : الإدارة العثمانية في ولاية سورية، ص 270.

([843]) س 1095، و 31، ت 1315 هـ، 1898 م.

([844])  س 1028، و101، ت 1312 هـ، 1895 م. “من جميع العربخانة الكائنة بمحلة البحصة”.

([845]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 38.

([846]) عوض: الإدارة العثمانية ولاية سورية، ص 271.

([847]) العلاف : دمشق مطلع القرن العشرين، ص 41.

([848]) غرايبة: سورية في القرن الـ 19، ص 155.

([849]) كرد علي : خطط الشام، ج5، ص 224 – 225.

([850])Roger  Owen. ibed. p. 345

([851]) العلاف: دمشق مطلع القرن العشرين، ص 39.

([852]) كرد علي : خطط الشام، ج5، ص 160 – 161

(*) يذكر بيد يكر أن الذراع المستخدمة في سورية وفلسطين حوالي عام 1890 م كان طولها 67.75 سم المصدر: رافق، بحوث اقتصادية، ص 74.

([853]) س تجارة، 121، و 73، ت 1331 هـ، 1914 م.

([854]) عيساوي : التاريخ الاقتصادي، ص 242.

([855])Roger – Owen , ibed. p. 345

([856]) س تجارة، 123، و 52، ت 1330 هـ، 1913 م.

([857]) س، 1071، و 88، ت 1314 هـ، 1897 م.

([858])Jean , Baptists , Interest t Imperialisme Francais, p. 329

([859]) Jean  Baptists , opcit. conclusion p. 328 – 329

([860]) عوض: الإدارة العثمانية، ص 288.

([861]) عوض: المرجع نفسه، ص 278.

([862]) س تجارة، 90، و 7، ت 1327 هـ، 1910 م.

([863]) العظمة، مرآة الشام، ص 330.

(*) اقتلعت خطوط الترام من مدينة دمشق عام 1964 م ولم يبق سوى خط دمشق دوما الذي اقتلع فيما بعد أيضاً.

انظر  س تجارة، 100، و 32، ت 1331 هـ، 1914 م. بخصوص شركة الترامواي.

([864]) كرد علي، خطط الشام، ص 214 – 217، ج5.

([865]) س تجارة، 121، و 150، ت 1331 هـ، 1914 م.

([866]) س تجارة، 90،و 17، ت 1325هـ، 1908م.

([867]) س تجارة، 94، و 104، ت 1330هـ، 1913م.

([868]) الصيادي : الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، ص 134.

([869]) العظمة: مرآة الشام، ص 75.

([870]) العظمة: المصدر نفسه، 76.

([871]) سالنامة ولاية سورية، سنة 1313 هـ، 1896 م.

([872]) عوض: الإدارة العثمانية، ص 282.

([873]) جورج انطونيوس، يقظة العرب، دار العلم للملايين، بيروت ط1 1962م، ص 143.

([874]) كرد علي : خطط الشام، ص 189-

([875]) س 1217، و 95، ت 1320 هـ، 1903 م.

([876]) س 1249، و 51، ت 1321هـ، 1904م.

([877]) س تجارة، 79، و 120، ت 1324 هـ، 1907 م.

([878]) س تجارة، 79، و 271، ت 1325 هـ، 1908 م.

([879]) س تجارة، 99، و 30، ت 1328 هـ، 1911 م.

([880]) جريدة الأمة ( العدد 8 )، ت 1910 م، سوق ساروجة، مركز الوثائق، دمشق.

([881]) س تجارة، 100، و 28، ت 1331 هـ، 1914 م.

([882]) س تجارة، 91، و 50، ت 1330 هـ، 1913 م.

س تجارة، 77، و 42، ت 1323 هـ، 1906 م.

(*) القصبة الدمشقية تعادل 24 متراً مربعاً.

([883]) س تجارة، 85، و 31، ت 1329 هـ، 1912 م.

([884]) يوسف عبد الهادي، ثمار المقاصد، وزارة الثقافة، دمشق – سورية ط 1 1982م، ص 209.

([885]) سالنامة دولت علية عثمانية، رقم 21، لعام 1326 هـ، 1909 م

([886]) عوض: الإدارة العثمانية، ص 289.

([887]) انطونيوس : يقظة العرب، ص 142 – 143.

([888]) عوض: الإدارة العثمانية، مرجع ذكر سابقاً، ص 286

([889]) عوض: المرجع السابق، ص 287.

([890]) كرد علي : خطط الشام، ج5، ص 235 – 236.

([891]) سالنامة ولاية سورية لعام، 1318 هـ، 1901 م، ص 361.

([892]) كرد علي: خطط الشام، ج5، ص 234.

([893]) س 1116، و 91، ت 1316 هـ، 1899 م.

(*) الحمل : وهو ما يحمل على ظهر حيوان النقل، واستخدم الحمل كمكيال بالنسبة لغير الحبوب مثل أحمال صوف يعادل كل حمل منها 10.318 رطلاً للحمل الواحد،رافق، تحليل وثائق غزة، ص 82

([894]) س 1133، و 13، ت 1316 هـ، 1899 م.

([895]) عوض : ومنه أرشيف استنبول مجلس ولاية، وثيقة رقم 2354، ت 1281 هـ، 1864 م.

([896]) الشهابي : دمشق تاريخ وصور، ص 80.

([897]) كرد علي : خطط الشام، ص 237.

([898]) القاسمي: قاموس الصناعات الشامية، ج1، ص 176- 177.

([899]) أكرم حسن العلبي، ولاة دمشق في العصر العثماني، كتاب قيد الطبع، فقرة ولاة دمشق في العصر العثماني الآخر.

الحصني: منتخبات التواريخ، ج1، ص 276-273- ولاة دمشق زمن العثمانيين إلى خروجهم منها.

سالنامة ولاية سورية رقم 3، ت 1297 هـ – 1879 م، ص 82 -. ص 356.

(*) انظر الملحق رقم -13-

([900]) أوامر سلطانية، قاضي دمشق، المجلد 10، و 103، ت 1298 هـ، 1880 م.

([901]) س تجارة، 123، و 55، ت 1330هـ، 1912 م.

(*) أبرز هؤلاء الولاة في منتصف القرن التاسع عشر محمد رشدي باشا وهو إداري جيد نفذ كثيراً من القوانين وحكم لمدة عامين وخمسة أشهر 1863 م، 1866 م.

ومن ولاة عصر التنظيمات محمد راشد ناشد باشا 1874 – 1875. الوالي ضياء باشا  1873 م وله أعمال عمرانية ودينية.

([902]) صلاح الدين المنجد، ولاة دمشق في العهد العثماني، دمشق 1949، ص 280.

([903]) مخطوط سلاطين آل عثمان، ج23، الخاص بالسلطان عبد الحميد الثاني، صنفت تحت رقم، 10704، المكتبة الظاهرية، تاريخ الاسلام، مكتبة الأسد الوطنية، ص 39.

([904]) الحصني : المنتخبات، ج1،  ص 272.

([905]) المنجد : ولاة دمشق في العصر العثماني، ص 282.

([906]) س 892، ت 1306 هـ، 1887 م.

([907]) س 877، ت 1305 هـ، 1886 م.

([908]) س 1073، و 148، ت 1315 هـ، 1896 م.

([909]) عبد القادر ريحاوي، دمشق معالمها وتاريخها، وزارة الثقافة، دمشق 1985م،  ص 82.

([910]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 272.

([911]) الحصني: المرجع نفسه، ص 273.

انظر جواد القاياتي، نفحة البشام في رحلة الشام، ص 40 -41.

([912]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 272.

([913]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 272.

([914]) المنجد: ولاة دمشق في العصر العثماني،، ص 286 – 189.

(*) انظر الملحق رقم22.

([915]) المنجد: ولاة دمشق في العصر العثماني، ص 286 – 189.

([916] ) قتيبة الشهابي: أسواق دمشق القديمة ومسيرتها التاريخية، وزارة الثقافة، دمشق 1990 م. ص 60.

انظر: جان سوفاجيه، توسيع الطرق وأسواق جديدة، ص 108

([917]) س 867، و 145، ت 1305 هـ، 1886 م.

(*) انظر الملحق رقم -15-16-

([918]) س 892، و 129، ت 1306 هـ، 1887 م.

([919]) س 1057، و 47، ت 1311 هـ، 1892 م.

([920]) س 1029، و 182، ت 1312 هـ، 1893 م.

(*) الذراع الاسلامبولي: الذراع المستخدمة في سورية حوالي عام 1890 كان طولها 67.75 سم، المصدر (بيدبكر) رافق، تحليل وثائق غزة، ص 79.

K.Baedeker , palestine et syrie , Maneul du voyageur , Deuxieme edition , leipzig , 1893. p. 159

([921]) س 1058، و 7، ت 1312 هـ، 1893 م.

(**) وقد أعادت محافظة دمشق عام 2002 إظهار واجهات الدكاكين الأثرية القديمة، لمحلات سوق الحميدية، وذلك بإزالة التجاوزات على الأعمدة الأثرية الفاصلة بين الدكاكين ومساحة السوق، وبالتالي أعطت السوق شكله الأثري القديم الذي وسع بموجبه أيام الوالي راشد ناشد باشا.

([922]) س 873، و 15، ت 1305 هـ، 1886 م.

([923]) العلبي: ولاة دمشق في العصر العثماني، كتاب قيد الطبع.

([924]) س 1044، و 156، ت 1313 هـ، 1894 م.

([925]) س 924، و 37، ت 1308 هـ، 1889 م.

(*) انظر الملحق رقم25.

(**) انظر الملحق رقم -2-

(***) أودة : غرفة

([926]) س 880، و 28، ت 1305 هـ، 1886 م.

(*) البابور: سفينة ( باخرة) من وسائل النقل البحري، تنقل الركاب أو البضائع.

([927]) س 1002، و 258، ت 1312 هـ، 1893 م.

([928]) س 1293، و 180، ت 1323 هـ، 1904 م.

([929]) س 1317، و 20، ت 1326 هـ، 1907 م.انظر الملحق رقم17.

([930]) الحسيني الدمشقي: الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، ص 131.

([931]) س 971، و 105، ت 1309 هـ، 1891 م.

(*) الكروسة: الطريق البري. انظر الملحق 13-14.

([932]) س 1071، و 88، ت 1314 هـ، 1895 م.

([933]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 376 – 379.

الحسيني الدمشقي : الروضة البهية، ص 131.

([934]) سالنامة ولاية سورية رقم 17، ت 1317 هـ، 1900 م.

([935]) س 1100، و 1050، ت 1314 هـ، 1895 م.

([936]) س 1198، و 164، ت 1321 هـ، 1902 م.

([937]) س 91، و 360، ت 1338 هـ، 1919 م.

([938]) المنجد: ولاة دمشق، ص 290،

([939]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 277.

([940]) س 1129، و 134، ت 1318 هـ، 1899 م.

([941]) س 1133، و 3، ت 1316 هـ، 1897 م.، س 1129، و 31، ت 1316 هـ، 1897 م.

(*) انظر الملحق رقم 18.

([942]) أوامر سلطانية قاضي دمشق، المجلد 11، و 1-2، ت 1310 هـ، 1891 م. الفريق قائد الجيش الخامس عمر

([943]) أوامر سلطانية قاضي دمشق، المجلد 11، و3، المصدر مجلس ادارة الولاية في سورية، ت 1311 هـ، 1892 م.

([944]) س 1214، و 3، ت 1319 هـ، 1900 م.

([945]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 283 – 285.

([946]) س تجارة، 121، و 25، ت 1330 هـ، 1911 م.

(*) انظر الملحق رقم -26-

([947]) الشهابي: دمشق تاريخ وصور، ص 87.

([948]) الحصني: المنتخبات، ص 274.

([949]) الشهابي: دمشق تاريخ وصور، ص 174.

([950]) الشهابي: مرجع سابق، ص173

القاياتي: نفحة البشام، ص 94،

والمنجد: ولاة دمشق في العهد العثماني، ص 213

(*) انظر الملحق رقم -18-

([951]) الشهابي :  مرجع سابق، ص 176

س، 1129، و 134، ت 1318 هـ، 1899 م.

([952]) أوامر سلطانية، مجلد 11، و 1 – 2، ت 1310 هـ، 1891 م

(*) وقد وجدنا هنا أنه من المفيد تسجيل التسلسل الزمني للمشيدات في ساحة الشهداء في دمشق، في القرنين التاسع عشر والعشرين:

1- السرايا القديمة 1807 م. الوالي كنج يوسف باشا.

2- تغطية نهر بردى في المرجة 1866م. الوالي محمد راشد باشا.

3- البريد والبرق العدلية 1877 م. ولاية الصدر الأسبق مدحت باشا.

4- فندق فكتوريا 1895 م. ولاية حسين ناظم باشا.

5- دار البلدية(*) 1895 م. ولاية حسين ناظم باشا.

6- السرايا الجديدة وعمودها التذكاري 1900 م. ولاية حسين ناظم باشا.

7- دائرة الشرطة

النصب التذكاري للاتصالات البرقية والكهرباء والترام 1907م. حسين ناظم باشا

8- بناء عزت باشا العابد 1908 -1910- 1911، نهاية الولاية الأولى لحسين ناظم باشا

9- فندق أمية 1927 م ((1)).

(*) انظر الملحق رقم 21-26.- ((1)) الشهابي: دمشق تاريخ وصور، ص11.

(*) الإيوان (الليوان)،  وهو غرفة للجلوس. انظر الملحق رقم 1-2-5-24.

([953]) كارل ولتسنجر: الآثار الإسلامية، في مدينة دمشق، ط1 برلين 1924م، دمشق، سورية، ص 48.

([954]) س 880، و 106، ت 1305 هـ، 1889 م.

([955]) العظمة: مرآة الشام، ص 102-103

([956]) س،1123، و 138، ت 1317 هـ،1898 م.

(*) لواوين : مفردها ليوان وهي تشبه الصالون الذي يستعمل لجلوس أهل البيت فقط. المصدر الزواهرة، لواء دمشق، ص 93.

([957]) س 1123، و 138، ت 1317 هـ، 1898 م.

س 471، و ص 17، ت 1272 هـ

([958]) والتسنجر: الآثار الإسلامية، ص 49.

([959]) س 880، و 106 م ت 1305 هـ، 1886 م.

([960]) العظمة: مرآة الشام، ص 71.

([961]) القاياتي: نفحة البشام في رحلة الشام، ص 137.

([962]) العظمة: مرآة الشام، ص 71

([963]) س 860، و 305، ت 1308 هـ، 1889 م.

([964]) س 1038، و 36، ت 1313 هـ، 1894.

(*) المشرقة: الغرفة الواسعة الشرقية.

([965]) س 974، و 1، ت 1309 هـ، 1890 م.

([966]) العظمة: مرآة الشام، ص 102- 103″للبركة أشكال متعددة، مستطيلة – أو مربعة أو سداسية أو على شكل نجمة ذات أضلاع”

([967]) الحسيني الدمشقي : الروضة البهية في فضائل دمشق، ص 117

([968]) الحسيني الدمشقي: المصدر السابق، ص 118.

([969])  س 1137، و 161،  بدون تاريخ

([970]) شيلشر: دمشق في القرنين الـ 18 و 19،”حول وصف الدور الدمشقية ومياهها.

([971]) العظمة: مرآة الشام، ص 63

([972]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 274 – 280.

(*) انظر الملحق رقم -1-

(**) ناظر الاصلاحخانة.( أي مدير)

(***) اسم البائع الأجنبي

(****) الوكالتنامة: ورقة التوكيل عن الآخر الرسمية.

([973]) س 772، و 58 – 92،  1301 هـ، 1884 م.

([974]) القساطلي: الروضة الغناء، ص 96 – 97  انظر: شيلشر : دمشق في القرنين الـ 18 و 19، ص 30، ولتسنجر : الآثار الإسلامية، ص 51-52،  والشهابي :دمشق تاريخ وصور، ص 339.

(*) انظر الملحق رقم -1-

([975]) س 772، و 58 – 92، ت 1301 هـ، 1884 م.

([976]) القساطلي : المصدر نفسه، ص 96 – 97

([977]) القساطلي : الروضة الغناء، ص 97

([978]) القاياتي: نفحة البشام، ص 157.

(*) انظر الملحق رقم -5-

([979]) س 798، و 53، ت 1301 هـ، 1882 م.

([980]) القاياتي: نفحة البشام، ص 137.

([981]) س 1161، و 75، ت 1320 هـ، 1901 م.

([982]) س 479، و 603، ت 1272 هـ،

س 1044، و 156، ت 1320 هـ، 1901 م.

([983]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 1114.

([984]) الحسيني الدمشقي: الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية، ص 119

([985]) س 875، و 52، ت 1306 هـ، 1887 م.

س 781، و 255، ت 1302 هـ، 1883 م.

س 811، و 91، ت 1303 هـ، 1884 م.

س 810، و 101، ت 1302 هـ، 1883 م.

س 853، و 130، ت 1305 هـ، 1886 م.

([986]) نعيسة: مجتمع مدينة دمشق، ج1، ص 125.

([987]) منير الكيال، الحمامات الدمشقية وتقاليدها، 1966 م، ص 173.

([988]) س 880، و 28، ت 1508 هـ 1886 م.”بالطريق السلطاني تجاه حمام العفيف بالصالحية”

([989]) س 555، و 190.

(*) انظر الملحق رقم -14-

([990]) العلبي: خطط دمشق، ص 288 ومابعد ( عن هذه الحرائق)

([991]) علي الطنطاوي، الجامع الأموي، وزارة الأوقاف دمشق، 1960 م، ص 85 وما بعد.

س 1004، و 170، ت 1312 هـ، 1893 م.

انظر: الأب متري هاجي، اتناسبوس، دمشق وأهميتها التاريخية، المجلد الخامس،بلجيكة، ط 1997م، ص 130

وأيضاً:  Afif Bahnassi , The omyad mosque of Damascus , Translation First Edition 1989 , p 93 -94   ‘  The Fire of 1893 and recent Restoration  ‘

([992]) طنطاوي: الجامع الأموي، ص 87.

([993]) مطيع الحافظ، حريق الجامع الأموي وبناؤه، دمشق 1989 م، ص 27.

(*) ضريح النبي يحيى : هو ضريح القديس يوحنا المعمدان الذي قطع رأسه الملك هيرودس تلبية لرغبة ابنة أخيه”سالومي”اليهودية.( القصة موجودة في التعاليم الكنسية”

([994]) الحصني: منتخبات التواريخ، ص 1038.

([995]) الحافظ: حريق الجامع الأموي، ص 54.

Be Sociable, Share!